أحيانًا، لا يكون الحديث عن الحرب مسألة طلقات ودبابات، بل عن الهدايا التي تُقدَّم في الغرف المُغلقة، وعن النظرات التي تُخفي ما لا يُقال، ففي مكتبٍ أشبه بقفصٍ مذهّب، وقف الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، ليس كضحية بسياق الحرب الروسية الأوكرانية، بل كناجٍ من سيل الاتهامات والتحالفات المُتضاربة التي تنهشه من كل الجهات.
رغم أنه قد مرت سنوات على انتخابه، لكن الرئيس الأوكراني، لا يزال غريبًا عن المكاتب الفخمة التي ورثها عن حقبة أخرى، تمامًا كما يبدو غريبًا عن لغة التملّق السياسي التي يتقنها خصومه، إلا أن زيارته الأخيرة للبيت الأبيض ــ اللقاء الأول مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية/ لم تكن فرصة للحديث عن الدعم العسكري أو العقوبات على موسكو، بل كانت معركة نفسية محضة، حيث تدافع فيها زيلينسكي، لا عن أرضه فحسب، بل عن صورته أمام رئيس (ترامب)يرى في أوكرانيا عبئًا لا ورقة رابحة.
اقرأ أيضًا| ترامب أمام معركة مزدوجة| وقف الحرب الروسية الأوكرانية وكبح التوسع الصيني في أفريقيا
◄زيلينسكي يرد على ترامب بهدية تحمل معاني «القوة والدهاء»
وفقًا لتحليل مجلة «تايم» الأمريكية، في لحظة مشحونة شدت أنظار العالم، هاجم ترامب الرئيس الأوكراني زيلينسكي ونعته بـ"المخادع والخطير"، مُحذرًا من أن تصرفاته قد تُشعل حربًا عالمية.
لكن زيلينسكي اختار الرد دون كلمات، وأهدى ترامب حزام بطولة صديقه الملاكم الأوكراني أوليكساندر أوسيك، في خطوة ذكية تحمل رمزية المجد والقوة، وتتماشى مع ذوق ترامب المعروف، وكانت تلك الهدية بمثابة ضربة دبلوماسية داخل لعبة سياسية لا يُمسك زيلينسكي بخيوطها، لكنها مليئة بالرموز.. من لوحات بوتين، لأجهزة نتنياهو الذهبية، لتحالفات تتشكل في الظلال.
لكن السؤال الأخطر ظل معلقًا، ماذا عن بوتين؟ هل تبقى خطوط التواصل مشتعلة تحت الرماد؟ وهل يستطيع زيلينسكي فصل جبهته السياسية عن وهم التفاوض مع رجل يحترق الكرملين في إحدى صوره المفضّلة المعلقة فوق سريره؟
لكن هذا اللقاء لم يُحسم عند باب المكتب البيضاوي، بل فُتح في قلب معركة أكبر، وهي معركة الرموز، ففي مشهد مثير من لقاء الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، لم تكن الهدية التي أعدها زيلينسكي هي الحزام الذي كان يعتزم تسليمه لترامب أمام الصحفيين.
بدلًا من ذلك، قرر زيلينسكي أن يقدم هدية أكثر تأثيرًا؛ مجلد صور مُروّعة تظهر معاناة أسرى الحرب الأوكرانيين في روسيا، ولم يكن المشهد بسيطًا، وعندما بدأ ترامب في تصفح الصور بوجهٍ متجهم، قال: «هذا أمرٌ قاسٍ»، بحسب وصفه.
وفقًا لبعض المسؤولين الأمريكيين، كانت تلك الصور بمثابة نقطة تحول في مجريات الاجتماع، لو أن زيلينسكي قدم الحزام، ربما كانت الأمور قد سارت بطريقة أكثر هدوءًا، ولكن الصور أضرت بذلك، حيث بدت وكأنها تثير الشكوك حول ترامب وتجعله يواجه تبعات معاناة الجنود الأوكرانيين، لكن زيلينسكي لم يندم على قراره، وكان يهدف إلى تجاوز غرائز ترامب التجارية، «والظهور أمامه كإنسان»، فكما قال: "له عائلة وأحباء، عليه أن يشعر بما يشعر به الآخرون، أردت أن أظهر له قيمي، ولكن الحديث تحوّل في اتجاه آخر".
