بمجرد أن تخطو قدماك في قلب القاهرة الفاطمية، يأسرك عبق التاريخ وروحانيات المكان، حيث تتداخل المعالم الأثرية بمشاهد آل البيت في تناغم فريد يجعل من شارع الأشراف واحدًا من أهم المعالم الدينية والتاريخية في مصر. يقع هذا الشارع العريق في حي الخليفة، الذي يُعرف بـ"بقيع مصر"، نظرًا لما يضمه من مقامات وأضرحة لأحفاد الرسول صلى الله عليه وسلم وأولياء الله الصالحين، مما جعله وجهة يقصدها المحبون والمريدون من كل مكان.
يتميز شارع الأشراف ليس فقط بكونه ملتقى روحيًا لعشاق آل البيت، بل أيضًا بمبانيه الأثرية التي تحمل بصمة العصور الإسلامية المختلفة، من الفاطميين إلى العثمانيين، مما يجعله متحفًا مفتوحًا يعكس تطور فنون العمارة الإسلامية في مصر. ورغم مكانته التاريخية والدينية، يعاني الشارع من إهمال واضح يهدد معالمه العريقة، مما يستدعي جهودًا جادة للحفاظ على هذا الإرث الحضاري الفريد.
◄ شارع الأشراف.. بقيع مصر وأثره الروحي
يحمل شارع الأشراف اسمه نسبةً إلى أحفاد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذين يلقبون بـ"الأشراف". كان يُعرف في الماضي باسم "درب السباع"، ثم أصبح "درب الأشرف" نسبة إلى السلطان الأشرف خليل بن المنصور قلاوون، أحد سلاطين الدولة المملوكية، لكن مع مرور الزمن وتحوله إلى مزار روحي، أُضيفت ألف إلى اسمه ليصبح "الأشراف"، تعبيرًا عن مكانته المقدسة في قلوب المريدين.

هذا الشارع لا يهدأ، حيث يتوافد إليه الزوار من داخل مصر وخارجها، خاصة في الموالد والاحتفالات الدينية التي تملأ أجواءه بالابتهالات وحلقات الذكر الصوفية. كما أن مبانيه القديمة، المكسوة بالنقوش الإسلامية والمشربيات، تمنح الزائر إحساسًا بالسفر عبر الزمن، في رحلة تمزج بين الروحانيات وسحر التاريخ.
◄ المعالم البارزة في شارع الأشراف
1- مسجد وضريح السيدة نفيسة.. نفيسة العلم
يُعد مسجد السيدة نفيسة أحد أبرز معالم شارع الأشراف، حيث يضم مقام حفيدة النبي، السيدة نفيسة بنت الحسن الأنور. جاءت إلى مصر من مكة، وعُرفت بورعها وعلمها الغزير، حتى لقبت بـ"نفيسة العلم". وعندما وافتها المنية، أراد زوجها نقل جثمانها إلى المدينة، لكن أهل مصر تمسكوا بها بعد رؤية أحد الصالحين للرسول صلى الله عليه وسلم في المنام، يطلب منه إبقاءها في مصر.
2- مقام السلطان الأشرف خليل بن قلاوون
يعود هذا الضريح إلى العصر المملوكي، إذ أُنشئ عام 1388م تكريمًا للسلطان الأشرف خليل، الذي كان له دور بارز في استعادة عكا من الصليبيين. ورغم أهميته التاريخية، إلا أنه يعاني من إهمال شديد، حيث تحيط به القمامة والمياه الجوفية التي تهدد بنيانه الأثري.
3- مقام فاطمة خاتون (أم الصالح)
يعود هذا المقام إلى القرن الثالث عشر، ويخص فاطمة خاتون، زوجة المنصور قلاوون. كان جزءًا من مدرسة أنشأها السلطان، لكن مع مرور الزمن تعرض للإهمال والتعديات، رغم تسجيله كأثر إسلامي هام.
4- مشهد السيدة رقية
يُنسب هذا المشهد إلى السيدة رقية، ابنة الإمام علي الرضا، وهو من أهم مقامات "بقيع مصر". يعود بناء المسجد إلى العصر العثماني، ورغم عدم التأكد من وجود الجثمان داخله، إلا أنه يُعد من المزارات المهمة في الشارع.

