عشرات ومئات من الناس لا يتمالكون دموعهم حينما يشاهدون مأساة لعرض على مسرح جاد، أو على شاشة السينما، لكن رواد الصالات والملاهى الذين لا يعرفون شيئاً غير المضحكات فهم لم يروا فاطمة رشدي، ممثلة المسرح العملاقة التى ازدهرالمسرح المصرى فى عهدها ومنذ نشأته وحتى الآن، النجمة الرائعة فى عظمتها وروعة فنها، انحدر بها القدر، حتى أصبحت تعرض فنها الرفيع فى صالة رخيصة مليئة بعاريات الصدور والبطون والأرداف، فماذا كانت قبل ذلك؟!
اقرأ أيضًا| كنوز| 59 عامًا على رائعة «الحرام» بين «تشيخوف العرب» وفاتن حمامة
كانت ملء الأسماع والأبصار، كانت نجمة رمسيس الأولى مع يوسف وهبى بك القوى، جمالها كان يُبهر العيون ! وكان لها فرقتها المسرحية التى نافست بها الكبار والعمالقة، ولكن إلى ماذا انتهت هذه الجوهرة الفنية بعد ذلك ؟
انتهت - ويا للأسف - إلى صمتٍ عميق، إلى ركن مظلم من السكون فى زاوية من زوايا النسيان ! كان المرحوم الدكتور زكى مبارك يقول دائما: إن الحظ اكذوبة كبيرة، وإن الفقير مسئول عن فقره وكنت - كغيرى ممن يسمعون هذا الرأى - أضعه دائما موضع التشكك والارتياب، ومع هذا، فإننى كلما تذكرت الفنانة العملاقة فاطمة رشدى، واستعرضت مأساة حياتها، آمنت بأن فاطمة مسئولة عن مصيرها الى حدٍ كبير، إنها تنسب هذا المصير دائماً الى ما فى هذا البلد من جحود، ولكن يوسف وهبى وأم كلثوم وعبد الوهاب يعيشون تحت سماء هذا البلد، فلماذا أفاض عليهم بنعمته، واختصها هى وحدها بالجحود ؟
اقرأ أيضًا| تاريخ السينما وفن السيناريو في انطلاق دورة الدراسات الحرة بقصر سينما جاردن سيتي
الواقع إننى سألت نفسى هذا السؤال فى يوم من الأيام، وكنت لا أعرف فاطمة إلا كما يعرفها الجمهور كعملاقة على المسرح، استحقت لقب «سارة برنار» الشرق، ثم مرت الأيام وعرفتها عن كثب - كان ذلك منذ عشر سنوات أو أكثر قليلاً - وجمعتنا فى بعض الأيام ألفة حلوة وصداقة جميلة، وحاولت أن أفعل فى سبيلها شيئاً يُخرجها من هذا الصمت ويرفع عنها ستارة النسيان ويضعها فى المكان اللائق بها، على رأس كل الممثلات فى الشرق.
حاولت.. وكتبت.. واتصلت وجادلت.. وحاربت.. وخاصمت! ولكنى لم أصل الى شىء، وهنا وقفت على السر الكبير فى مأساة الفنانة القديرة فاطمة رشدى، تيقنت أنها عنيدة ، بل لعلها أكبر عنيدة فى الشرق وهذه الرأس «الناشفة» هى التى جنت عليها!
كنت منذ عشرين سنة، أشهد المخرج العبقرى المرحوم عزيز عيد يجلس فى قهوة «الفن» بشارع عماد الدين، فى ركن بعيد، يحدث صاحباً له عن فاطمة رشدى، تدمع عيناه وهو يروى حكاياتٍ عن عنادها أقرب الى الأساطير، وكنت أعجب عندما أذهب الى المسرح لأشاهدها وهى تجسد بعبقرية شخصية الملكة الباهرة «ماری أنطوانيت»، وعندما أشاهدها وهى تجسد بعبقرية أيضاًٍ شخصية الغانية الساحرة «مدام دی بومبادور»، وهى تجسد أيضاً شخصية «جربت جوتييه» الزهرة التى تذبل ولا يقل عطرها !
أو عندما أشاهدها وهى تجسد الفتنة الغامرة فى دور «النسر الصغير»، والعاشقة المدللة فى شخصية «ليلى العامرية»، أو عندما أشاهدها وهى تجسد شخصية الملكة الظمأى الى الحب فى دور «كليوباترا»، وتمر بى ساعات الليل وأنا أفكر فى النور الذى يبهر، فى الفن الذى يتألق فى وجه فاطمة رشدى الذى يفيض جمالاً وإشراقاً، وأقول: «هل يمكن أن تفكر الدولة فى صنع تمثال يجسد الوداعة والسماحة لفاطمة رشدی التى جعلت مسرحها بالمجان للطلبة لتنمى وعيهم وتدرب أذواقهم على الفن الراقى الرفيع؟».
قلت هذا حتى عرفتها .. فعرفتها قوية .. جبارة .. صلبة الفؤاد، ثائرة على الدنيا وما فيها ومن فيها، كانت تُحدثنى عن يوسف وهبي، وزكى طليمات، والشرر يتطاير من عينيها، فيخيل لى أنها لن تتردد فى الإقدام على جريمة قتل وكانت أحياناً تثور حتى على ابنتها، وهى أجمل متاعها من الدنيا، فيُخيل لك أنها إحدى أعدائها، وتقبل ابنتها «عزيزة» فتبتسم لأمها ابتسامة حلوة، فتنسى فاطمة كل شيء وتفتح لها ذراعيها وصدرها وقلبها، وعندما كنت أرى ذلك كنت أقول: «ليت يوسف وهبى وزكى طليمات يبتسمان لفاطمة مثلما تبتسم لها عزيزة فى يوم من الأيام، ابتسامة طيبة خالصة تفتح قلبها للحياة والفن من جديد».
كانت تركب رأسها دائماً، ولكنها كالطفل الصغير يتشبث بمطلبه، فإذا أعطيته نصف مطلبه، وعوضته عن النصف الثانى سيندفع فى أحضانك، يا سادة فاطمة رشدى مجد مُعطل، وأنتم أول من يدرك أنها منجم مُهمل، ثروة أوشك أن يعلوها الصدأ، ويغمرها تراب النسيان ولكن العظمة فيها أنها لا تزال متكبرة ولا ترضى بما دون القمة، وتؤمن بقول الشاعر «لنا الصدر دون العالمين أو القبر» !
صالح جودت «الكواكب» - 27 مايو 1952

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