اقرأ أيضًا| خلافات داخل الاتحاد الأوروبي تفشل أكبر دعم عسكري لكييف
◄تصريحات فانس «الغير متوقعة»
أحد أكثر اللحظات إيلامًا في الاجتماع كانت حينما سأل زيلينسكينائب ترامب جي دي فانس عن زيارته لأوكرانيا، وكان كلاهما يعلم أن فانس لم يزر البلاد خلال الحرب الروسية الأوكرانية، ومع ذلك، رد فانس بتصريح مفاجئ: "لا أهتم بجولات زيلينسكي الدعائية".
وكانت تلك الكلمات قاسية، خاصة في وقت كان فيه زيلينسكي يسعى لجذب اهتمام العالم بمعاناة بلاده في الحرب الروسية الأوكرانية، فعلى الرغم من أن الحكومة الأمريكية حرصت على تجنب زيارة المناطق المتضررة من الحرب، إلا أن زيلينسكي استمر في دعوة ضيوفه لرؤية المعاناة على أرض الواقع.
◄كيف يحافظ زيلينسكي على دعم حلفائه؟
مع مرور الوقت، تتغير الأولويات الدبلوماسية، ويصبح الحفاظ على دعم الحلفاء الدوليين أكثر تعقيدًا، فالحرب الروسية الأوكرانية التي كانت يومًا ما في ذروتها أصبحت الآن جزءًا من روتين مرير، وهو ما يجعل من الصعب على زيلينسكي الحفاظ على الاهتمام الدولي بمواصلة الدفاع عن بلاده، بحسب تحليل المجلة الأمريكية ذاتها.
وفي زيارته لفنلندا، شاهد زيلينسكي الملاجئ التي كانت تستعد لمواجهة القصف الروسي المحتمل، كانت الملاجئ، التي تتسع لخمسة ملايين شخص، بمثابة دليل على كيف أن البلدان المجاورة لروسيا قد اعتمدت طرقًا للحفاظ على سلامتها من الهجمات الجوية، وفي إحدى اللحظات، تحدث زيلينسكي عن الأطفال الذين كانوا يلعبون الهوكي في الملاجئ، وهو ما يعكس حالة غريبة من الحياة وسط الحرب.
وفي وقت لاحق، كان زيلينسكي على متن قطار، عائدًا من سفره في أوروبا، حين تلقى تحذيرًا من غارة جوية روسية، والطائرات الروسية، التي كانت تستهدف مدينة أوديسا على البحر الأسود، أسفرت عن مقتل المدنيين وتدمير البنية التحتية (وفقًا لقوله)، وبالصدفة، كان أحد أقرب حلفاء زيلينسكي، بيتر بافل، في المدينة في نفس الوقت، وعلى الرغم من حديثه عن الحاجة للتفاوض مع روسيا، لم يكن بمقدوره تجاهل الهجوم المدمر الذي تعرضت له المدينة، بحسب مجلة «تايم».
◄مستقبل الحرب والسلام في أوكرانيا
وفي وسط هذه الظروف، يبقى موقف زيلينسكي ثابتًا، رغم محاولات العديد من الحلفاء، مثل بافل، أن يعبر عن أن السلام لن يكون قريبًا، لا يزال زيلينسكي يتشبث بأهدافه الكبيرة في سياق الحرب الروسية الأوكرانية، لكن مع تطور الوضع، بدأ يخفف من طموحاته، وطرح خطة أقل تطلبًا، وأصبح من الواضح أن أوكرانيا ستكون بحاجة إلى تكييف استراتيجيتها بشكل أكبر لتلبية احتياجاتها الدولية، خصوصًا فيما يتعلق بدعم الولايات المتحدة.
◄التوترات بين ترامب وزيلينسكي
في خريف العام الماضي، وبعد مناقشة فكرة مثيرة في نيويورك مع الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي، انتزع الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب الفرصة ليقترح صفقة جديدة.
كانت هذه الصفقة تهدف إلى تمكين الولايات المتحدة من الاستفادة من الثروة المعدنية لأوكرانيا كتعويض عن الدعم العسكري الأمريكي لكييف طوال مدة استمرار الحرب الروسية الأوكرانية خلال الثلاث سنوات الماضية، رغم أنه في البداية رفض زيلينسكي الشروط التي قدمها ترامب في مسودته الأولى، إلا أن سلسلة من المفاوضات المتوترة بين البلدين أسفرت عن اتفاق مبدئي.
