قيود وضرائب ورسوم.. عوائق جديدة أمام تدفق السياح لأمريكا بسبب قرارات ترامب

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب - صورة تعبيرية


لطالما كانت الولايات المتحدة وجهة الأحلام لكثير من السياح حول العالم، لكن يبدو أن قرارات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من قيود الهجرة إلى الرسوم الجمركية والخطاب العدائي، قد أضعفت جاذبيتها السياحية، بعد تراجع حاد في أعداد الزوار، فيما يمتد التأثير ليشمل الاقتصاد الأمريكي.



سياسات ترامب.. عائق جديد أمام تدفق السياح

منذ تولي ترامب السلطة في 20 يناير الماضي، تزايدت القيود التجارية وخطابه الحاد تجاه بعض الدول، مما دفع العديد من المسافرين إلى إعادة النظر في زيارة الولايات المتحدة، لم يقتصر الأمر على المسافرين الأفراد، بل امتد إلى مجموعات كبيرة كانت تخطط لقضاء عطلاتها هناك، مما أدى إلى خسائر ضخمة في قطاع السياحة الأمريكي.

فضلا عن أن القلق من السياسات الأمريكية الجديدة جعل الكنديين يلغون زياراتهم إلى ديزني وورلد، كذلك، بات الأوروبيين يتجنبون الحدائق الوطنية الأمريكية، بينما فضّل الصينيون التوجه إلى وجهات بديلة مثل أستراليا، وفقًا لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية.

وفقًا لتوقعات شركة "اقتصاديات السياحة"، من المتوقع أن ينخفض السفر الدولي إلى الولايات المتحدة بنسبة 5% هذا العام، مما سيُكبّد القطاع السياحي في الولايات المتحدة خسائر تصل إلى 64 مليار دولار، بينما كان من المنتظر أن يشهد السفر إلى أمريكا نموًا بنسبة 9%، لكن السياسات المثيرة للجدل للإدارة الأمريكية دفعت الشركة إلى تعديل توقعاتها، لتشير إلى تراجع بدلاً من الازدهار.

اقرأ أيضًا| قصة غلاف| «إيكونوميست» تستعرض ملامح عصر إمبراطوري جديد لـ«ترامب»

 

أسباب العزوف عن السفر إلى أمريكا

يرى رئيس شركة "اقتصاديات السياحة"، آدم ساكس، أن التأثير السلبي لم يقتصر على التعريفات الجمركية وحدها، بل شمل أيضًا النبرة التصعيدية التي اتبعها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب تجاه العديد من الدول.

ولم تؤثر هذه السياسات فقط على التجارة، بل امتدت إلى قطاع السياحة بالولايات المتحدة، حيث بات المسافرون ينظرون إلى أمريكا على أنها بيئة أقل ترحيبًا، مما أدى إلى انخفاض أعداد الزوار الأجانب بنسبة 2.4% في فبراير مقارنة بالعام السابق.

أما أكبر الانخفاضات، فقد سُجّلت في أعداد المسافرين من أفريقيا بنسبة 9%، وآسيا 7%، وأمريكا الوسطى بنسبة 6%، بينما تراجع عدد السياح الصينيين بنسبة 11%.

 

مخاوف أمنية تدفع العائلات لإلغاء رحلاتها

لم تكن الاعتبارات الاقتصادية وحدها السبب في تراجع السياحة، بل امتزجت بها مخاوف أمنية وسياسية، بينيلوبي بول، وهي سيدة فلبينية، ألغت خططها لرحلة بحرية عائلية في فلوريدا، واختارت بدلًا من ذلك قضاء العطلة مع عائلتها في منتجع كندي، بعد أن ساورها القلق بشأن الأوضاع في أمريكا.

وأشارت إلى أن عدائية الإدارة الأمريكية دفعتها لاتخاذ هذا القرار، خاصةً أن بعض أفراد عائلتها قادمون من دول مثل إندونيسيا والمكسيك، التي شملتها سياسات ترامب المتشددة.

ولم يكن هذا الانخفاض الأول من نوعه، فقد شهدت السياحة الدولية تباطؤًا كبيرًا خلال رئاسة ترامب الأولى، مما أدى إلى خسائر تُقدّر بـ 20 مليار دولار حتى قبل أزمة كورونا، وفي ذلك الوقت، كان التراجع الأكبر في أعداد السياح من المكسيك والصين والشرق الأوسط، نتيجة لحظر السفر والسياسات الجمركية والتصريحات العدائية، لكن هذه المرة، يبدو أن كندا تقود التراجع، خاصةً بعد تصريحات ترامب التي أثارت استياءً واسعًا هناك.

