ما إن يحل شهر رمضان حتى تتبدل السلوكيات المرفوضة التى نعانى منها فى المجتمع خلال أيامنا العادية، إلى سلوكيات طيبة، حتى إننا نتمنى أن تصبح السنة كلها «رمضان» من حيث الأخلاق والسلوكيات والمعاملات فيما بين الناس، وجميعنا يتساءل لماذا لا تصبح معاملاتنا وأخلاقياتنا الرمضانية هى السائدة طوال العام.
اقرأ أيضًا| الخشت: المحرصاوي كان طيب القلب وحسن المعشر
عن هذا يقول د.أحمد كريمة أستاذ الشريعة الإسلامية والفقه المقارن بجامعة الأزهر: إن الشهر الكريم يحظى على مدار التاريخ باهتمام بالغ من الناس، إعدادًا وتجهيزًا واستقبالًا، ويتميز شهر رمضان بابتعاد كثير من الأشخاص عن المحرمّات وتجنّب ارتكاب المعاصي، وفى مجتمعنا كما فى الكثير من المجتمعات الإسلامية الأخرى، توجد بعض العادات والسلوكيات الحسنة التى يجب أن تُنَمَّى وتُقَوَّى، كما توجد فى المقابل بعض العادات والسلوكيات الخاطئة التى يرفضها المجتمع والتى ينبغى التخلص منها، وإحلال السلوكيات الحسنة مكانها، وشهر رمضان يُعالج بالروحانيات والطاعات، وتسود فيه رغبة جماعية فى التقرب إلى الله بالأعمال الصالحة من صوم وصلاة وزكاة، فهذا شاب قادته قدماه لأبواب المساجد وهذا شيخ كبير استعد للشهر الكريم بمصحفه وعزم على ترتيب ورد يومى من قراءة القرآن والذكر بمختلف صوره وأشكاله، وما بين الطاعات والأجواء الروحانية لابد من منع الأفعال والسلوكيات السلبية التى تخرجنا من هذه الحالة الروحانية، أفعال وظواهر اعتدنا أن نراها يوميًا فى مجتمعنا لابد وأن تختفى فى رمضان، وفى كل شهور العام وفى شهر الخير هناك انخفاض ولو بسيطا فى سلوكيات السرقة والقتل والتحرش والسطو وقطع الأرحام وعدم الإنفاق على الفقراء والسرقة والتحرش، ولأننا مجتمع متدين بالفطرة نلاحظ أن شهر رمضان يؤثر فى سلوكيات الكثير من الناس والبيئة نفسها بيئة رمضان بيئة إيمانية روحانية، يكثر بها الطاعات والتقرب إلى الله والإحسان إلى الفقراء وانتشار الأجواء الإيمانية من موائد رمضان وتعدد صور الإحسان المختلفة التى نراها فى مجتمعنا المصرى من التصدق على الفقراء وصلة الأرحام والإنفاق على الفقراء، أما فى رمضان فتعود صلة الأرحام، والصدقات والزكاة ونجد تكافل وترابط المجتمع وتقوى أواصر المجتمع ورعاية المحتاجين ومساعدة وكفالة الأيتام.
ويضيف د.كريمة: فالبيئة كلها توحى بالصلاح، الكل يسعى إلى رضا الله، حيث إن كل إنسان بداخله جانب مضيء، وهذا الجانب تحركه النزعة الدينية وشهر رمضان كله نفحات إيمانية، وإن كان يوجد فى المقابل أعمال سلبية ولكن يغلب عليها الحياء والاستحياء، أيضًا نجد فى شهور السنة ترتدى البنات والنساء ما تشاء، أما فى رمضان فإنها تحرص على الحشمة فلا نجد متحرشًا، حيث إن السارق أو القاتل أو المتحرش أو المغتصب أو قاطع الرحم أو غير المنفق لا يعيش منعزلًا عن المجتمع، ولكنه إنسان يصيب ويخطئ، وبالرغم من أفعاله السلبية إلا أن بداخله جانبا مضيئا، وهنا نقول إن كل شاب مجرم أو مخطئ بالطبع لديه نزعة دينية رغم قيامه بتلك السلوكيات، وتلك النزعة تزيد فى شهر رمضان تؤثر عليه وتجعله يمتنع أو يبتعد عن تلك السلوكيات السيئة والسلوكيات السلبية المرفوضة.
اقرأ أيضًا| وكيل الأزهر يكرم القائمين على شؤون الجامع الأزهر خلال شهر رمضان
ويؤكد د.كريمة أنه إذا التزم المجتمع ببعض أخلاق شهر رمضان لقلَّت الجريمة تدريجيًا، وإذا أردت تغيير سلوكٍ ما، فعليك بتغيير الفكرة وراء هذا السلوك؛ وإذا أردت زراعة سلوكٍ ما، فازرع أولًا فكرة تولّد هذا السلوك وتحركه، وازرع الفكرة الطيبة الإيجابية، فالأفكار تتحول إلى قيم، والقيم تتحول إلى معتقدات، والمعتقدات تُتَرجم فى نفس الإنسان إلى مشاعر، والمشاعر تصنع وتولّد السلوك، ومن هنا يتغير السلوك وتتغير أى عادة مهما كانت بتغير الفكر وزراعة فكر إيجابى جديد.
