حكايات تاريخية| «سعيد باشا» وامتياز «قناة السويس».. بداية غيّرت وجه العالم

حفر قناة السويس
حفر قناة السويس


حين يُذكر اسم قناة السويس، غالبًا ما يتبادر إلى الذهن الخديوي إسماعيل باعتباره راعي افتتاحها الرسمي، إلا أن الفضل في إطلاق شرارتها الأولى يعود إلى والي مصر محمد سعيد باشا.

ففي عام 1854، منح هذا الحاكم العلوي الشاب امتيازًا تاريخيًا للدبلوماسي الفرنسي فرديناند ديليسبس، ممهّدًا الطريق لأحد أعظم المشروعات الهندسية في التاريخ، الذي غيّر خريطة التجارة العالمية وأعاد رسم دور مصر على الساحة الدولية.

** محمد سعيد باشا: الحاكم المتعلم والمبادر

هو محمد سعيد باشا، نجل محمد علي باشا، وحاكم مصر في الفترة من 24 يوليو 1854 حتى 18 يناير 1863، تلقى تعليمه في باريس، ما جعله على تماس مباشر مع الفكر الأوروبي، وانعكس ذلك على قراراته السياسية والاقتصادية، خاصة فيما يتعلق بانفتاحه على مشروعات طموحة مثل حفر قناة السويس.

* البداية برسالة تهنئة... والنهاية باتفاق تاريخي

بدأت قصة قناة السويس برسالة تهنئة من فرديناند ديليسبس إلى سعيد باشا بعد توليه الحكم، عبّر فيها عن رغبته في مقابلته. لم يكن الأمر مفاجئًا، فوالد ديليسبس، الكونت ماتيو، كان على علاقة طيبة بمحمد علي باشا أثناء عمله قنصلاً لفرنسا بمصر، لبّى ديليسبس الدعوة، وجاء إلى الإسكندرية في نوفمبر 1854، حيث استقبله الوالي بحفاوة واصطحبه في إحدى رحلاته عبر الصحراء الغربية، وهناك عرض عليه مشروع ربط البحرين الأحمر والمتوسط عبر قناة ملاحية.

** عقد الامتياز الأول: لحظة الميلاد الرسمية

أقنع ديليسبس الوالي بالفكرة، رغم أن محمد علي باشا كان قد رفضها من قبل. وفي 30 نوفمبر 1854، منح سعيد باشا الدبلوماسي الفرنسي أول عقد امتياز لتأسيس شركة عامة تتولى حفر قناة السويس وتشغيلها لمدة 99 عامًا تبدأ من تاريخ افتتاحها. اشترط سعيد باشا أن يُصدق السلطان العثماني على الامتياز، إلا أنه أبدى عزمه على التنفيذ بغض النظر عن هذا التصديق.

** الضربة الأولى في أرض القناة

في 25 أبريل 1859، توجه ديليسبس إلى ساحل البحر الأبيض حيث مدينة بورسعيد الحالية، وأطلق أول معول في أرض القناة في احتفال رمزي أعلن بدء التنفيذ الفعلي للمشروع. وبالرغم من التحديات السياسية والمالية واللوجستية، استمرت الأعمال حتى وصلت مياه البحر الأبيض إلى بحيرة التمساح في 18 نوفمبر 1862، أي في عهد سعيد باشا.

** إنجاز إنساني قبل أن يكون هندسيًا

يرى العديد من المؤرخين الفرنسيين أن مشروع قناة السويس يُعد أعظم ما قدمه محمد سعيد باشا للإنسانية، فقد وحّد البحار وسهّل حركة التجارة العالمية، وفتح الباب أمام حقبة جديدة من التواصل الحضاري والاقتصادي بين الشرق والغرب.

قد يُنسب افتتاح قناة السويس رسميًا إلى الخديوي إسماعيل، لكن البداية الحقيقية كانت مع الوالي محمد سعيد باشا، الذي تحلى ببصيرة سياسية ورغبة في التطوير، فمد يده إلى مشروع حلم به العالم طويلاً، وأتاح لمصر أن تلعب دورًا محوريًا لا يزال يتجدد إلى اليوم مع كل سفينة تمر عبر هذا الشريان الحيوي.