ألقاب كثيرة أُطلقت على الكاتب الكبير د. يوسف إدريس، وأهمها: لقب «تشيخوف العرب» للتشابه بين عالمه الإبداعى ونظيره الروسى «أنطون بافلوفيتش تشيخوف»، فكلاهما من رواد القصة القصيرة، كما أنهما طبيبان كشفا بقوة الإبداع عن مفارقات الحياة الساخرة وانحازا إلى المُهمشين والبسطاء، ووضح ذلك فى رائعة د. يوسف إدريس «الحرام» التى تحولت لفيلم سينمائى عُرض فى عام 1965 وكتب له السيناريو والحوار سعد الدين وهبة، وقامت ببطولته سيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، النجمة المفضلة عند د. يوسف إدريس، وشاركها البطولة: عبد الله غيث وزكى رستم وحسن البارودى، وهو من أهم روائع المخرج هنرى بركات، ورُشح الفيلم لنيل جائزة «السعفة الذهبية بمهرجان كان» عام 1965، وتم تصنيفه فى المركز الخامس ضمن أفضل 100 فيلم فى تاريخ السينما المصرية .

فى عام 1968 طلب برنامج «الميكرفون مع» من د. يوسف إدريس اختيار النجمة المفضلة لديه ليحاورها إذاعياً فأختار استضافة فاتن حمامة، سألها عن أصعب الشخصيات التى جسدتها على الشاشة فقالت له: «بالطبع شخصية «عزيزة» بطلة «الحرام» فلأول مرة تتناول السينما فئة عمال التراحيل المُهمشة اجتماعياً، وما شدنى لشخصية «عزيزة» أنها تعرضت للقهر والظلم عندما أخطأت غصب عنها وتحملت وزر ذنب لم يكن لها يد فيه»!
ويروى لنا «تشيخوف العرب» ما شاهده أثناء تصوير الفيلم فى الفيوم فى مقال بعنوان «مخدر المدينة» فى كتابه الشهير «شاهد عصره» الذى يقول فيه:
اقرأ أيضاً| كنوز| يوسف إدريس يسترد مقعده من فتاة صهيونية فوق السحاب
- «قضيت بعض أيام فى الفيوم مع فاتن حمامة والمخرج هنرى بركات والمنتج منير رفلة، ومجموعة من الفنانين والفنيين الذين كانوا يصورون فيلم «الحرام»، التجربة استغرقتنى تمامًا، فلقد اتبع بركات طريقة فريدة فى التصوير عندما جعل الفلاحين أنفسهم يمثلون دور «الترحيلة»، وكانت النتيجة مذهلة، فبعض الناس يعتقدون أن الفلاحين مثلًا أناس لا يمكن أن تكون بينهم وبين الفنون صلة، باعتبار أن الفنون المتطورة نبعت واشتهر بها المتعلِّمون من أهل المدن، لكننا وجدنا فى الفلاحين مادةً غنيةً لا يتصورها العقل، وباستطاعة اليد الماهرة أن تشكِّلها وتُخرج منها عملًا فنيًّا معجزًا.

ورغم أننى كان يجب أن أنصرف إلى التصوير والقصة وما كانت تقوم به المجموعة من عملٍ شاقٍّ رهيب، إلا أننى وجدت اهتمامى كله ينصرف إلى الفلاحين الذين أحضرهم المنتج منير رفلة ليقوموا بدور «الترحيلة»، أى القيام بالدور الخالد الوحيد الذى ظلُّوا يلعبونه آلاف السنين، واستغرقتنى تمامًا حياة هؤلاء الناس التى صادفتها بلا وعيٍ وأنا طفل، واليوم أشاهدها بكل وعيى وإدراكى وانتباهى، وخرجت من استغراقى فى تأمل حياة الناس بأننا نحيا فى القاهرة تحت تأثير مخدر قوى اسمه «المدينة»، بعماراتها وعرباتها وشوارعها الفسيحة ومتنزهاتها ومسارحها وسينماتها، والمواطنين الأنيقين النظيفين الذين يَحيون فيها، والذين يستنكفون أن يدخنوا السيجارة مثلًا إذا سقطت منهم على الأرض !
