كنوز| أمريكا فى مرمى نيران محمود السعدنى فى ذكراه الـ 15

محمود السعدنى مع ياسر عرفات
محمود السعدنى مع ياسر عرفات


وجه مفيد فوزى سؤالاً للكاتب الكبير إحسان عبد القدوس بأسلوبه المستفز «تفتكر يا أستاذ إحسان إنك ممكن تعيش بعد ما ترحل عن الدنيا؟»، فأجابه قائلاً: «طبعاً.. لأنى سايب ورايا ورق كتير مطبوع عليه اسمى»، بهذه الإجابة العبقرية نحتفى اليوم بالذكرى 15 لغياب الكاتب الساخر الكبير محمود السعدنى الذى غادرنا فى 4 مايو 2010 تاركاً خلفه مئات المقالات التى تحمل توقيعه وعشرات الكتب التى تحمل اسمه، «السعدنى» رحل - كما يرحل كل البشر بالجسد - لكنه ما زال حياً بما كتبه ونعيد قرأته عشرات المرات، فلا نمل من أسلوبه وخفة ظله ونكتشف فى كل قراءة ما لم نكتشفه فى القراءة السابقة !

اقرأ أيضًا|سينما إحسان عبد القدوس| بين ثورة المرأة وصراع الأجيال والعالم الجديد

تحل علينا ذكرى ساخرنا الكبير والرئيس الأمريكى «ترامب» يشعلها ناراً فى وجه كل الدول بقرارات غريبة تتيح للسعدنى لو كان ما زال بيننا مادة سخرية ثرية جداً، وتحل ذكراه أيضاً والدماء لا تتوقف فى فلسطين، الأمر الذى يدفعنى للعودة لسخرياته فى كتابه الممتع «أمريكا يا ويكا» الذى يكشف عن تأصيل استيلاء المهاجرين البيض الذين أقاموا دولتهم على أنقاض ودماء الهنود الحمر، وله مقالات ساخرة عن العصابات المُدللة التى اغتصبت فلسطين، وكراهيته للصهيونى «نتن ياهو»، وحبه للزعيم الفلسطينى ياسر عرفات، فهيا إلى بعض سطور كتاب «أمريكا يا ويكا» التى يقول فيها : 

- «إذا كان الإناء ينضح بما فيه، فالمجرم الأمريكى نتاج المجتمع الأمريكى، وهو نموذج الشخص الأمريكى الذى انحدر من سلالة المهاجرين الأوائل، الذين ذبحوا قبائل بأسرها ولم يخفق لهم قلب، وأبادوا شعباً بأسره ولم يرمش لهم جفن، وهم من ارتكبوا مذابح فيتنام، وقتلوا الملايين فى كوريا وشيلى وجواتيمالا وبوليفيا والكونغو وأفغانستان والعراق، والأمريكى الحقيقى يقول لك فى خيلاء: لولا إبادة الهنود الحمر ما كانت أمريكا، ولولا أمريكا ما كانت حضارة القرن العشرين، لقد خضنا فى بحر الدماء لكى نصل إلى القمر، وما قيمة الهنود الحمر أمام تفتيت الذرة وإنتاج مركبات الفضاء؟ 

اقرأ أيضًا|انطلاق الدورة الــ 45 لمهرجان القاهرة السينمائى الدولى .. بعد غد حسين فهمى: حضور مميز لسينما فلسطين

ويصل «السعدنى» - رحمه الله - إلى الخلاصة فيقول : «هذا هو المزاج الأمريكى، والتاريخ الأمريكى بلا ديكور ولا تزويق، سلسلة متصلة من الجرائم التى أدت إلى الخير من وجهة النظر الأمريكية، وعبثاً أن تحاول استدرار عطف أمريكا على شعب فلسطين، فأمريكا ترى فى إسرائيل شبابها الأول، وإسرائيل تسير على نهجها فى ذبح أهل الأرض التى اغتصبوها، مثلما ذبحت أمريكا الهنود الحمر عن بكرة أبيهم، ولم يكن المهاجرون البيض ينشدون السلام، لكنهم كانوا يريدون الأرض» . 