5- مقام السيدة عاتكة
يقع بالقرب من مشهد السيدة رقية، وهو خاص بالسيدة عاتكة بنت نفيل العدوية، التي عُرفت بأنها تزوجت رجالًا عدة استشهدوا جميعًا، مما جعل البعض يتندر بأن الزواج منها طريق إلى الشهادة!
6- مقام سكينة بنت الحسين
اقرأ أيضا| «سكينة بنت الحسين».. قصة «صاحبة المقام» في التاريخ الإسلامي
يُقال إن السيدة سكينة، حفيدة الرسول، جاءت إلى مصر بعد موقعة كربلاء مع السيدة زينب وفاطمة النبوية. عُرفت بجمالها وبلاغتها، ولُقبت بـ"سكينة" لصفاتها الهادئة. ورغم عدم إثبات وجود جثمانها بالمقام، إلا أنه يُعد أحد أشهر مزارات الشارع.
◄ الإهمال يهدد تاريخ شارع الأشراف
على الرغم من القيمة التاريخية والدينية التي يتمتع بها شارع الأشراف، إلا أن الإهمال طال أغلب معالمه، حيث انتشرت القمامة والتعديات العشوائية، بالإضافة إلى المياه الجوفية التي تسببت في تآكل بعض المباني الأثرية.
1- القمامة والمخلفات
تحولت بعض الساحات التاريخية، مثل محيط قبة السلطان الأشرف خليل، إلى مكب للنفايات، مما يشوه المظهر العام للشارع ويفقده هيبته.
2- التعديات العشوائية
انتشرت المقاهي العشوائية في محيط بعض الأضرحة مثل ضريح السيدة سكينة، حيث يُستخدم محيط المقام كمقهى، وسط تجاهل تام لحرمة المكان.
3- الإضاءة والبنية التحتية
تعاني بعض المناطق من انعدام الإضاءة، مما جعلها مرتعًا للمتسكعين وأعمال التحرش، خاصة في المنطقة المحيطة بـ"جبل المساكن"، الذي يُستخدم أحيانًا كمخبأ للمجرمين.
◄ جهود تطوير شارع الأشراف
رغم هذه التحديات، وضعت محافظة القاهرة ووزارة الآثار خططًا لتطوير شارع الأشراف ضمن مشروع إعادة تأهيل المناطق التاريخية، وتشمل هذه الجهود:
- إزالة القمامة والمخلفات: تم تخصيص حملات نظافة دورية للحفاظ على جمالية المكان.
- إعادة تأهيل المباني الأثرية: تشمل الترميمات قبة السلطان الأشرف وضريح السيدة سكينة ومسجد السيدة رقية.
- تحسين البنية التحتية: جاري العمل على إصلاح شبكة الصرف الصحي وإضافة إنارة حديثة في الشارع.

يظل شارع الأشراف شاهدًا حيًا على عراقة القاهرة الفاطمية، حيث يجتمع التاريخ مع الروحانيات في أبهى صورة. ورغم ما يعانيه من إهمال، إلا أن جهود التطوير المستمرة قد تعيد له بريقه المفقود، ليبقى متحفًا مفتوحًا يحكي قصة آل البيت وأولياء الله الصالحين في مصر. فإذا كنت من عشاق التاريخ والتصوف، فإن زيارة شارع الأشراف ستكون بمثابة رحلة روحية عبر الزمن، حيث يمتزج الماضي بالحاضر في تناغم فريد يستحق التأمل.

الأزهر والبرلمان والحكومة.. من يرسم ملامح قانون الأسرة الجديد؟
اقتصاد الفحم.. كيف تحولت "المكامير" إلى أزمة بيئية في الغربية؟
«مفتاح التنافسية ومواجهة الفقر».. تحليل يكشف مؤشرات تطوير التعليم