إن هذه المناظر التى تُطالعنا صباح مساء تُنسينا أحيانًا بل دائمًا أننا شعب من الفلاحين، وأن الوجه الحقيقى لهذا الشعب ليس هو الوجه القاهرى المطليُّ بالألوان والدوكو، والوجه الحقيقى هو ذلك الشاحب المليء بالحُفَر والندوب، الأصفر بالنقص فى التغذية، ذلك الذى يطالعنا إذا تحرَّكنا بضعة كيلومترات مبتعدين عن القاهرة، هناك نرى أنفسنا وبلادنا على حقيقتها، هناك لا خداع، هناك أدركت أننا برغم كل ما صُغناه وقمنا به من أعمالٍ مجيدة خلال ثورة 23 يوليو 1952 لم نستطع أن نغيِّر كثيرًا من صورة مجتمع القرية، فالفقر مازال يمسك بفئة عمال التراحيل ولا تزال له الغلبة ولا يزال هو القاعدة المُخيفة التى يقشعرُّ لها الجسد، الملابس مُهترئة، والوجوه ذابلة امتصَّت منها القوة القاهرة كل ماء الحياة ونضرتها، هناك وقفت سيدة أمريكية كانت تحضر التصوير وقالت والألم يلوى ملامحها:
«أقسم أنكم لكم الحق أن تفعلوا أى شىء فى سبيل أن تخلِّصوا هؤلاء الناس من هذه الحياة المرعبة كى يستطيع هؤلاء الناس أن يَحيوا الحدَّ الأدنى من الحياة الجديرة بالإنسان، الفقر لا يعيبكم فأنتم لم تصنعوه وورثتموه، وهو يعيب العالم المتحضِّر كله، يعيب القوى التى تقف ضدكم، ومنها للأسف بلادى التى تريد أن تمنع الطعام والملبس والمستقبل عن هؤلاء الناس. أرجوكم افعلوا أيَّ شيء وكلَّ شيء، أوقفوا هذا لا تجعلوه يستمر» !
لم أحسَّ أبدًا بالخجل، لأن هذه السيدة الأمريكية قد اطلعت على صورة حقيقية لحياة فئة مهمشة من فلاحينا، أحسست أن الصدق قد كسب لنا مُنصِفةً وداعيةً وصَديقة، أحسست أن خير ما نستطيع أن نفعله لشرح وجهة نظرنا للآخرين هو أن نُعرض للآخرين ما عاناه شعبنا تحت وطأة الاحتلال والاستعمار والاستغلال!
إن هؤلاء الناس الذين يكتبون فى الجرائد ويطلبون أن نُخفى ما يسمونه بالمناظر المؤذية عن عيون السياح والضيوف يملؤونى بالغيظ، فليس فى وجود الفقر ما يُخجل، فهو فقرٌ لم نصنعه وإنما ورثناه على رأى السيدة الأمريكية، وهو قضيتنا ومبرِّرنا العادل، وكثيرًا ما يُنسينا الوجه المشرق لمُدننا وعواصمنا ذلك الوجه الآخر، ذلك الذى تُخدِّرنا المدينة عن رؤيته وتُفقدنا القدرة على تذكُّره للعمل على تغييره.
د. يوسف إدريس من كتاب «شاهد عصره»
الساخر الأعظم ومفهوم الحب الخنفشارى !

الحب يختارك ولا تختاره، وعندما يختارك فعليك أن تقبل بكل شروطه، ومن شرط الحب أن تقع أحيانا تحت وصاية إنسان آخر، يسعدك حيناً ويشقيك فى معظم الأحيان، وما من امرأة تستطيع أن تحيا بغير حب، فهى إن لم تكن فى حب قائم، فهى فى انتظار حب جديد، وإلى أن يأتى الحب الجديد فهى تجتر فى ساعات وحدتها حباً قديماً تستدفئ بذكراه !
ومن أمراض الحب بعد الزواج أن كلاً من الطرفين لا يدرك السمات الخارجية الخاصة بالنوبات النفسية عند الطرف الآخر، كاستعداده للحديث أو رغبته فى الانفراد بنفسه أو جنوحه الى الانطلاق والمرح، وإذا أضفنا الى هذا كله جفاف الحياة الزوجية من الكلمة الحلوة واللمسة الحانية فإننا نجد الرجل فى النهاية يمارس حقوقه الزوجية وهو أقرب إلى شخصٍ مغتصب منه إلى زوج محب، فلا تملك الزوجة إلا أن تردد فى سرها دعاء واحداً: «روح ربنا يهدك» !
وأغانينا تعطى صورة مشوهة للحب فتصوره عذاباً ونواحاً ومندبة، الدنيا تغيرت لكن أغانينا لا تزال تنتمى إلى منابعها الأولى فى عصر الحرملك، ففى عصر الحرملك كان عثور الشاب على فتاة يحبها مشكلة كبرى، أما فقدانه لهذه الحبيبة فمصابُ جلل يقتضى لقلمه سرادق عزاء... والحب فى حقيقته - بعيداً عن أغانينا - بهجة ومرح وتفاؤل ورؤية للحياة جميلة ومثيرة ومدهشة، لكنه لا يخلو من لحظات شجن أو ساعة فراق حزينة وليس رد الفعل لها الوقوف على حائط المبكى !