ويتحدث «السعدنى» عن ارتباطه بالزعيم ياسرعرفات فى مقال بجريدة «البيان» بتاريخ 4 نوفمبر 1998، يقول فيه: «العبد لله من دراويش أبو عمار، فالرجل لم يقصر خلال رحلة كفاحه الطويلة، لم يتردد فى خوض الحرب عندما كانت الريح مواتية والجو طيباً، ولم يعش حياته كغيره من الناس ولكنه عاش زاهداً ومنطوياً وقضى أغلب وقته فى الغرف المغلقة والخنادق ولم يكن له سوى هدفٍ واحد، أن يحصل على أى مساحة من أرض فلسطين يضع أقدامه عليها ويرفع أعلامه فى جوها ويحتفظ من خلالها باسم فلسطين حياً ونابضاً، وكان تحقيق الهدف يتوقف على الموقف العربى خصوصاً والموقف الدولى عموماً، فعندما اعتذر أبو عمار عن عدم الاشتراك فى كامب ديفيد كان الموقف العربى لا بأس به، قامت الجبهة الشرقية لتكون عوضاً عن الجبهة الغربية، فُتحت الحدود بين سوريا والعراق بعد قطيعة، وكان أول قرار للثورة الإيرانية طرد السفير الإسرائيلى وتسليم مقر السفارة لمنظمة التحرير الفلسطينية.. ولكن، وآهٍ من لكن هذه، حدث ما لم يكن فى الحسبان، سقطت الجبهة الشرقية وانقطع الاتصال بين بغداد ودمشق، ثم نشبت الحرب المجنونة بين العراق وإيران، ونزف العرب دماءهم وفلوسهم خلال 8 سنوات رهيبة.. ولم تكد الحرب تتوقف حتى وقع غزو العراق للكويت، وعادت الأمة العربية إلى سابق عهدها أيام الجاهلية، قبائل وعشائر..

ومن سوء حظ ياسر عرفات أنه انضم إلى القبيلة الخاسرة، ثم توالت الأحداث المؤسفة بالخروج من لبنان وبعثرة القوة الفلسطينية من تونس إلى اليمن، وخروج الفلسطينيين من الكويت، وتناقص العون المالى، وغافل أبو عمار الجميع وذهب سراً إلى أوسلو وانتزع من براثن إسرائيل اتفاقاً دفع رابين حياته ثمناً له، ولم تكن أوسلو الحلم والأمل، لكنها كانت الممكن فى ظروف العالم العربى والظروف الدولية، ولم يسلم أبو عمار من اتهامه بالتفريط والخيانة من أشاوس منهم من اكتفى بدعم فلسطين بحلاوة من طرف اللسان، ولم يقدم لها دولاراً ولم يمنحها بندقية ومنهم أصحاب النوايا الطيبة الذين يتصورون أن تحرير الأرض وعودة القدس يمكن تحقيقه بنسف مقهى فى تل أبيب أو إلقاء طوبة على سيارة عسكرية، الجميع اتفقوا على اتهامه بالخيانة وتناسوا أنه قالها صريحة رداً على أصحاب شعار «من النهر الى البحر» قائلاً: «غاية ما أصبو إليه هو تحرير الأرض من النهر إلى أريحا، وسأكون جندياً صغيراً مطيعاً فى جيش البطل الذى يحرر من أريحا إلى البحر!».

ويختتم «السعدنى» قائلاً: «نحن اليوم فى عالم لا يعلم مدى بشاعته إلا رب العباد.. والولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الأمر والنهى التى لا تهزل ولا تمزح، وما أسعدنى لو نهضت أمة تستطيع أن تضرب الولايات المتحدة على قفاها»!