وأيضًا نبذ المجتمع لأى سلوك مشين ورفض هذا السلوك له أثره فى تغيير الشعوب، فمثلًا عند رؤية الناس شابًا يقوم بأى عمل مرفوض فى رمضان ينهونه ويصفونه بشخص غير ملتزم دينيًا فيؤثر ذلك فيه، لكن فى الأوقات الأخرى لا يهتم المجتمع بما يقوم به الأفراد من سلوكيات سلبية، وقبول المجتمع لظواهر السلبية وعدم التحرك أمامها بدعوى «وأنا مالى وأنا هعدل الكون» ونتاج هذه السلبية دمار المجتمع ودمار الشعوب، لذا نجد الرفض الذى يصدره المجتمع فى شهر رمضان كفيلًا بالتأثير فيه ويجعله يكف عن مثل تلك السلوكيات التى يقوم بها فى مثل هذا الوقت من العام.
فى النهاية ما يفعله شهر رمضان فى تغيير المجتمع وبناء المجتمع، تعجز باقى الشهور على مدار العام عن القيام به، أتمنى مع نهاية الشهر الكريم أن نشعر بالتغيير، وأن نتمسك جميعًا بالسلوك القويم.
وعن تغير السلوكيات بعد الشهر الكريم، يقول الدكتور الأمير محفوظ عضو المجلس الأعلى للشئون الاسلامية سابقًا: إن شهر رمضان يحقق حالة قُرب تجعل العبد الصالح فى حالة إيمانية رفيعة، وحالة نفسية مطمئنة؛ إذ صام لله تعالى ممسكًا عن طعامِه وشرابه وشهواته وملذاته طواعيةً واختيارًا طلبًا لرضا الله تعالى، وابتغاء مرضاته، وهذا فى حد ذاته أحد مقاصد الإسلام العامة، فهو قد صلى خمسه، وقام ليله، وذكر ربه، ودعا مولاه، تلك المعانى التعبدية الدقيقة التى تحققت خلال شهر رمضان؛ لذا كان من الواجب على ذلك العبد الصالح أن يُوجّه لنفسه أسئلة تفرض نفسَها عليه، وهي: هل تنتهى كمالات التعبّد بانتهاء أيام شهر رمضان المعدودات؟ وماذا أنا فاعل بعد انتهاء شهر رمضان؟ وهل يريد الله منى عبادته فى موسم من السنة ثم أترك عبادته بقيّة السنة؟ يجاب عن تلك الأسئلة بأن الله أخبر عما يجب أن يكون عليه العبد الصالح، فقال: (فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ) «الشرح» فتوفر الرغبة الحثيثة على مرضاة ربه أمر الله عباده، والخطاب للنبي؛ لأنه قدوة لأمته؛ فالمراد عموم الأمة الخاتمة، وبين الأمرين (انْصَبْ وارْغَبْ)، من بديع القرآن الكريم، وهما يدلان على مراد الله تعالى من عباده، ويراد من النصب ما هو فى الطاعة، ويراد من الرغبة فى الله أى فى تحقيق رضاه، وحُسن ثوابه.
ويضيف أن الله تعالى لا تنفعه طاعة الطائعين ولا تضره معصية العاصين، قطعًا، فالله تعالى لا يريد منا، بل يريد لنَا دوام اللجوء إليه فنذكره ولا ننساه، ونقبل عليه ولا نشذ عنه، وهو معنى قوله: (قُلْ إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيايَ وَمَماتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ) «الأنعام» فرسول الله خاتم رسله، وسيد خلقه قدوتنا، ورفيقنا فى دنيانا، وشفيعنا فى أخرانا.
ويوضح أنه يجب أن يحافظ العبد على أداء الفرائض: فمن عجيب أمر المسلم أن يكسل عن أداء الصلوات الخمس بعد رمضان، مع أن شرعتها تتسم بما يلي: أولًا: أن الصلوات الخمس تشغل جزءًا من عُمْر الإنسان كل يومٍ لضمانة أجرها، ثانيًا: تعتبر الصلوات الخمس عماد الدين، فمن أقامها فقد أقام دينه، ثالثًا: تعتبر الصلوات الخمس تطهيرًا نفسيًّا، ورضوخًا طوعيّا لأمرِ الله تعالى ليدرك المكلف أهمية عبادة الله تعالى عامة، وأهمية الصلوات الخمس خاصة؛ لأنها جزءٌ لا يتجزأ من عبادته فى عمره كلّه، فلا ترتبط بشهر رمضان فى كل سنة فقط، أو ترتبط بمكان كالبيت الحرام فقط، وإنما ترتبط الصلوات الخمس بأوقاتها اليومية المعلومة.
أخيرًا أقول: إن أداء الصلاة على فترات قد تضيق فتكون ساعة، أو تتسع فتصل لحوالى سبع ساعات فى اليوم والليلة.
العلماء: مدرسة لبناء الإنسان وترسيخ الأخذ بالأسباب
العلاقات غير المشروعة تشيع الفاحشة العلماء: تؤدى إلى تفكك الأسر وضياع الأنساب
تواضع على الشنوانى شيخ الأزهر فى «وثيقة إجازة» بخط يده





