عبقرى الكوميديا «2-2»

نجيب الريحانى
نجيب الريحانى


ما جاء فى مقال أستاذنا يحيى حقى يتسم بالحدة المبالغ فيها والانحياز الواضح لعلى الكسار على حساب نجيب الريحانى، ولهذا ناله انتقادات كثيرة من بعض النقاد على اعتبار أنه لم يكتب ما كتب إلا بعد رحيل الريحانى بست سنوات، ولم يقل ما قال فى حياته، ونالت شخصية «كشكش بك» التى انتقدها يحيى حقى بشدة الكثير من إشادات الكتاب والنقاد وكبار المفكرين لأن الريحانى الذى انصهر فى بوتقة مجتمع المدينة ومجتمع القرية، أدرك بحسه الكوميدى أن عمدة كفر البلاص فى «كشكش بك».

نموذج كوميدى جيد نجد وراءه المغزى الأخلاقى فى ندمه وتوبته التى أظهرها الريحانى فى كل العروض التى تناول فيها هذه الشخصية التى قام بتعريتها وفضحها وكشف سلوكها المرفوض وصولا لحالة التطهر التى تتحقق بالأسلوب الكوميدى الضاحك، والدكتورة ليلى أبوسيف التى نالت رسالة الدكتوراة فى مسرح الريحانى قدمت رؤية نقدية لتلك الشخصية التى صارت رمزًا من رموز مقاومة الأجانب، فبرغم جهل كشكش بك وسذاجة ريفيته إلا أنه كان يحمل فى أعماقه الكبرياء والعناد والمشاغبة التى يستخدم فيها سلاح المكر والدهاء، واختلفت الدكتورة ليلى أبو سيف اختلافا تاما مع ما كتبه يحيى حقي، على أساس أن الريحانى كان هو الأقدر فى صنع الكوميديا الاجتماعية وكان أرحب فى ملكة الخيال والتخيل، وأكثر ثقافة واطلاعا ومعرفة بتكنيك الحبكة الدرامية وامتلاكا لناصية توظيف كافة مفردات العرض المسرحي.

اقرأ أيضًا | ..«بيت الروبى» على dmc وأبطال «قلبى ومفتاحه» ضيوف on

وقبل وفاة الريحانى بعامين، أى فى مايو 1946، كتب عميد الأدب العربى الدكتور طه حسين مقالا فى مجلة «الكاتب المصري» عن مسرحية «سلاح اليوم» قال فيه: 

- «الأستاذ الريحانى معلم يلقى دروسه الاجتماعية والخلقية على المصريين من أكثر من ربع قرن، وهو فى الوقت نفسه صاحب فكاهة رائعة حلوة مرة فى وقت واحد، يسلى المصريين عن همومهم وأحزانهم العامة والخاصة، فليعرف المصريون له ذلك وليقدروه حق قدره وما أراهم يفعلون، وأنه لمن المؤلم حقا أن ينفق الأستاذ الريحانى حياته كلها معلمًا للمصريين ومسليًا لهم عن الهموم والأحزان، وأن يؤثر المصريين أنفسهم بدروسه وفكاهته دون أن يجد من الدولة عناية أو تشجيعًا، والغريب أن الدولة تفكر فى إنشاء جامعة شعبية، ولتعذرنى الدولة إذا قلت إن مسرح الأستاذ نجيب الريحانى هو قسم من أقسام هذه الجامعة».

وأكتفى بهذا القدر من المقال المطول لعميد الأدب العربي، الذى لا يحتاج منا إلى تعليق أو تعقيب، خاصة وأن العميد كتب هذا فى حياة الريحانى وليس بعد رحيله، وطالب بأن يكون مسرح الريحانى قسمًا فى الجامعة الشعبية التى كانت الدولة تفكر فى تأسيسها فى ذلك الوقت، ولكن يحيى حقى يبدو أنه كان على خلاف مع عميد الأدب العربى فى هذا التقييم وتلك النظرة، ولم يفصح عن هذا الخلاف إلا بعد رحيل الريحانى بعامين، ولم يكن يحيى حقى وحده هو من كان له رأى حاد فى مسرح الريحاني، فدخل الخط الشاعر صلاح عبد الصبور بمقال نشره فى مجلة «المسرح» عام 1969على أثر الأزمة التى أثيرت فى ذلك الوقت بشأن إغلاق فرقة الريحانى نتيجة للمصاعب المالية التى واجهتها، وكان أحد الكتاب قد تأسى على مصير فرقة الريحانى الذى وصفه بالفيلسوف الشعبي، ويبدو أن كلمة «فيلسوف» قد استفزت صلاح عبد الصبورفكتب يقول: «إغلاق فرقة الريحانى ليس أزمة مال أو أزمة نجوم، لكنه دلالة صحيحة على تطور الحياة المسرحية، فقد أدى هذا المسرح دوره فى حدود الإضحاك بتناول سطحى للمشكلات الاجتماعية، وورث هذا الدور فؤاد المهندس وفرقته، بل إن ثنائى «المهندس -شويكار» هو نفس ثنائى «الريحانى - ميمى شكيب»، وبنفس الثياب ونفس النبرات فى الصوت مع قدر أكبر من الحيوية، ولا أفهم مبررًا للهجوم على فؤاد المهندس واتهامه بالإسفاف، ثم المغالاة فى تقدير الريحاني، وتقليده وسام الفلسفة، رغم أنهما صورتان متطابقتان»!!