اللقاء الأول بين السعدنى والسادات فى منزل الحجاوى

كان الساخر الكبير محمود السعدنى معروفاً عند السياسيين والزعماء بسليط اللسان الذى يروى لنا كيف رأى محمد أنور السادات أول مرة فيقول: «وقع بصرى على أنور السادات فى نهاية الحرب العالمية الثانية فى بيت الفنان زكريا الحجاوى الذى قدمنى إليه، كان شاباً فتياً أسمر اللون مفتول العضلات، يتحدث بطريقة مُميزة، وكأنه ممثل على خشبة مسرح، وعلمت أن زكريا سافر لمسقط رأسه فى بحيرة المنزلة برفقة محمد على ماهر وسافر معهما أنور السادات واختفى فى جزيرة معزولة داخل البحيرة هرباً من البوليس.

ورأيت السادات بعد ذلك عندما كان يتردد على زكريا الحجاوى فى قهوة «شهريار» فى مواجهة كوبرى عباس بالجيزة، وعندما انتقلت شلة الحجاوى إلى قهوة «كازينو» أسفل كوبرى عباس كان السادات يأتى أحياناً ومعه ضابط طيار يُدعی حسن عزت، وكان يقدمه على أنه أستاذه فى الوطنية، وكانت هذه الجلسات تضم: رسام الكاريكاتير أحمد طوغان، وأذكر أننى انتقدت طريقة السادات فى الجلوس والمشى والحديث وقلت ساخراً: «ده زى ما يكون شارب نشا»، واحتج طوغان قائلاً: «اللى انت شايفه ده ح يبقى ملك مصر»، وجاءت ثورة 23 يوليو واستمعنا إلى بيان الثورة الأول بصوت أنور السادات، وتصورت أنا وطوغان أن السادات هو زعيمها، وقلت لطوغان: «لقد صحت نبوءتك، وصاحبك صار ملكاً على مصر» !

فى تلك الأيام كان الحجاوى يعمل بجريدة «المصرى»، وصار يتحدث كثيراً عن أنور السادات فى القهوة، وفهمنا أنه يتردد على بيته فى الروضة، وعرفنا منه أن ثورة يوليو فى طريقها لإصدار جريدة يومية سيكون السادات مشرفاً عليها، وصدرت جريدة «الجمهورية» وكان السادات رئيس مجلس إدارتها، واستقال الحجاوى من «المصرى»، ومن وظيفته الحكومية، وصار مديراً لتحريرها، وكنت قد التحقت بجريدة «القاهرة» اليومية التى صدرت برأس مال عربی وترأس تحريرها أحمد قاسم جودة وأسعد داغر اللبنانى وإبراهيم الشنطى الفلسطينى، وتعثرت بعد عام واحد وتحولت لجريدة مسائية، فتركتها وعملت بمجلة «التحرير» وتركتها عندما تولى رئاسة تحريرها محمد صبيح، وذهبت لجريدة «الجمهورية».

وبعد ثلاثة أشهر من التحضير لجريدة «الجمهورية» أصدر السادات قراراً مفاجئاً بفصل الحجاوى الذى كلفنى بأن أفاتح السادات فى أمره وكان السادات عضواً بمحكمة الثورة التى تحاكم زعماء الأحزاب المنحلة، وكان العبد لله مندوباً للجريدة فى المحكمة، وكنت التقى به يومياً فى فترات الاستراحة، ولأن العبد لله مدب ويخطئ فى أحيان كثيرة فى قياس المسافات بينه وبين البشر، فقد تصورت أن السادات هو نفسه الذى كان يجلس معنا على القهوة، ويناقشنا ويمزح معنا، ولم أدرك حجم التغيير الذى جعله يوقع على قرار فصل الحجاوى وهو من أعز أصدقائه! تقدمت منه فى فترة الاستراحة، وبعد أن صافحنى بمودة قلت له : «زكريا الحجاوى يا أفندم»، ولم أتفوه بكلمة واحدة بعد ذلك، فقد صرخ فى وجهى صرخة عنترية وهو يقول: «ما تتكلمش عن حد يا محمود.. خليك فى نفسك»!