المهم أننا لا نعرف كيف نحيل الحب إلى بهجة، فنحن بارعون فى أن نضفى الأحزان على كل شىء! فالعيد بهجة ومع ذلك نقضيه فى زيارة المقابر، والتليفزيون ترفيه جميل ومع ذلك يقدم لنا البكائيات، وأفلامنا تنتهى دائماً بالزواج وهى نهاية يزعمون أنها سعيدة.
وأغانينا تحفل بتفكير خنفشارى لا يمت للطبيعة الإنسانية بصلة، ولا توجد إلا فى حواديت أمنا الغولة والأفلام المصرية، فنحن نسمع من يقول: «ولما أشوف حد يحبك.. يحلالى أجيب سيرتك وياه، وأعرف جرى له أيه فى حبك وأد أيه صانه ورعاه».
الحب الحقيقى لا يعرف هذا التفكير الخنفشارى، الحب لا يعترف بأى شريك فى الحبيب، لأن الغيرة تُولد مع الحب، والغيرة هى صوت الاستئثار بالحبيب، والانفراد بتبادل الحب معه، والرجل مثلاً تشترك فى حبه كل من زوجته وأمه وأخته، والزوجة ترفض هذه المشاركة !
الغيرة عند الرجل الشرقى دماء حارة تفور، وأعيرة نارية تنطلق، بينما الغيرة عند الرجل الغربى امتعاض ! والحبيب الشرقى إذا رأى حبيبته فى حضن رجل غريب جالسين على كنبة فهو يفتك بالاثنين، أما الرجل الغربى فيكتفى بالتخلص من الكنبة !
أحمد رجب مجلة «الجيل» - مايو 1955
لهذا اختارت روز اليوسف اسم «صباح الخير»؟

كثيرون تساءلوا عن السبب الذى دعا السيدة فاطمة اليوسف إلى إطلاق اسم «صباح الخير» على مجلتها الشابة الثانية التى انضمت إلى شقيقتها الكبرى التى حملت اسم الشهرة لصاحبتها «روزاليوسف»، والإجابة عن هذا السؤال نجدها فى المقال الذى نشرته السيدة فاطمة اليوسف فى العدد الأول من «صباح الخير» بتاريخ 12 يناير 1956 والذى تقول فيه :
«عندما أعلنت عن صدور مجلة «صباح الخير»، بدأت الناس تسألنى: لماذا اخترت هذا الاسم بالذات؟.
كان السؤال قد وُجه الىّ مرة من قبل عندما قررت أن أطلق على مجلتى الأولى اسم «روزاليوسف»، وكنت فى تلك الأيام أرد على السؤال قائلة : « لقد اخترت أن أطلق على مجلتى هذا الاسم، لأنه الاسم الذى أتفاعل وأعتز به، والذى يعبر عنى أصدق تعبير، الاسم الذى اقترن بما أحرزته يوماً على خشبة المسرح، فرأيت أن أنقله معى إلى ميدان الصحافة»، واليوم يسألنى الناس مرة أخرى: «لماذا اخترت اسم «صباح الخير»؟.
ومرة أخرى أقول: «إنه الاسم الذى أتفاءل به!» فقد خُلقت بطبيعتى أحب الصباح وأكره الغروب، فمهما كانت الظروف، أشعر دائماً مع كل صباح بأننى قوية، مبتهجة، مشرقة، وأشعر دائماً مع كل غروب بانقباضٍ ووحشة وكسل وشحوب، الصباح عندى هو رمز للنصر، والغروب رمز للهزيمة، الصباح رمز للأمل، والغروب فيه معنى الخيبة والفشل.
الشعور بالثقة فى الصباح يلازمنى دائماً حتى اننى حرصت على الدوام ألا يفوتنى شروق الصبح مرة واحدة، فأنا دائماً أصحو مبكراً وأنتظر الصباح، مهما كان سهرى أو تعبى فى الليلة السابقة، بعكس الغروب الذى أهرب دائماً من مواجهته !
«صباح الخير»، تحية فيها إشراق الصبح وأمنية الخير، تحية ل قاء اعتدت على أن أوجهها كل صباح إلى أولادى، وإلى أصدقائى، وإلى العاملين معى، فأحببت أن أوجهها إلى قرائى أجمعين، وكان بودى أن أوجهها لكم كل يوم فى كل صباح ولكنى لم أستطع، وإن كنت دائماً سأحاول، فتقبلوا منى هذه التحية !