وكان من المتوقع أن يُوقع زيلينسكي وترامب على الاتفاق في المكتب البيضاوي، لكن التوترات بين الطرفين أفسدت تلك الخطط.
اقرأ أيضًا| من الحرب إلى المفاوضات.. بوتين يقلب الطاولة على ترامب في ملف أوكرانيا
تصعيد أمريكي.. وقف المساعدات وتهديدات ترامب
في اليوم التالي للاتفاق الفاشل، اتخذ الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب خطوة جريئة، فترك صفقة المعادن جانبًا وقرر تبني موقف حازم ضد أوكرانيا، وأعلنت إدارته تعليق المساعدات المقدمة لأوكرانيا، بما في ذلك إمدادات الاستخبارات والأسلحة والذخيرة الأساسية.
وأكد الجنرال كيث كيلوج، المبعوث الخاص لترامب إلى أوكرانيا، أن الأوكرانيين جلبوا على أنفسهم هذه المصاعب، مشيرًا إلى أن زيلينسكي لم يظهر استعدادًا لقبول خطة ترامب للسلام، وأضاف كيلوج، أن رد الولايات المتحدة على هذا الرفض كان "ضربة على أنف بغل"، وفقًا لوصفه.
◄أزمة ميدانية بسبب توقف المعلومات الاستخباراتية
هذه الأزمة بين واشنطن وكييف كان لها آثار كارثية على الوضع العسكري الأوكراني، إذ فقدت القوات المسلحة الأوكرانية الوصول إلى بيانات الأقمار الصناعية الأمريكية، مما أدى إلى نقص حاد في القدرة على رصد الهجمات الروسية القادمة مثل القاذفات والصواريخ.
وبالتالي، لم يكن لدى أوكرانيا الوقت الكافي لتحذير المدنيين والعسكريين من الغارات الجوية الوشيكة، وهذا التأثير كان أشد وطأة في منطقة كورسك الروسية، حيث أحرزت القوات الروسية تقدمًا سريعًا، ومع ذلك، رفض زيلينسكي إلقاء اللوم على إدارة ترامب، مُؤكدًا أن تجميد المساعدات لم يؤثر على العمليات العسكرية في كورسك.
◄تأثير مكالمة ترامب مع بوتين
مرح وسخرية من زيلينسكي.. شاهد كيف غطى تلفزيون روسيا مكالمة ترامب مع بوتينhttps://t.co/87GCfiaQjS pic.twitter.com/22twfOoxEg
— CNN بالعربية (@cnnarabic) February 15, 2025
لكن ما أزعج الرئيس الأوكراني، فلاديمير زيلينسكي أكثر من أي شيء آخر كان تعامل الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب مع ما وراء المحادثات مع روسيا، ففي وسط الأزمة، أجرى ترامب مكالمة مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الذي ادعى أن آلاف الجنود الأوكرانيين في كورسك محاصرون من قبل القوات الروسية، بحسب «تايم» الأمريكية.
ووصف زيلينسكي، هذه المزاعم بالكذب الفاضح، لكن ترامب استمر في نشرها، مما أثار شكوكًا لدى الأوكرانيين بشأن صدقية المعلومات التي يحصلون عليها من الولايات المتحدة.
◄التفاوضات في جدة
بدأت التوترات بين زيلينسكي وترامب تهدأ بعد حوالي 10 أيام من الاجتماع في المكتب البيضاوي، حيث أرسل كلا الجانبين كبار مساعديهما للتفاوض في المملكة العربية السعودية.
واستمرت المحادثات في مدينة جدة حوالي 9 ساعات، حيث طلب الوفد الأمريكي بقيادة مستشار الأمن القومي مايك والتز ووزير الخارجية ماركو روبيو من الأوكرانيين تحديد شروط وقف إطلاق النار على صعيد استمرار الحرب الروسية الأوكرانية.
ورغم أن المحادثات أظهرت رغبة الولايات المتحدة في أن تتنازل أوكرانيا عن بعض الأراضي لصالح روسيا، إلا أن المفاوضين الأوكرانيين أكدوا أن هذه لم تكن مطالب بل كانت محاولة لفهم الوضع الاستراتيجي.