محمود السعدنى «روزاليوسف» - 15 مايو 1995

 

حكاية مسافر على رصيف قهوة عبد الله

عندما يقع فى يدك كتاب للساخرالكبير محمود السعدنى الذى اختص لنفسه لقب «الولد الشقى» تأكد أن عقلك سيعمل، وتنطلق فى داخلك ضحكة مجلجلة، وستعرف ما لا تعرفه، فالرجل لف الدنيا شرقها وغربها، ولطمته الأيام فى مواقف يشيب لها الغراب، كما سنعرف من كتاب «مسافر على الرصيف» الذى يقول فيه: «لا يعرفه أخوكم الحقير لله محمود بن عثمان بن محمد بن على بن السعدني، الذى ينحدر من أصول يمنية ومن قبيلة على حدود صنعاء، والذى رحل جده الأول مع الفتح الإسلامي، ثمَّ راقت له الحياة فى مصر فأقام فى الشرقية، ثمَّ خلال سنوات القحط والجوع والاضطهاد هاجر السعادنة من الشرقية إلى كل مكان، ولذلك ستجد السعدنى فى المنوفية والغربية والإسكندرية والجيزة، وستجد قبيلة السعدنى المصرية مذكورة فى كتاب «وصف مصر» الذى وضعه علماء الحملة الفرنسية منذ قرنين من الزمان!

ويستطرد قائلاً : «ولا أظن أنَّ أحدًا من قبيلة السعدنى المصرية أو أصولها اليمنية قد داخ السبع دوخات كما داخ العبد لله، ولا أعتقد أنَّ سعدنيًّا آخر قد حصل له ما حصل للعبد لله، فأنا وحدى الذى داخ فى البلاد وجالس العباد، وصادفه حوادث وكوارث يشيب لهولها الغراب ! أنا وحدى من دون السعادنة الذى قطع رحلة حياته فى بلاد تحط وبلاد تشيل، قطعت بلاد العرب قرية قرية، من طنجة إلى مأرب، وعلى بلاد الهند أنا مريت، وفى بلاد السند أنا أقمت وتمشيت، وفى اليابان أنا عشت تحت الشمس المشرقة، وإلى جوار أفران المصانع المحرقة، وفى بلاد الأمريكان لفيت من بافالو إلى سكرامنتو، أحببت الأمريكان وتمنيت أن أعيش معهم، فهم عرب أغنياء، أو هم عرب تصببوا عرقًا ودمًا حتَّى صاروا أغنياء، وتمنيت أن نلف لفهم، وأن نمشى على دربهم، وأن نُحقِّق فى خمسة قرون ما حققوه فى قرن واحد من الزمان»! 

ويواصل قائلاً : «القارة المحظوظة أوروبا أنا مسحتها من مجريط بالعربى التى هى مدريد باللاتينى إلى برلين بالألماني، ومن دبلن فى إيرلندا إلى لاهاى فى هولندا، وحكمة الله أنَّ أهل إيرلندا هم عرب أيضًا من بيروت ممكن، من الجزائر يجوز، من مصر لا مانع، ولكنَّهم وجدوا أنفسهم فجأة فى أوروبا، ولكن ماذا يُفيد الجليد فى الدم الحار الذى يغلى فى العروق ؟! 

