سينما إحسان عبد القدوس| بين ثورة المرأة وصراع الأجيال والعالم الجديد

إحسان عبد القدوس
إحسان عبد القدوس


محمد‭ ‬كمال

على مدار أربعة عقود ظلت رواياته الأعلى مبيعًا.. روائى صادم لمجتمعه، تبنى الصراع الأزلى بين المجتمع وتقاليده، صاحب أول فيلم مصرى تصاحبه لافتة «للكبار فقط» والذى أخذ عن إحدى رواياته وحمل اسم «لا أنام» عام1957  أخرجه صلاح أبوسيف وكتب له السيناريو والحوار صالح جودت وشارك فى بطولته كوكبة من النجوم فاتن حمامة ويحيى شاهين وعمر الشريف مريم فخر الدين وعماد حمدى وهند رستم ورشدى أباظة، هو الروائى الأول للسينما المصرية.. إحسان عبد القدوس الذى تحل فى شهر يناير ذكرى ميلاده ووفاته معًا، فقد ولد فى 1  يناير عام 1919، وتوفى فى 12  يناير 1990، بعد أن ترك إرثا أدبيا كبيرا، ومازلت الأجيال الجديدة من المخرجين ينجذبون إلى تحويل أعماله إلى السينما، وكان آخرهم المخرج أمير رمسيس الذى قدم رؤية ومعالجة جديدة لرواية «أنف وثلاثة عيون» والذى طرح فى دور العرض العام الماضى، وسبق أن قدمته السينما المصرية من قبل عام 1972  للمخرج حسين كمال.

أول رواية خطفتها السينما لإحسان عبد القدوس كانت عام 1955 والتى حملت اسم «الله معنا» فى الفيلم الذى أخرجه أحمد بدرخان، وصحيح أن عبد القدوس صاحب أول فيلم يرفع شعار «للكبار فقط»، إلا أن أيضا أول الأفلام الماخوذة عن رواياته تعرض لأزمة رقابية كادت تمنع عرضه، حيث قدمت شخصية اللواء محمد نجيب وكان دوره محوريا بالفيلم الذي تم تصويره قبل إعفاء نجيب، فأوقفته الرقابة، إلى أن تظلم القائمون عليه لمجلس قيادة الثورة، فأجازه جمال عبدالناصر وحضر العرض الأول بنفسه بسينما ريفولي فى 14 نوفمبر 1955، وبعدها توالت الأعمال السينمائية المأخوذة عن روايته حتى وصلت إلى 58  فيلما كأكثر روائى فى تاريخ مصر تم تحويل رواياته للشاشة الفضية.

 

أعمال إحسان عبد القدوس الأدبية والتى نقلتها السينما المصرية كانت نتاج تجربة شخصية عميقة تتعلق بالتناقضات التى تربى خلالها داخل أسرته، فقد كان جده لوالده أحمد رضوان من خريجي الجامع الأزهر ويعمل رئيس كاتب بالمحاكم الشرعية، وهو بحكم ثقافته وتعليمه متدين جدا، يفرض على جميع العائلة الالتزام والتمسك بأوامر الدين وأداء فروضه والمحافظة على التقاليد، ويمنع جميع النساء في عائلته من الخروج إلى الشرفة بدون حجاب، فى الوقت الذى كانت فيه والدة إحسان عبد القدوس، وهى السيدة روزاليوسف مؤسسة مجلتى روزاليوسف وصباح الخير، سيدة متحررة تفتح بيتها لعقد ندوات ثقافية وسياسية يشترك فيها كبار الشعراء والأدباء والسياسيين ورجال الفن.

كان إحسان ينتقل وهو طفل من ندوة جده حيث يلتقي بزملائه من علماء الأزهر ويأخذ الدروس الدينية، ثم ما يلبث أن يجد نفسه في أحضان ندوة أخرى على النقيض تماماً لما كان عليه وهي ندوة روز اليوسف، تحدث عبد القدوس عن تأثير هذين الجانبين المتناقضين عليه قائلا «كان الانتقال بين هذين المكانين المتناقضين يصيبني في البداية بما يشبه الدوار الذهني، حتى اعتدت عليه بالتدريج واستطعت أن أعد نفسي لتقبله كأمر واقع في حياتي لا مفر منه».