في نهاية الجلسة، كانت أوكرانيا قد وافقت على وقف إطلاق النار «بدون شروط مسبقة»، وهو تراجع واضح عن مطالبها السابقة، ورغم أن هذه الخطوة كانت صعبة على المفاوضين الأوكرانيين، حيث كانوا قد طالما طلبوا ضمانات أمنية من الولايات المتحدة وتنازلات من الروس، ومع ذلك، اعترف أحد كبار المفاوضين الأوكرانيين بضرورة التحرك خطوة بخطوة نحو تحقيق السلام، وبعد المحادثات، استأنفت الولايات المتحدة إمداد أوكرانيا بالمساعدات العسكرية والاستخباراتية، مما منح الأوكرانيين دفعة إضافية رغم التنازلات التي تم تقديمها.
◄التحدي الأكبر
بعد أشهر من التوترات، فوجئ الرئيس الأوكراني/ فلاديمير زيلينسكي، بارتفاع نسبة تأييده في استطلاعات الرأي الأوكرانية، حيث وصل إلى حوالي 70%، وهذه النسبة كانت غير متوقعة، خاصةً في ظل الجدل الدبلوماسي الذي حدث في المكتب البيضاوي.
حيث يعتقد زيلينسكي أن الشعب الأوكراني دافع عن كرامته في الحرب الروسية الأوكرانية، وليس عن القوة العسكرية أو السيطرة السياسية، وكان يأمل أن ترى الولايات المتحدة التزام أوكرانيا بالحرية والديمقراطية، بحسب وصفه,
◄مراهنات ترامب.. التنازلات الروسية وخيارات السلام
🚨⚡️ ترامب عن الرئيس بوتين:
— الموجز الروسي | Russia news 🇷🇺 (@mog_Russ) April 1, 2025
"لا أعتقد أن الرئيس الرووسي سيتراجع عن كلمته.. لطالما كانت علاقتنا جيدة،
رغم الخدعة المتعلقة بروسيا، التي اختلقتها كلينتون وكل هؤلاء الأمريكيين المجانين." pic.twitter.com/CqmZr1jGcU
مع تزايد المطالب الروسية، استمرت المحادثات بين زيلينسكي وترامب، لكن مفاجأة ترامب كانت في تقبله بعض التنازلات الروسية، مثل سحب مساعي أوكرانيا للانضمام إلى حلف شمال الأطلسي «الناتو».
وهذا الموقف كان مُحبطًا لزيلينسكي، الذي رآه انتصارًا لروسيا على حساب أوكرانيا، وعلى غرار ذلك، وصف زيلينسكي هذا التنازل بالقول: «تخيلوا لو كان هتلر قد تم تحريره من عزلة سياسية»، في إشارة إلى خطورة تمكين الرئيس الروسي/ فلاديمير بوتين من العودة إلى المجتمع الدولي دون أي عقوبات ملموسة.
ورغم التحديات العديدة التي واجهتها أوكرانيا في محادثاتها مع ترامب وفانس، يظل زيلينسكي متفائلًا، حيث يرى أن بوتين قد يكون أضعف مما يبدو، وأنه في النهاية ستكون أوكرانيا قادرة على قلب موازين الحرب الروسية الأوكرانية.
ومع استمرار المفاوضات، يأمل زيلينسكي في إقناع ترامب بأن انتصار روسيا في هذه الحرب لن يكون فقط هزيمة لأوكرانيا، بل خسارة استراتيجية للغرب بالكامل، بحسب قوله.
وفي الأسابيع القادمة، يُخطط زيلينسكي لمواصلة مناشدة ترامب وفانس للعمل لمصلحة السلام، لا لمصلحة أهدافهم السياسية الضيقة...
اقرأ أيضًا| أوكرانيا تصد مشروع بوتن للسيطرة تحت ستار «الحكم الخارجي»









كوريا الشمالية تؤكد أن وضعها كدولة نووية «لا رجعة فيه»
الشرطة المكسيكية تحقق في واقعة العثور على جثة خارج مقر تدريبات منتخب إيران
إصابة شخصين في إطلاق نار بمركز هايوود التجاري بولاية كارولاينا الجنوبية الأمريكية