وفى إفريقيا أنا نمت فى الغابات وسرحت فى البرارى، وعشت فى الجبال، ودخلت بيوت الأفارقة، وصليت فى جوامع مسلمين، وخالطت جماعة من أكَلة لحوم البشر، ولكن ما أطيب الجميع، وما أرق قلب الكل وما أقربهم إلينا، وما أشدهم عداوة على أعدائنا، وما أحرانا أن نلتفت إليهم، وأن نمد أيدينا لهم، وأن نمضى معهم، فلهم نفس الغاية ويسلكون نفس الطريق، ولكنى أموت وفى نفسى شيء من حتى، لو ذهبت إلى قبرى قبل أن تكتحل عيناى برؤية بلاد الحب والموسيقى والثورة فى أمريكا اللاتينية، وأموت ناقص عمر لو انتهى الأجل قبل زيارة نيوزيلندا وأستراليا، فهذا الكوكب الذى نحيا عليه ما أصغره وما أجمله، وحرام أن نمر عليه دون أن نراه، وحرام أيضًا أن نمضى عنه دون أن نستكمل فرجتنا عليه، وعلى طول ما لفيت ونطيت فى بلاد الله، أصارحكم بأنَّ أعظم رحلاتى فى الحياة كانت بلا سفر، رحلة ساكنة ومستقرة وهادئة قطعتها عبر سنواتٍ طوال على مقعد فى قهوة عبد الله بالجيزة التى كانت أنوارها باهتة ومقاعدها مهشمة ورصيفها أعرض من حظها وشهرتها أوسع من مساحة الميدان الذى كان يطل عليه، التقيت فيه بعشرات الأدباء والشعراء والفنانين، بعضهم تتلمذت على يديه، وبعضهم زاملته، وبعضهم تأَسْتَذت عليه، نماذج قلَّ أن يجود الزمان بمثلهم، نادرًا ما يجتمعون فى زمان واحد، ولكن جاد الحظ بهم فى وقت واحد،، بعضهم اختطفه الموت، والبعض هرسه الزمن الغادر، وبعضهم طرده الجحود والنكران، لكنَّهم جميعًا من زبدة مصر، وجزء من سحرها، وقبس من روحها، وحفنة من ترابها، هم مصر نفسها، وبفضلهم خرج من هذا المقهى الصغير شعاع من النور يشع فى مصر كلها».

من مقدمة «مسافر على الرصيف»

 

«الولد الشقى» والبنت اللهلوبة فى باريس !

أولَ مرة جئت فيها إلى باريس، تصورت أننى قادمٌ إلى الفردوس؛ الشوارع من البلور، والأرض من الزجاج، وحيطان البيوت من ذهب، والحدائق من شجر الجنة، وتصورت النساء من جنسٍ آخر؛ الجلد زبدة، والدم قشطة، والكلام نغمٌ موسيقى، خليطٌ من أناشيد كاهن فرعونى، ومزامير داود، وتراتيل سماوية للشيخ رفعت، تصورت نساء باريس بلا فضلات؛ لأن بطونهن بلا أمعاء، وأفواههن للهمسات والقُبلات، وليس للمضغ والطحن وازدراد الفول والكبة النية، وتصورت أننى سأجد فى باريس سوقًا رائجة، فأنا شرقى، والشرق ساحر، وأنا أسمَر، والسَّمار مطلوب، ولا بد سأعثر على حوريةٍ آخر شخلعة، الخدود تفاح، والشفايف عجمية، والعيون فناجيل شاى، وسبحان الذى خلق الناس أشكالًا على ألوانٍ كأسنان العبد لله ! 

ويحدثنا «السعدنى» عن بنت لهلوبة ولا أرنب برى مرت من أمامه، شعنونة ولا قنفد فى برارى البصرة، بنت متحركة متكركرة متشنكرة، واتفضلى شاي، لا متشكر! وغمزت لها بعينى فلم تستجب، مسحت بيدى على صلعة رأسى من باب التحية والسلام، فساقت التقل على العبد لله، وتصنَّعت الدلال، وتقصَّعت ذات اليمين وذات الشمال، ثم دارت ثم لفَّت، ثم أفلتت، ثم أدبرت، ثم أقبلت آخر حلاوة وآخر انسجام ! وانتهزت الفرصة فغمزت وهرشت، وإذا بالبنت الفرنساوية تطب فى غرام دباديب العبد لله ! 

