ساكنة بك، واحدة من أبرز الشخصيات النسائية في تاريخ مصر الثقافي والفني، كانت تُعتبر بمثابة أيقونة في مجال الغناء والموسيقى في عصر الخديوي عباس الأول والخديوي إسماعيل. ولدت في الإسكندرية عام 1801، وعاشت حياة مليئة بالعطاء الفني والاجتماعي.
تميزت بصوتها العذب وإتقانها للقرآن الكريم، كما كانت تتمتع بشخصية فريدة جعلتها تحظى بلقب "ساكنة بك" من قبل الخديوي إسماعيل، لتصبح بذلك أول وأخر سيدة في تاريخ مصر تحصل على هذه البكوية.

لم تقتصر حياتها على الغناء وحسب، بل كانت أيضًا معروفة بكرمها وحبها للعمل الخيري، مما جعلها شخصية محورية في المجتمع المصري في عصرها.
◄ البداية والنشأة
وُلدت ساكنة في مدينة الإسكندرية عام 1801، وهاجرت إلى القاهرة في سن مبكرة، لتبدأ مسيرتها الفنية في فترة كانت تشهد فيها مصر تغيرات كبيرة تحت حكم محمد علي باشا. تعتبر ساكنة واحدة من أقدم المغنيات في العصر الحديث في مصر بعد جيل مغنيات العصر المملوكي. وعلى الرغم من نشأتها في فترة كانت النساء فيها أقل حضورًا في الحياة العامة، استطاعت ساكنة أن تفرض نفسها على الساحة الفنية والاجتماعية.
◄ شخصيتها الفنية والتدين
تميزت ساكنة بك بثقافتها العالية ولباقتها في الحديث، بالإضافة إلى صوتها العذب الذي جذب إليها القلوب منذ اللحظات الأولى. كانت أيضًا متدينة وتحفظ القرآن الكريم، وتقرأه بصوت شجي، مما جعلها تحظى بشعبية واسعة بين جميع طبقات المجتمع المصري، حتى أصبحت واحدة من أشهر المغنيات في مصر. كان لهذا الجانب الروحي تأثير كبير في شخصيتها وعلاقتها مع جمهورها، حيث كانت تقيم حلقات قرآنية في ليالي رمضان والمناسبات الدينية، وتفتح مضيفتها للزوار.
◄ مشاركتها في المناسبات الفاخرة
لقد كانت ساكنة بك تعتبر من الأسماء اللامعة في مجال الفن المصري في عصرها، حيث كانت تُدعى لإحياء المناسبات في قصور الأمراء. وقد غنت في العديد من المناسبات الهامة، منها حفلات فرح أبناء إبراهيم باشا، مما زاد من شهرتها في أوساط النبلاء. كما ذاع صيتها في عهد الخديوي عباس الأول والخديوي سعيد باشا، حيث كانت من الأسماء البارزة التي تتمتع بمتابعة جماهيرية من الطبقات العليا.
◄ اللقب الفريد "ساكنة بك"
أما عن سبب تسميتها بلقب "ساكنة بك"، فيقال إن الخديوي إسماعيل ناداها مرة بـ "ساكنة هانم"، مما أغضب الأميرات في البلاط، فأطلق عليها هذا اللقب استجابة لهذا الغضب، ليصبح "ساكنة بك" هو اللقب الشهير الذي اقترن باسمها حتى وفاتها. لم يكن اللقب مجرد تميز اجتماعي، بل كان علامة على مكانتها المرموقة في المجتمع المصري.
اقرأ أيضا| عودة الفخامة.. القصة التاريخية لأشهر سرير لوالدة الخديوي عباس
◄ الكرم والإحسان
كان من المعروف عن ساكنة بك كرمها اللامحدود، حيث كانت تُنفق الأموال بسخاء على الآخرين، وتعتبر من أولى النساء اللواتي يحصلن على راتب شهري من البلاط. كانت هذه الجراية الشهرية تعتبر سابقة في تلك الفترة، حيث كان البلاط يخصص رواتب للعديد من أهل الأدب والفن. كما كانت ساكنة بك تُفتح مضيفتها طوال العام، لا سيما في المناسبات الدينية، حيث كانت تقرأ القرآن لزائريها وتقدم لهم الهدايا والكرم.
◄ وفاتها وذكراها
توفيت ساكنة بك بين عامي 1892 و1898، في أواخر عهد الخديو توفيق أو أوائل عهد الخديو عباس حلمي الثاني. رحلت عن عالمنا إثر مرض مفاجئ ألم بها، وتركَت وراءها إرثًا فنيًا واجتماعيًا كبيرًا. ورغم مكانتها الرفيعة في حياتها، لم تترك ساكنة ثروة كبيرة وراءها، حيث كانت مشهورة بعطاءاتها السخية وكرمها الزائد على حدّ التبذير.
تعد ساكنة بك واحدة من أعظم الشخصيات النسائية في تاريخ مصر، حيث استطاعت أن تترك بصمة في مجال الفن والثقافة والمجتمع. حصلت على لقب "ساكنة بك" ليظل ذكرها حيًا حتى يومنا هذا، لا سيما في مجالات الفن والكرم والإحسان. كانت حياتها مثالًا على العطاء والتفاني، وهي أول وأخر سيدة مصرية تُمنح هذه البكوية، وهو شرف ما زال يذكر حتى الآن.



«التلمذة الصناعية».. تصحيح مسار أم مغامرة محفوفة بالمخاطر؟
الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟







