عصر المعرفة

لغة التفكير واستدامة الهوية الثقافية

د.محمد سليم شوشة
د.محمد سليم شوشة


محمد سليم شوشة

الحقيقة هذه الأسئلة الحتمية ليست قدحاً فى اللغة العربية فى ذاتها أو فى جوهرها، فهى فى ذاتها لغة قابلة للتطور العظيم، وكانت سابقة فى العصور الوسطى لكثير من اللغات

فى مقالنا السابق تحدثنا عن ضرورة وضوح آليات لاستدامة الهوية الثقافية، حفاظاً على الاستقرار، وتحقيقاً للنماء والتقدم، وأكدنا على أن استدامة الهوية الثقافية تتصل بتشكيل النخبة، وأنها ستكمل الإنجازات التى حققتها الدولة فى البنية الصلبة، وتستكمل كذلك الجهود الضخمة التى أنجزتها الدولة فى مسار تحديث التعليم، وتوسيع قاعدة الجامعات، وتنويع مصادر التعليم وتحديثها، وأكدنا على ضرورة التركيز على حال النخبة الوطنية، سواء فى الأكاديميات أو خارجها، ذلك لأن النخبة هى المشكّل الأساسى والفاعل الرئيس فى صياغة العقل الجمعي، وتحديد المداخل التى يتعاطى معها الجمهور مع القضايا والأسئلة المهمة.
لكن ما نريد إثارته هنا من آليات استدامة الهوية الثقافية يتصل باللغة العربية ووضعها، وبخاصة ما يتصل بلغة التفكير العلمى أو اللغة التى تستخدمها النخبة الأكاديمية فى تفكيرهم وفى جدلهم العلمى فيما بينهم. فالعلوم حسب أحدث الفلاسفة والمنظرين تتطور بالجدل والنقاش والديالكتيك، والحوار والأخذ والرد بين العلماء، وكل ما يمكن أن يكون من تداول منهجى وصحى لقضية من القضايا أو موضوع من المواضيع أو لأحد التحديات. وهذا النقاش أو الحوار والديالكتيك والجدل يجب أن تكون لغته علمية ومضبوطة اصطلاحياً ومنهجياً، وتسمح بأجواء حوار صحى يتقدم للأمام ولا يدور حول نفسه.
ولكى تتحقق هذه الفاعلية الفكرية أو فاعلية عمليات التفكير العلمي، نحتاج لأن يكون هذا الأمر داخل اللغة العربية، ووفق منظومة من المصطلحات والحوار، وهنا السؤال هل ما لدى اللغة العربية من المصطلحات فى كل التخصصات كافٍ ويساعد على هذا النقاش العملى والجدل المثمر؟، هل حال اللغة العربية من حيث التقاليد الحوارية ومسارات التفكير يساعد على أن تكون اللغة العربية لغة العلم فى أى من تخصصات الحياة؟، هل تتم عملية تعريب المصطلح وضبطه ودمجه فى عمليات ومسارات الاستخدام بالسرعة اللازمة؟، هل يعمل علماء العربية على إثراء لغتهم بالمصطلحات والمنهجية؟.
الحقيقة هذه الأسئلة الحتمية ليست قدحاً فى اللغة العربية فى ذاتها أو فى جوهرها، فهى فى ذاتها لغة قابلة للتطور العظيم، وكانت سابقة فى العصور الوسطى لكثير من اللغات، بما فى ذلك اليونانية واللاتينية التى أصبحت لغة العلم قبل أن تصبح الإنجليزية هى اللغة المهيمنة تماماً على العالم.
الحقيقة أن طرح هذه الأسئلة عن وضع اللغة العربية وحالتها الراهنة أمر واجب، ولابد منه فى سياق فحص حالات الهوية، ومدى اتساق الإنسان العربى مع ذاته ومقوماته الحياتية، ومدى استقراره على المستويين الفردى والجماعي؟، ومن هذه الأسئلة السابقة يمكن أن نطرح عدداً من الأسئلة الفرعية التى تسهم فى استبيان الحالة بشكل عملي: هل الطبيب المصرى أو العربى يفكر فى الطب باللغة العربية؟، وهل أستاذ الصيدلة وأستاذ الهندسة فى جامعاتنا يفكران فى تخصصهما العلمى باللغة العربية أم بالإنجليزية؟، وما تأثير ذلك؟، وما أثر هيمنة لغة أخرى على علم أو مجال علمي؟، وهذا أيضاً ليس صراعاً مع اللغات الأخرى أو رفضاً لها، فالانفتاح على اللغات الأخرى أمر ضروري، وهو مما يُثرى اللغة العربية ويغذيها بشكل دائم، لكن هذه الأسئلة تستهدف بيان حقيقة فى غاية الأهمية، أكدها علم النفس الإدراكى ودراسات الذهن البشرى human brain، وهى التأكيد على أن لغة التفكير حين تكون باللغة الأم - لغة النشأة والتربية والتكوين الأول- يكون الإنسان أكثر اتساقاً مع ذاته، ويكون أكثر إتقاناً وإبداعاً وأعمق فكراً.
من المهم أن نفكر فى كل علومنا بلغتنا التى نعيشها بشكل كامل، وتهيمن علينا تماماً وجدانياً، ونتصل بها روحياً ونفسياً عبر النصوص الدينية، فاعتقادى القديم أن واحداً من أسباب تطرف أساتذة الطب والهندسة مثلاً فى بعض الدول العربية، يرجع لحالة من الانقسام والتذبذب والتشتت فى الهوية، فربما يكون فى أعماق هذه الفئة التى تستخدم الإنجليزية وظيفياً نوع من الشعور بالذنب والتقصير مع اللغة العربية والتقصير الديني، لذلك يندفعون خارج علومهم نحو حال من التطرف الدينى لتعويض هذا التقصير، يشعرون أيضاً أن الآخر يهيمن على عقولهم عبر لغته التى تهيمن على العلوم وعلى التخصصات التى ينشغلون بها، وهذا ما يدفعهم بصورة أقوى فى اتجاه معاكس.
من المهم كذلك استغلال كل قدرات الإنسان فى التفكير عبر استثمار محتويات ذهنه وثقافته التى تهيمن عليها الإشارات والمحتوى العربي، وهذا ما يجعل عمليات التفكير أكثر فاعلية وسرعة وأكثر ابتكاراً إذا كان يفكر فى تخصصه باللغة العربية. لكن ما موانع تحققه، هذا ما سوف نناقشه عبر المقالات القادمة.