«شارع الرويعي» ومسجده العريق.. قصة أثر وتاريخ

شارع الرويعي
شارع الرويعي


يُعد شارع الرويعي، الذي يتفرع من حي الموسكي بمنطقة العتبة في قلب القاهرة، أحد الشوارع التي تزخر بالآثار الإسلامية والتاريخية التي تعكس ثراء القاهرة التراثي.

 ومن أبرز معالمه مسجد وقبة الرويعي، الذي أسسه الخواجة شهاب الدين أحمد بن أحمد الرويعي، أحد كبار التجار في العصر العثماني، ليكون شاهدًا على مكانته الرفيعة ودوره الاقتصادي والاجتماعي في مصر. 

هذا المسجد ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو رمز لحقبة تاريخية هامة شهدت ازدهار التجارة وتأثير التجار المغاربة في الحياة الاقتصادية لمصر.

 

◄ الخواجة أحمد الرويعي.. من تاجر بسيط إلى شهبندر التجار

 

أحمد الرويعي، الذي تعود أصوله إلى المغرب، بدأ مسيرته التجارية من مدينة رشيد حيث امتهن تجارة التوابل، وسرعان ما ازدهرت أعماله ليؤسس وكالة تجارية عُرفت باسم "ابن النفيس"، مما مكنه من توسيع نطاق تجارته بين رشيد، الإسكندرية، والقاهرة. ومع انتقاله إلى القاهرة، اختار الاستقرار في منطقة الأزبكية، التي كانت آنذاك إحدى أكثر المناطق رقيًا وجذبًا للأثرياء، حيث شيد قصرًا فخمًا وبنى بجواره مسجدًا يحمل اسمه، ليكون مركزًا دينيًا واجتماعيًا، كما أنشأ قبة خاصة ليُدفن بها بعد وفاته.

اقرأ أيضا| «شارع الأشراف».. متحف القاهرة الفاطمية المفتوح

ونتيجة لمهارته التجارية، أصبح الرويعي من الشخصيات المؤثرة في مجتمع التجار، وحصل على لقب "شهبندر التجار"، وهو منصب رفيع يعادل اليوم رئيس الغرفة التجارية، وكان يُعرف بين الناس بلقب "فخر التجار المغاربة وعمدة الخواجكية المعتبرين". ومع تقدمه في العمر، حرص على توريث منصبه إلى ابن أخيه علي بن محمد بن أحمد الرويعي، الذي دربه ليكون امتدادًا لنجاحه.

 

◄ مسجد وقبة الرويعي.. تحفة معمارية وتاريخية

 

أنشأ الرويعي مسجده عام 1020هـ / 1611م خلال حكم الوالي العثماني محمد باشا، ليكون ليس فقط دارًا للعبادة، وإنما أيضًا معلمًا يعكس القوة الاقتصادية والسياسية للتجار في ذلك الوقت. يقع المسجد في شارع الرويعي بحي الموسكي، بالقرب من بركة الأزبكية التي كانت مركزًا للمتنزهات والقصور آنذاك.

ويتميز المسجد بتصميمه الفريد، حيث يضم صهريجًا مائيًا، وكان يعتمد في تمويله على أوقاف أنشأها الرويعي لضمان استمرارية خدماته. كما يواجه المسجد قبة الرويعي، التي بُنيت كمثوى أخير له بعد وفاته، ليظل اسمه محفورًا في ذاكرة القاهرة حتى اليوم.

 

◄ الدمار في الحملة الفرنسية ومحاولات الطمس

 

عندما احتلت الحملة الفرنسية مصر عام 1798م، تعرضت العديد من المنشآت الأثرية للهدم والتخريب، ولم يسلم مسجد الرويعي من ذلك، حيث قام الفرنسيون بتحويله إلى خمّارة، في محاولة لطمس هويته الإسلامية، كما أشار المؤرخ عبد الرحمن الجبرتي في كتابه عجائب الآثار في التراجم والأخبار، حيث وصف حجم الدمار الذي لحق بالمباني الإسلامية في ذلك الوقت.

 

◄ شارع الرويعي عبر التاريخ

 

وفقًا لما ورد في كتاب "الخطط التوفيقية" لعلي باشا مبارك، فإن شارع الرويعي يمتد من أول شارع البكرية حتى شارع وش البركة، بطول 140 مترًا. ويعتبر هذا الشارع من المحاور التجارية الهامة في القاهرة، حيث يحتضن العديد من المحلات المتخصصة في بيع الكتب الدينية، والمفروشات، والأدوات المنزلية، ليظل محتفظًا بطابعه التجاري الذي بدأ منذ عصر الرويعي.

◄ الموروث الثقافي والتاريخي لشارع الرويعي ومسجده

 

على الرغم من مرور القرون، لا يزال مسجد الرويعي قائمًا، ويُقام به الشعائر الدينية حتى اليوم، مما يجعله شاهدًا حيًا على تاريخ القاهرة التجاري والمعماري. وقد شهد الشارع تطورات عديدة، لكنه حافظ على مكانته كأحد المراكز التجارية النشطة، مستقطبًا آلاف الزوار يوميًا.

يُعد شارع الرويعي نموذجًا مصغرًا للتاريخ التجاري والاقتصادي لمصر في العصر العثماني، حيث يعكس مسجد الرويعي وقبته الدور البارز الذي لعبه التجار المغاربة في المجتمع المصري. ورغم تعرض المسجد للتخريب خلال الحملة الفرنسية، إلا أنه عاد ليكون منارة دينية وثقافية تعكس عظمة القاهرة وتراثها المتجدد، ليبقى شارع الرويعي شاهدًا على تاريخ ممتد عبر الأجيال.