أختلف مع شاعرنا صلاح عبد الصبور -مع كامل تقديرى له- فى تشبيهه غير الموضوعى بين مدرسة الريحانى كأستاذ وفؤاد المهندس كتلميذ لنجيب، والواقع يؤكد  أن مسرح الريحانى مازالت رائحته تفوح فى سماء الكوميديا العربية رغم مرور 77 عامًا على رحيله، ودليلنا فى ذلك أن النجم محمد صبحى  لجأ لتراث الريحانى وقدم منه «لعبة الست»، ولاقى العرض نجاحا خرافيا فى مسرح محمد صبحى، لأن تراث الريحانى قابل لمعالجات جديدة، ويبدو أن صلاح عبد الصبور استفزته  كلمة «فيلسوف» التى الصقت بالريحانى، ولم يكن على علم أن هذا الوصف رفضه الريحانى نفسه من باب التواضع عندما أجرى معه الكاتب المسرحى نعمان عاشور الذى يقول: «كنت طالبًا بالجامعة وذهبت للأستاذ نجيب الريحانى فى مقهى «فينكس» وسألته فى حوارى معه «بتعجبنى حاجات كتيرة فى مسرحك بتحصل فى حياتنا وحضرتك بتقدمها فى قالب كوميدى طريف» فأجابنى الأستاذ الريحانى «ما همه بيقولوا عليَّ فيلسوف.. وأنا لا فيلسوف ولا حاجة»، فقلت له «أنت مصلح اجتماعي»، فضحك قائلا «أنا لا أحب هذا التعبير واستبدله بمضحك اجتماعي»، فهل تجنى صلاح عبد الصبور على الريحانى الذى رفض وصفه بالفيلسوف بشهادة نعمان عاشور؟!

وشهد مفكرنا الكبير عباس محمود العقاد لنجيب الريحانى فى الرثاء الذى كتبه بمجلة الكواكب عام 1949 فى مقال «رجل خلق للمسرح»، وقال فيه «إنك لا يمكن أن تتخيله فى عمل آخر غير عمله المسرحي، فهو على المسرح كالسمكة فى الماء، دخوله إليه وحركته عليه، وكلامه، وسكونه، وإيماءاته، وقيامه، وقعوده، طبيعة من صميم الطبيعة تنسيك كل تكلف يحتاج إليه الفنان حتى ينتقل من العالم الخارجى إلى عالم الرواية والفن».

وعلق موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب على مقال العقاد بمقال «رجل خلق للسينما» قال فيه: «بوسعى كفنان زامل الريحانى فى فيلم «غزل البنات» أن أقول فى ثقة وحماسة وتأكيد أننى لا أتخيل الريحانى إلا مظلوما على خشبة المسرح التى كانت تسرق الكثير من عبقريته لتدفنها فى جو محدود، وتطويها دون أن يشعر بها أحد، فالريحانى وجه صارخ الملامح، ناطق الرحمة، تكاد كل خلجة فيه تبرز قصة بليغة صامتة، وله لمحات تطفر من عينيه يسجل فيها أروع أحاسيس الفنان الملهم».

هذا هو عبقرى الكوميديا نجيب الريحانى الذى تجنى عليه أديبنا الكبير يحيى حقى لحساب على الكسار، وتجنى عليه أيضا شاعرنا الكبير صلاح عبد الصبور، ورد له اعتباره عميد الأدب العربى د. طه حسين، ومفكرنا العملاق عباس محمود العقاد، وموسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب، ولا عيب فى الاختلاف على الريحانى وإبداعاته المسرحية والسينمائية لأن الفن وجهة نظر لا تحكمه معايير نقدية جامدة وصارمة، وكل ناقد يحكم على الفنان وأعماله بما لديه من إرث وتراكمات ثقافية واتجاهات أيديولوجية، والخلاف والاختلاف فى صالح عبقرى الكوميديا نجيب الريحانى باعتباره قامة وقيمة وتأثيرا ملموسا بشكل مباشر، والاختلاف عليه لم ولن ينتهى، فكل جيل له رؤيته التى تناسب عصره، لكن المفيد فى الموضوع أننا عندما نشاهد ما تركه الريحانى من تراث سينمائى مازال يضحكنا ولا نمل من مشاهدته لعشرات المرات، ونكتشف فى كل مرة ما لم نكتشفه فى المرات السابقة، وأكتفى بالكلمة التى رثاه بها عميد الأدب العربى وقال فيها «مهما يبك المصريون هذا الرجل العظيم، ومهما يأسوا لفقده ويحزنوا لفراقه فلن يوفوه من حقه إلا أهونه وأيسره، إن هذا الرجل الذى مات ولم تتقدم به السن إنما أهدى صحته وراحته ودعته وعافيته، نفسه وجسمه إلى مواطنيه، وأهدى إليهم كل هذا فى غير تكلف ولا تصنع ولا تكبر ولا منَّ، وإنما كان كالشمس يرسل فنه إرسالا فترضى النفوس وتطمئن القلوب  وتسترد الضمائر ثقتها بالحياة كما ترسل الشمس ضوءها وحرارتها فتملأ الأرض حياة ونشاطا وبهجة)، صدق عميد الأدب العربى وتلك هى ميزة الفن الصادق الممتع الجميل الذى يذكرنا بالزمن الجميل. 
وغدا بإذن الله نلتقى مع شخصية جديدة.. لا تنسي.