تلك التناقضات هى التى شكلت فكر و وعى إحسان عبد القدوس فأصبحت روايته تمزج بين عدة صراعات، المجتمع وقيمه، أزمات المرأة، صراع الأجيال، وتلك المحاور الثلاثة ميزت سينما إحسان عبد القدوس النابعة من الأدب الخاص المتعلق بمصطلح «سينما المؤلف» وهو مصطلح له معنى فى الثقافة الغربية يكون مرتبطا أكثر بإتجاه المخرج أو المنتج بكتابة أفلامه، وهو ظهر بشكل أوضح فى السينما المصرية لكن مع جيل سينما الثمانينات، لكن قديما كان مصطلح سينما المؤلف يطرح على السينما القائمة على رؤية كاتب أو روائى خلال فترة من الزمن، لهذا فإن إحسان عبد القدوس يعتبر الأب الشرعى لسينما المؤلف، بحكم أنه الروائى الأول للسينما المصرية، تلك الرؤية التى تتمحور من خلالها أفكاره، وظهرت فيها همومه، الأمور الحياتية التى تشغله والتى هى ليست بمعزل عن توجهات مجتمعه، لتكون عالم خاص بهذا الكاتب، وهو ما نجح إحسان عبد القدوس فى تشكيله على مدار أعوام طويلة.

بطلات إحسان عبدالقدوس

المحور الأول وهو الخاص بنماذج المرأة فى أعماله، المرأة التى كانت تسعى للتحرر من قيود المجتمع، أو تسلط أسرتها ومن حولها، وقد ظهر هذا جليا فى بداية الأفلام التى أخذت عن رواياته خاصة مع المخرج صلاح أبو سيف فى أربعة أفلام متتالية، «أنا حرة» عام 1959 التى قامت ببطولته لبنى عبد العزيز، ثم بعده «البنات والصيف» وشخصية «وفية» التى قدمتها مريم فخر الدين، وشخصية «فايزة» راشد التى قدمتها فاتن حمامة فى فيلم «الطريق المسدود»وهو الفيلم الذى كتب له السيناريو والحوار نجيب محفوظ، ومن بعدهم فيلم «لا تطفئ الشمس» عام 1961، وعلى النقيض تأتى شخصية «مادى» التى قدمتها نادية لطفى في فيلم «النظارة السوداء» فقد كانت ثورتها من منظور مختلف ومن طبقة أرستقراطية أكثر فى الفيلم الذى أخرجه حسام الدين مصطفى عام 1963، وفى نهاية الستينيات وتحديدا عام 1969 يأتى فيلم «بئر الحرمان» والدور الذى قدمته سعاد حسنى فيه حيث الفتاة المصابة بمرض إزدواج الشخصية والفيلم من إخراج كمال الشيخ، وشخصية «منى» التى قدمتها فاتن حمامة فى فيلم «الخيط الرفيع» عام 1970 من إخراج هنرى بركات.

التنقل بين العوالم

المحور الثانى وهو الخاص بانتقال الأبطال من عالم إلى آخر، فى البداية مراقبة العالم الجديد ثم محاولات التماهى معه، وبالطبع يأتى فيلم «فى بيتنا رجل» فى مقدمة هذا النوعية من خلال شخصية إبراهيم المناضل الثورى ضد الإنجليز الذى يضطر إلى الاختباء فى منزل أسرة عادية من الطبقة المتوسطة والذين ممن ليس لهم أى توجهات سياسية، ويعيش إبراهيم لفترة داخل العالم الجديد، والفيلم من بطولة عمر الشريف وزبيدة ثوت وحسن يوسف وحسين رياض ومن إخراج هنرى بركات، وإنتاج عام 1961.

 

والنموذج الآخر فى هذا المحور الخاص بشخصية «فهمى عبد الهادى» التى قدمها عادل إمام فى فيلم «حتى لا يطير الدخان» عام 1984 للمخرج أحمد يحيى، حيث فهمى الطالب القادم من الأرياف المتفوق فى كلية الحقوق، أحلامه بسيطة وتعاملاته يغلب عليها المثالية والنقاء، يصطدم بالواقع المرير حينما يفقد أمه بحثًا عن ثمن علاجها في الوقت الذي يرى زملاءه ومن حوله يصرفون ببذخ ويسخرون من فقره بل ويرفضون مساعدته لعلاج والدته في حين يعمل هو على خدمتهم، فيقرر التخلي عن المثالية والدخول إلى العالم الجديد بهدف الإنتقام.