ويستطرد: «سحبتنى البنت الحلوة وعكمتنى كشرطى عاكم واحد صايع تحرِّي، وقالت: بنا أيها الغلبان العدمان نغزو باريس، اتضح للعبد لله أنها تلميذة فى السوربون، تسعى للدكترة فى علم الأجناس، وتستطيع بنظرةٍ أن تكتشف من سحنة البنى آدم إذا كان أصله من العرعر أم من البربر»، ونختصر الحكاية عندما تأوهت البنت الحلوة وهى تقول للسعدنى: «أنا أدرس السلالات وعلم الأجناس، وعظام وجهك تؤكد أنك ربما كنت الرجل الوحيد الباقى من العصر الحميرى»، طق شرار الغضب من عينى «السعدنى» لكن الفرنساوية قالت: «ها هى الصدفة السعيدة تسوق فى طريقى بجثةٍ حية ونموذج متحرك من بقايا العصر الذى ضاع»!!

من كتاب «حمار من الشرق» 

 

الغرام من أول «هو هوة»!

لا تكفى صفحة واحدة من «كنوز» للكشف عما كان يتسم به السندباد الضاحك محمود السعدنى من حكايات يسردها بأسلوبه الفكاهى الساخر الجميل الذى يجعله من أمهر وأميز الحكائين فى تاريخ الصحافة الفكاهية فى مصر، ولنأخذ حكاية قصيرة تؤكد ذلك من كتابه «الموكوس فى بلاد الفلوس» التى يقول فيها : 
- «فى حديقة هايد بارك التقيت بامرأه وسيعة العينين كأنها بقرة.. دقيقة الفم كأنها طفلة حديثة الولادة.. ملفوفة الساقين كأنها مارلين ديتريش أيام زمان.. مسلوعة القوام كأنها العبد لله ! «هو هو» كلبها البرتقالى الصغير وجرى خلفى.. فلما انزعجت ابتسمت الحتة الإنجليزى الحلوة وقالت : «لا تخف إنه يتعرف عليك» !

وسؤال فجواب فسيجارة فمعرفة فزيارة فيا ميت ألف تلتميت مرحبة.. السيدة أم العيون الواسعة أحبت العبد لله لأن كلبها وقع فى غرامى.. وأنا خيل لى بادئ الأمر أننى من هذا الطراز من الرجال الذى تقع المرأة صريعة هواه من أول نظرة.. ولكن المرأة صدمتنى حين قالت بصراحة : «لقد أحببتك لأن كلبى أحبك.. والمسألة بسيطة - هكذا قالت - الكلاب تتشمم رائحة الرجل الطيب»! واتوكست ليلتها وكسة شحات مسكوه تحرى.. فقد اكتشفت أن المرأة وقعت فى هواى من أول «هو هوه» !! وأننى من هذا الطراز من الرجال الذين تقع الكلاب فى هواهم من أول شمة! 

من كتاب «الموكوس فى بلاد الفلوس»

أنا ومعزة غاندى!

بقلم: محمود السعدنى

كنت فى أيام الشباب عديم الوزن، وعديم اللحم، وكانت عظامى بارزة كأنها أسلاك شائكة حول المعسكرات، وكنت فى المدرسة الابتدائية لعيب كورة محترمًا، ومشهورًا ويُشار لى بالبنان وبالنعال ! وعندما ذهبت للمرحلة الثانوية، أبدوا إعجابهم بلعبى، ولكنهم أبدَوا احتقارًا لحجمى ! ولذلك ارتديت ملابس الكورة واكتفيت بالجلوس على الخط وتشجيع اللعيبة أثناء اللعب وتوزيع البرتقال عليهم بين الشوطين ! وعندما اشتغلت بالصحافة كان منظرى يوحى بأننى مريض بسُل العظام هربان من مستشفى قصر العينى، وطالب حسنة منك يا كريم !

