اتفاقية تبادل «الضرب» بين أمير الرومانسية والعندليب الأسمر!

إحسان عبد القدوس وعبدالحليم حافظ
إحسان عبد القدوس وعبدالحليم حافظ


هل تصدق أن صديقين حميمين يكن الواحد منهما للآخر كل احترام وتقدير، وينزله فى نفسه منزلة الأخ، قد تواعدا على أن يتبادلا الضرب إذا حدث وسهر أىٌّ منهما بعد منتصف الليل خارج منزله عملا بنصائح الأطباء، نحن لا نهزل، فقد وقع العندليب عبد الحليم حافظ مع صديقه إحسان عبد القدوس على اتفاق بأن يضربه أمام الناس إذا تصادف والتقى به بعد منتصف الليل خارج منزله، وأقسم إحسان بدوره ألا يشفق على عبد الحليم وينهال عليه ضربا إذا التقى به خارج منزله بعد الساعة الثانية عشرة ليلا.

وحكاية الضرب بين الصديقين بدعة جديدة لم يكن أحد يعرفها قبل أن يتفق عليها إحسان مع عبد الحليم، وتعالوا بنا لنسمع حكاية البدعة الجديدة التى بدأت مع عودة إحسان عبد القدوس من رحلته التى قام بها إلى شمال أفريقيا وإسبانيا وبعض بلدان أوروبا، وشاءت الصدفة أن تكون عودته فى نفس اليوم الذى عادت فيها الطائرة بعبد الحليم من أحد مستشفيات لندن، توجه إحسان إلى منزله أولاً، ثم ذهب لزيارة صديقه العندليب للإطمئنان عليه!.

وعندما التقى الصديقان تبادلا العناق والقبلات والأشواق، واستمع إحسان من العندليب للتجربة المرضية القاسية التى مر بها، وكيف أن الطبيب البريطانى أخبره بأنه يهمال صحته وكأنه يكره نفسه ويسعى إلى النهاية بقدميه، وعندما انتهى عبد الحليم من روايته، نظر إليه إحسان قائلا: «وبعدين يا عبد الحليم.. ألم يوجه إليك مزيد من النصائح كعادته؟»، فقال العندليب: «لقد نصحنى بألا أجهد نفسى، وألا أسهر، وأن أدخل إلى فراشى فى التاسعة مساء، وهددنى بأننى إذ لم أطبق تعليماته بدقة، فإن مصيرى سيصبح مرهوناً بكف القدر»، فعاجله إحسان قائلاً: «وطبعاً سترمى هذه النصائح جانباً كعادتك، وتغرق فى العمل والسهر حتى الصباح»، انتفض عبد الحليم وقال فى جزع : «أعوذ بالله.. فليس فى كل مرة تسلم الجرة»، فسأله إحسان بجدية شديدة: «لو التقيت بك ذات ليلة خارج منزلك بعد منتصف الليل؟»، فضحك العندليب قائلاً: «لو حدث هذا فأنا على استعداد لأن أتلقى الضرب منك أمام الناس»!.

فأقسم إحسان برحمة أمه بأنه سيضربه ضرباً موجعاً إذا التقى به بعد منتصف الليل خارج منزله، ولم يشأ عبد الحليم أن يأكل «العلقة» لوحده فقال للكاتب الكبير: «لماذا تقيم من نفسك رقيباً علىّ وانت بحاجة إلى من يراقبك فأنت تشكو من أعصابك ومعدتك، ونصحك الأطباء أكثر من مرة ولم تنفذ نصائحهم ولا مرة، لماذا لا تقلع انت أيضا عن السهر وإرهاق نفسك، وتظن أنك من طينة غير طينة البشر؟»!

◄ اقرأ أيضًا | في ذكرى ميلاد العندليب.. هل عمل عبدالحليم حافظ في التلحين؟

فقال إحسان: «أنا لم أعد أسهر»، هز العندليب رأسه وهو يقول: «أنا لا أصدقك، وإذا حدث والتقيتك سهران خارج منزلك ؟»، رد إحسان ضاحكاً: «عندها تستطيع أن ترد إلىّ الصاع صاعين، ابقى اضربنى يا أخى»، فأقسم العندليب برحمة والديه بأنه سيضربه إذا التقى به فى وقت متأخر من الليل ! والطريف أن إحسان أخرج قلمه وكتب تعهداً وقعه عبد الحليم جاء فيه أنه سيعمل على تنفيذ وصايا طبيبه، وأنه لن يسهر ولن يرهق نفسه فى العمل، وإذا حدث العكس فإنه يوافق على أن يضربه إحسان عبد القدوس، وشهد على الإقرار الموسيقار كمال الطويل، وشقيق عبد الحليم المطرب إسماعيل شبانة، وحمل إحسان الإقرار ونشره فى «روزاليوسف»، وطلب فى سياق كلمته من القراء الذين يحبون «العندليب» أن يتصلوا به إذا شاهدوه بعد منتصف الليل خارج منزله، والطريف أن أهل الفن تطوعوا لأن ينقلوا أخبار سهرات عبد الحليم إلى إحسان والعكس بالعكس.

وحدث أن أراد أحد الفنانين مداعبة الكاتب الكبير فأمسك بسماعة التليفون، وأخبره أن عبد الحليم استطاع أن يغافله، ويقضى سهرته فى منزل أحد أصدقائه، وبلهفة سأل إحسان المتحدث عن الساعة التى شاهد فيها عبد الحليم، فقال إنه لا يستطيع أن يحدد الوقت بالدقة ولكنه يعتقد أنها كانت الحادية عشرة والنصف، فضحك إحسان وهو يقول: «العب غيرها، أنا كنت فى زيارة عبد الحليم فى اليوم وفى نفس الوقت الذى ذكرته»!.

وأراد عبد الحليم أن يدبر مقلباً فى الكاتب الكبير الذى يراقبه، فغير نبرة صوته عندما اتصل به وقال له إن رقابته لم تف بالغرض لأن عبد الحليم غافله أكثر من مرة وسهر خارج منزله أكثر من مرة ولا يعود لمنزله قبل طلوع الشمس»، فضحك إحسان قائلاً: «الظاهر يا عبد الحليم انت عايزنى أضربك» وأطلق العندليب ضحكته قائلاً: «وأنا أبادلك نفس الشعور وانتظر أن أضبطك متلبساً بجريمة السهر خارج المنزل، وعندها ستنال ما فيه القسمة والنصيب»!.

وبالرغم من مرور فترة طويلة على هذه المعاهدة المكتوبة ولها شهود عليها، إلا أن إحسان لم يستطع أن يمسك بتلابيب العندليب، وتمنى عبد الحليم أن يضبط صديقه الكاتب الكبير بمخالفة المعاهدة حتى يضربه بحق وحقيق، ونفس الأمنية كانت تداعب خيال إحسان عبد القدوس، بدليل أنه كان يتصل بالعندليب فى أوقات متفاوتة فى الليل، ويفاجأ به يرد عليه بنفسه، فيغرق فى الضحك وهو يقول: «نفسى أضربك يا عبد الحليم.. جرب بس مرة واسهر خارج المنزل»!.. وحتى الآن لم يعملها لا عبد الحليم.. ولا إحسان عبد القدوس !

«الموعد» 31 أغسطس 1961