روز اليوسف «صباح الخير» 12 يناير 1956
مشهد صيفى حار لعقيلة راتب فى «ليلة الزفاف»!

كم أتمنى أن يزور الجمهور الإستديوهات التى نصور بها الأفلام فى عز فصل الصيف، ويذوق ما نعانيه من نار جهنم بسبب حر الصيف داخل جدران تلك الإستديوهات، وأنا على ثقة أن جمهورنا الحبيب سُيدهش من الظروف الصعبة التى نعمل بها، وسيقدر كم نعانى فى تصوير لقطة تستغرق أقل من دقيقة عند عرضها على الشاشة، بينما تستغرق منا أثناء التصوير ساعة وأكثر نقضيها بين تحضير المشهد والتدريب عليه، وإعادة التصوير لمرات بسبب ما يقع من أخطاء معتادة ومتكررة، وسوف يكتشف جمهورنا الحبيب ما يعانيه نجومهم وهم يتقلبون على جمر النار داخل الإستديوهات التى تتحول بفعل كشافات الإضاءة التى تحول الإستديوهات لجحيم لا يُطاق فى الصيف !
أتذكر عندما كنت أصور فيلم «ليلة الزفاف» فى مشهد يجلس فيه الزوج مع زوجته أمام المدفئة، كانت أحداث الفيلم تدور فى فصل الشتاء بينما كنا نصوره فى شهر يوليو الذى ترتفع فيه درجة الحرارة بشكل لا يُطاق .. وارتفاع درجة الرطوبة تجعلنا نغرق فى العرق، وكنت أقوم بدور الزوجة.. وكان الزميل حسين رياض يقوم بدور الزوج، والمشهد يتطلب أن تدخل علينا الخادمة وهى تحمل صينية الشاى وتقول بضع كلمات ثم تغادر، وجيء بواحدة من الكومبارس يبدو أنها لم يكن لها سابق تجربة فى التمثيل والتعامل مع الكاميرا، ولهذا اضطربت وارتبكت واضطر المخرج إلى إعادة المشهد أكثر من خمس مرات، وبدأ العرق يتصبب بغزارة فوق وجهى، ووجه الزميل حسين رياض الذى بدأ يحرك قدميه بعصبية، ويعرف أصدقاؤه تلك الحركة بأنها تعنى أنه بدأ يفقد السيطرة على أعصابه !
تكرر خطأ الخادمة، وتكرر إعادة التصوير حتى بلغ عدد المرات التى أعُيد فيها ما يقرب من عشرين مرة، كل هذا وأنا وحسين رياض نتلظى أمام المدفئة التى يتصاعد منها الدخان، ونرتدى طبقاً للمشهد ملابس صوفية ! وفجأة ثار حسين رياض وهجم على الخادمة وجذبها من ملابسها وأجلسها أمام المدفئة وأقسم أنه لن يتركها إلا بعد ربع الساعة، ونفذ قسمه بالفعل، وبعد ربع الساعة كانت الخادمة غارقة فى العرق، وخلال هذه الفترة استعان مساعد المخرج بخادمة أخرى من بلاتوه مجاور تجيد التعامل مع الكاميرا، وصورنا المشهد ولله الحمد بعد تعبٍ وعرق وجهد لا يُطاق !
وكان أحد مشاهد فيلم آخر صورته أيضا فى شهر يوليو يتطلب بأن أصعد فوق سلم مرتفع ويجرى خلفى زميل.. ثم أعود فأنزل على السلم.. وكان هذا الزميل من الوزن الثقيل، فكان كلما صعد فوق السلم «تكعبل» فى نهايته فيوقف المخرج التصوير ويعيد المشهد من جديد، وغرقت فى بحر من العرق وتكررت «كعبلة» الزميل، وتكرر إعادة التصوير، وفى كل مرة كنت أجفف العرق الذى يتصبب على رقبتى ويتوقف التصوير حتى أعيد إصلاح ما أفسده العرق على المكياج، واستغرق تصوير المشهد ساعة كاملة، وبعدها لم أقوِ على الاستمرار فى العمل فعدت إلى غرفتى بالإستديو لأجفف عرقى واسترد هدوء أعصابى التى أرهقها الحر الشديد !
عقيلة راتب «الكواكب» 28 يونيو 1955
الجبار الصغير
بقلم: إحسان عبد القدوس

اكتشفت أخيراً لماذا يحب الآباء أبناءهم.
إنهم يحبونهم لأن فى طبيعة الإنسان أن يحب السيد القوى المغتصب الظالم الذى لا يرحم.. والابن منذ اليوم الأول الذى يُولد فيه هو هذا السيد !