وذات رحلة مع عبد الناصر لدسوق فى بداية الثورة، وكنا مجموعة من الصحفيين الشبان، وكلنا مرضى ومرهقون وعجاف، انهال علينا محافظ كفر الشيخ ضربًا عندما رآنا نحجل خلف عبد الناصر كالغربان، فقد ظن أننا شلة عيال صياع جئنا خلف البطل نهتف بحياته وحياة الثورة المباركة ورجالها الكرام، وانتقمنا منه انتقامًا رهيبًا، كان رجلًا من باشوات العهد الملكى فى حجم الفيل وشكله كالطاووس، أحمر الوجه، منتفخ الأوداج، شديد الصلف والغرور والكبرياء، كان اسمه محسن بك عزت، لكننا حرفنا اسمه فى جميع الجرائد الصباحية وكتبنا أن أعيان دسوق كانوا فى استقبال عبد الناصر وعلى رأسهم عبد الصبور بك عبد البصير محافظ كفر الشيخ ! يومها بكى الرجل من شدة القهر، وحاول الاعتذار لنا دون جدوى، مع أن الحق كان معه، فقد كان منظرنا ولا منظر جرابيع شاردة فى صحراء العرب بعد عام من الجفاف !

ولذلك ظللت العمر كله أحلم بأن يكون لى كرش يتدلى أمامى نصف متر، ويكون لى لُغد يتدلى تحت ذقنى بوزن عشرة أرطال ! وأتنفس بصعوبة من اللحم والشحم، أحجام وأكوام بعضها فوق بعض، وكان طمعى فى جلب المهابة والاحترام يزداد أكثر، فالطمع فى ذبحة صدرية تصيبنى وتجعلنى ألهث ككلب عطشان، وصار اقتناعى لا حدَّ له بأننى بكرش ولُغد وذبحة محترمة، سأحظى بالهيبة والرفعة وعظيم الاحترام، ويبدو أن الله استجاب لدعائى فبرز لى كرش، وتدلى لحضرتنا لُغد، وصرت ألهث بعد كل خطوة، ولكنى لم أحظَ إلَّا باحترام البوَّاب، قُتِلَ الإنسانُ ما أكفره !

زمان ضقت بالحياة، لأننى كنت فى حجم غاندى، واليوم أتمنى أن أعود فى حجم معزة غاندى ! ويا سبحان الله ..عندما كانت بطنى فى ظهرى، ورقبتى فى حجم السمسمة، كان يحسدنى أصحاب الكروش واللغود، وعندما صرت من أصحاب الكروش واللغود، صرت أحقد على المسلولين والمقشفين ! وزمان كان الأطباء حريصين على زيادة وزن العبد لله بالمقويات والفيتامين، واليوم يحاول الأطباء العودة بوزنى إلى أيام زمان، وحلمهم أن أعود كما قال الشاعر «لولا مخاطبتى إيَّاك لم ترَنى»، والعبد لله يحاول معهم بالمشى أحيانًا، وبالجرى أحيانًا، وبالصوم عن الطعام فى بعض الأحيان، ولكن لا المشى ينفعنى ولا الجرى يشفع لي، ولا الصوم يعصمنى من الدهون والشحوم، وبالرغم من الريجيم والتمرينات الرياضية، التى تؤديها خالتى ذكية فى برنامج صباح الخير يا بهية، فالعبد لله يذهب أول كل شهر إلى الترزى لتوسيع البدل التى ضاقت، ولتطويل البيجامات التى قصرت، والجلاليب التى انحسرت، وسعى العبد لله من أجل تحقيق الحلم لا يتوقف، والبنى آدم يعيش حياته يحلم ويأمل، والحياة قصيرة لولا فسحة الأمل، الناس تعيش وتحلم، وكلهم يجرى ويعرق من أجل تحقيق الأحلام، وأحيانًا يصيب وأحيانًا يخيب، ولكن أغرب المصادفات أنه عندما يتحقق حلمه يسقط ميتًا فجأة بلا مقدمات، مات وكأن حلمه كان هو الخيط الذى يشده إلى الحياة، فإذا تحقق الحلم انقطع الخيط وضاع فى الكازوزة يا وِلْداه !

من كتاب «وداعاً للطواجن»

 

الأخطاء تصبح معالم على الطريق إذا استطاع المرء أن يستفيد منها ويحولها لتجارب ناجحة.

محمود السعدنى