«إسنا التاريخية» أول من قامت بعمل الأسماك المملحة «الفسيخ» على مر العصور

أول من قام بعمل الأسماك المملحة
أول من قام بعمل الأسماك المملحة


منذ آلاف السنين، ارتبطت أعياد الربيع في مصر القديمة بطقوس ساحرة وتقاليد متوارثة تعكس عظمة الحضارة الفرعونية وعلاقتها الفريدة بالطبيعة، فكما يستقبل المصريون اليوم فصل الربيع في شم النسيم بالخروج إلى الحدائق وتناول الفسيخ والبصل والبيض، كان أجدادهم الفراعنة يحتفلون بمواسم التجدد والخصب بطرق مشابهة، تكشف عنها النقوش والجداريات ومظاهر الحياة اليومية في المعابد والمقابر.

اقرأ ايضا..قبل شم النسيم.. حقيقة احتفال المصريين القدماء به وأبرز المظاهر

وفي هذا السياق، تسلط "بوابة أخبار اليوم"الضوء على الطقوس الفرعونية القديمة المرتبطة بأعياد الربيع، وتكشف كيف كان الفراعنة يقدسون الزهور ويبدعون في احتفالاتهم الموسمية، التي لا تزال جذورها حيّة حتى اليوم في ثقافة الشعب المصري.

تستمر الآثار الفرعونية في الكشف عن ملامح مدهشة من حياة المصريين القدماء، خاصة في احتفالاتهم المرتبطة بالطبيعة والفصول، ومع حلول الربيع وشم النسيم، يؤكد عدد من الباحثين والأثريين المصريين أن هذا الموسم كان له مكانة مميزة لدى الفراعنة، حيث ارتبط بتقاليد قديمة لا تزال أثارها حاضرة في العادات المعاصرة، وعلى رأسها تناول الفسيخ وتقديس الزهور.

ووفقًا للأثرية منى فتحي، كبيرة المفتشين بمعابد الكرنك، فإن مدينة إسنا التاريخية بجنوب الأقصر كانت أول من عرف صناعة الفسيخ في التاريخ، فقد ارتبط تناول السمك المجفف، المعروف اليوم باسم الفسيخ، بطقوس عيد "الشمو" الذي يماثل شم النسيم الحالي، وكان من ضمن القرابين المقدمة للآلهة داخل المعابد، خاصة في مدينة إسنا التي اشتهرت بصناعة هذا النوع من الطعام حتى سُميت في العصر البطلمي "لاثيبولس"، أي مدينة سمك قشر البياض.

وذكر أن الفراعنة عرفوا أنواعًا عدة من الأسماك، مثل البوري، والبلطي، والشبوط، والبياض، ورسموها على جدران مقابرهم. كما عرفوا البطارخ منذ عهد الأهرامات، وكانوا يتناولون الأسماك في المناسبات الجماعية كأحد مظاهر الفرح الشعبي، خاصة في الساحات وعلى ضفاف النيل.

الدكتور منصور بريك، مدير عام آثار الأقصر ومصر العليا، أكد أن مشاهد التجمعات الجماعية على شواطئ النيل لم تكن مجرد طقوس احتفالية، بل كانت طابعًا حضاريًا راسخًا في حياة المصريين القدماء، وأضاف أن الزهور احتلت مكانة عظيمة في قلوب الفراعنة، فقد كانت زهرة اللوتس رمزًا وطنيًا ومحبوبًا، تظهر في النقوش وهي تُهدى من المحبوب إلى محبوبته، وتُقدم في باقات ضمن الاحتفالات الدينية والاجتماعية.

وفي تفاصيل أكثر عن طقوس الزهور، أوضح بريك أن جداريات مقابر الأقصر تُمثل صاحب المقبرة وسط المياه بينما ابنته تقدم له زهرة لوتس، وهي مشاهد تتكرر على أعمدة المعابد المزخرفة بطراز يحاكي باقات الزهور في روعة تصميمها.

ويضيف الباحث إميل نظير أن المصريين القدماء ربطوا أعيادهم بالفصول والحركات الفلكية، فكان عيد "الشمو"يوافق يوم الانقلاب الربيعي، حين يتساوى الليل والنهار. وخلاله كانوا يحتفلون بتناول الأسماك، والبصل، والبيض، التي أصبحت من رموز شم النسيم الحالي، وانتقلت من العصر الفرعوني إلى القبطي ومنها إلى العصر الحديث.

وتوضح الباحثة الدكتورة خديجة فيصل مهدي أن الأعياد الفرعونية كانت مناسبات عظيمة يتجمع فيها الناس للاحتفال، حيث تتردد الأناشيد وتقام عروض الرقص والغناء في حضور تماثيل المعبودات،كما كان الكهنة يخرجون في مواكب مهيبة، وتُقام عروض مسرحية تستلهم الأساطير الدينية، ويشارك الأهالي باحتفالاتهم مع المعبودات الطيبة مثل "بس"، الإله الشعبي الذي كان الأطفال والكبار يرتدون أقنعته في الأعياد، وسط أجواء من الرقص والغناء.

لقد أدرك الفراعنة منذ القدم أهمية الفرح والبهجة، فجعلوا من أعيادهم فرصة لتحرير الإنسان من القيود الاجتماعية، والتعبير عن طاقاته ومواهبه بحرية،كانت تلك الأعياد تمثل انفراجة نفسية وروحية، يتلاقى فيها الناس على المحبة والمشاركة والاحتفال بالحياة والطبيعة.