عشت حياتى كلها حراً طليقاً ثائراً لا أحترم تقليداً ولا قانوناً، ولا أسمح لكائنٍ من كان بأن يحد من حريتى أو يفرض علىّ أمراً، إلى أن جاء ابنى فاحتلنى احتلالاً عسكرياً وفرض علىّ قانوناً عرفياً ظالماً، وسلط أمره ونهيه على جميع نواحى حياتى، ولم يسمح بالدخول معى فى مفاوضات لعقد معاهدة تحدد ما له وما لى، فكل شىء له ولا شىء لى !
كنت أنام عندما أشاء وأصحو وقتما أشاء، فإذا بهذا الإنسان الصغير العزيز الذى لا يتجاوز عمره أياماً، يفرض سلطانه علىّ فلا أنام إلا إذا نام، فإذا صحى، صحوت لأكون بين يديه.
وكانت لى سيدة عزيزة جميلة أوقفت عمرها واهتمامها عليّ، فإذا بالجبار المعبود يغتصبها منى اغتصاباً، وإذا بعمرها كله له، وقلبها وروحها و إعصابها له.. ولم يترك لى منها شيئاً ولا حتى الإحساس بوجودى !
وكان كل ما أربحه من عملى ملكاً حلالاً لى وحدى، أبعثره كيفما أريد وألقى به ذات اليمين وذات اليسار، وقد خُلقت وأنا «ايدى سايبة» أحب أن أحس بالمال وهو ينساب من بين أصابعى ليقع أينما يقع، ولكن هذا الابن الحبيب غل يدىّ وأطبق أصابعى، واغتصب كل ما أربحه أولاً بأول أقدمه له جزية خضوعى وولائى له، فلا تندهشوا إذا طلبت من أحدكم سيجارة !
حتى الهواء حرمنى منه، وقد اخترت أن أعيش فى غرفة تلمس السماء ويصفر فيها الريح، وكانت أعصابى لا تهدأ ولا تستريح إلا إذا شعرت بالهواء البارد يصل إلى عظامى والريح القوى يخبط بجسدى، إلى أن سكن الطفل فى الغرفة المجاورة واتخذها مركزاً لقيادته، فإذا به يُحكِم عليّ أن أغلق النوافذ كلها وأحُكم إغلاقها حتى لا يتسرب الهواء من تحت عقب الباب فيقلقه فى نومه أو يؤثر فى جسده الرقيق، ولا يهم بعد ذلك أن أختنق أنا أو أموت من الحر!
إن زملائى وعمال المطبعة تعودوا منى المفاجآت، فقد كنت أكتب لهم عشر صفحات فى يوم واحد وقد لا أكتب شيئاً لعدة أيام، وقد أسلمهم مقالاً فى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل، وقد أسلمه فى الساعة السابعة صباحاً !
أما الآن وبعد أن فرض ابنى الأحكام العرفية، فقد أصبحت أنتهى من عملى فى الساعة الواحدة بعد الظهر لأكون بعد ذلك بين يديه، وأن انتهى منه فى الساعة التاسعة مساء لأكون طوال الليل تحت أمره، وبدأ الزملاء والعمال يتهموننى بأنى أصبحت عاقلاً ورب بيت، ورغم كل ذلك فإننى أحبه، أحب هذا الجبار الصغير الذى لا يرحم وأحب فيه جبروته.
أحب هذا الظالم وأحب فيه ظلمه، أحب هذا المغتصب الذى لم يترك لى شيئاً وأحب أن يغتصب منى أكثر.
أحبه وأخاف عليه من أطياف الخيال، أحبه وأعيش لأراه يوماً يبتسم، وأعمل لأراه يوماً يعمل، وأموت ليحيا.
أحبه لدرجة أننى اتصلت بصديقى الدكتور صادق فودة فى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل وصحت فيه: «ألحقنى يا دكتور.. محمد بيعيط»!
أجاب الدكتور من بين أسنانه: «هَشِّكه»!
ورمى سماعة التليفون فى وجهى !
«روزاليوسف» ١٨ يونيو ١٩٤٧

عزيزى.. إذا كرهت الدنيا بسبب شخص واحد.. فأنت كالذى أحرق بيته ليتخلص من صرصار !

أنيس منصور
أول مقر لجامعة المنصورة يسجل بموسوعة التراث العالمى
مزيكا «شيرين» و«حماقى» و«سعد» يتنافسون على الأكثر استماعًا
«بالألوان» إسراء زيدان تبحث عن الوطن النفسى