 

ونفس الحال شخصية «عائشة» التى قدمتها شادية فى فيلم «لا تسألنى من أنا» للمخرج أشرف فهمى وإنتاج عام 1984، وأيضا شخصية «مرتضى السلامونى» التى قدمها محمود عبد العزيز عام 1989 فى فيلم «يا عزيزى كلنا لصوص» للمخرج أحمد يحيى، وشخصية الراقصة «سونيا سليم» التى قدمتها نبيلة عبيد فى فيلم «الراقصة والسياسى» للمخرج سمير سيف، حيث تقرر سونيا الدخول فى معركة أمام أحد أهم السياسين فى البلد.

 

صراع الأجيال

المحور الثالث فى عالم إحسان عبد القدوس هو الخاص بصراع الأجيال، وهو الذى اشترك فيه مع المخرج حسين كمال فى فيلمين، ويبدو أن هذا المحور كان من اهتمامات حسين كمال فحدث تلاقى بين الثناءى، وهو ما يتضح جليا فى واحد من أشهر الأعمال السينمائية وهو فيلم «إمبراطورية ميم» الذى تصدرت بطولته فاتن حمامة وعرض عام 1972 من خلال شخصية الأرملة «منى» التى تتحمل مسئولية تربية أبنائها الستة بجانب عملها في وزارة التربية والتعليم، ومع نمو الأبناء تزداد مشكلاتهم خاصة مع وصول أغلبهم لسن المراهقة، فتتوتر العلاقة بينها وبينهم، وتم تقديم هذه الرواية فى مسلسل تليفزيونى عرض خلال شهر رمضان الماضى وتصدر بطولته خالد النبوى.

والفيلم الثانى هو «العذراء والشعر الأبيض» عام 1983 والذى شارك فى بطولته نبيلة عبيد ومحمود عبد العزيز وشيريهان، يبدو ظاهريا أنه يتعلق بمشكلة التبنى لكن فى طياته يحمل صراعا بين جيلين، الأول الذى يمثله الزوج «مدحت» والثانى الذى تمثله الشابة المتبناة «بثينة».

 

 

ويأتى أيضا فيلم «الوسادة الخالية» الذى أيضا فيه صراع جيل جديد مازال يبحث عن نفسه وعن هويته والأهم البحث عن الحب، فى الفيلم الذى شارك فى بطولته عبد الحليم حافظ ولبنى عبد العزيز وأحمد رمزى ومن إخراج صلاح أبوسيف.

اقرأ أيضا: اتفاقية تبادل «الضرب» بين أمير الرومانسية والعندليب الأسمر!

 

تولى إحسان رئاسة تحرير مجلة روز اليوسف التي أسستها والدته وكان عمره وقتها 26 عاماً، كما تولى رئاسة مجلس إدارة المؤسسة بعد وفاة والدته عام 1958، لكنه لم يمكث طويلاً فقدم استقالته بعد ذلك، ويترك رئاسة المجلة لأحمد بهاء الدين، ويتولى بعدها منصب رئيس تحرير جريدة أخبار اليوم مرتين: الأولى من عام 1966 إلى عام 1968 والثانية من عام من 1969 حتى عام 1974، وكانت لإحسان مقالات سياسية تعرض للسجن والاعتقالات بسببها، ومن أهم القضايا التي طرحها قضية الأسلحة الفاسدة التي نبهت الرأي العام إلى خطورة الوضع.

 وقد تعرض إحسان لمحاولات اغتيال عدة مرات، كما سجن بعد الثورة في عهد الرئيس جمال عبد الناصر مرتين في السجن الحربي، إحداها كانت من الفترة 28 أبريل 1954 إلى 31 يوليو 1954 بزنزانة إنفرادية رقم (19) بسبب مقالة نشرها بمجلة روز اليوسف بعنوان «الجمعية السرية التي تحكم مصر» هاجم فيها مجلس قيادة الثورة، وللمفارقة منحه الرئيس جمال عبد الناصر وسام الإستحقاق من الدرجة الأولى.

;