اقرأ أيضًا| «الرجل المجنون».. «ذا نيويوركر» تكشف استراتيجية ترامب في الولاية الثانية


كندا.. جارة أمريكا ترد بالمقاطعة

تصريحات ترامب حول رغبته في جعل كندا "الولاية رقم 51" لم تمر مرور الكرام، فقد حثّ رئيس الوزراء الكندي السابق جاستن ترودو مواطنيه على تجنب السفر إلى أمريكا، ويبدو أن الكنديين استجابوا للتحذيرات، فقد انخفض عدد الكنديين الذين يسافرون إلى الولايات المتحدة بنسبة 23% في فبراير، بينما تراجع السفر الجوي من وإلى أمريكا بنسبة 13%.

بالإجمال، تتوقع مؤسسة "اقتصاديات السياحة" أن ينخفض عدد السياح الكنديين بنسبة 15% هذا العام، مما يعني خسائر تصل إلى 3.3 مليار دولار في إنفاق السياح، أما بيرثا لوبيز، سيدة مكسيكية تعيش في تورنتو، فقد كانت تعبر الحدود الأمريكية بانتظام لشراء احتياجاتها، لكنها توقفت تمامًا هذا العام، حتى إنها ألغت رحلة كانت مقررة إلى أريزونا، مفضّلة دعوة صديقتها لزيارتها في كندا بدلًا من ذلك.

 

تداعيات التراجع السياحي على الاقتصاد الأمريكي

في وقت تعاني فيه السياحة الأمريكية من ضغوط خارجية، يواجه القطاع أزمات داخلية أيضًا، فمثلا شركات الطيران الكبرى، كـ "دلتا" و"ساوث ويست" و"أمريكان إيرلاينز"، حذّرت من انخفاض الطلب على الرحلات، مما دفعها إلى تقليص توقعاتها للأرباح، حتى السياحة الداخلية تأثرت، حيث أصبح الأمريكيون أنفسهم أكثر ترددًا في الإنفاق على العطلات بسبب حالة عدم اليقين الاقتصادي.

ومع تسجيل قطاع الضيافة والترفيه شهرين متتاليين من فقدان الوظائف، يبدو أن الأزمة تتجاوز مجرد انخفاض في عدد السياح، فهناك عوامل اقتصادية وسياسية متشابكة تجعل السياحة الأمريكية تواجه أحد أكبر تحدياتها في العقود الأخيرة، والسؤال الآن... هل تتمكن أمريكا من استعادة بريقها السياحي، أم أن سياسات ترامب وضعت بصمتها الدائمة على هذا القطاع؟

في ولاية فلوريدا، حيث تُركز وكالة السفر "فاكيشنير" على تنظيم رحلات إلى ديزني، شهدت الحجوزات ارتفاعًا طفيفًا بنسبة 5% عن العام الماضي، ومع ذلك، يساور مالك الوكالة، جوناثان دي أراوجو، القلق بشأن مدى التزام العملاء بحجوزاتهم.

فالكثيرون يدفعون عربونًا بقيمة 200 دولار عبر بطاقاتهم الائتمانية، معتقدين أنهم سيتخذون قرارهم النهائي لاحقًا، لكن مع تذبذب سوق الأسهم وتزايد المخاوف من الركود الاقتصادي، يتوقع دي أراوجو موجة إلغاءات كبيرة في المستقبل القريب.

 

مؤشرات مقلقلة حول الركود الاقتصادي

تشير التطورات الأخيرة إلى أن الاقتصاد الأمريكي يواجه تحديات متزايدة، فالرسوم الجمركية الجديدة التي فرضها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، تثير المخاوف بشأن ارتفاع الأسعار، بينما تُلقي حالة عدم اليقين السياسي، الناجمة عن إدارة ترامب وعوامل أخرى، بظلالها على قرارات الشركات والأفراد.

وقد أظهر استطلاع حديث أن ثقة المستهلكين في الاقتصاد تراجعت للشهر الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوى لها منذ أكثر من عامين، ورغم التفاؤل الذي يبديه بعض الرؤساء التنفيذيين، فإن الشركات الصغيرة بدأت تعرب عن قلقها من المستقبل المجهول.

كذلك، الأسواق المالية لم تكن بمنأى عن هذه الاضطرابات، حيث سجل مؤشر داو جونز الصناعي أسوأ أسبوع له منذ عامين، وبما أن الإنفاق الاستهلاكي يمثل حوالي 70% من الاقتصاد الأمريكي، فإن أي تراجع فيه قد يكون له تأثير كبير، وقد أكدت كبرى شركات التجزئة مثل "وول مارت" و"تارجت" أن المستهلكين بدأوا بالفعل في تقليل نفقاتهم، ومن المتوقع أن يستمر هذا التراجع خلال الأشهر المقبلة.

ووفقًا للخبير الاقتصادي سونج وون سون من جامعة لويولا ماريماونت في لوس أنجلوس، فإن احتمالات حدوث ركود اقتصادي بالولايات المتحدة هذا العام ارتفعت من 15% إلى 35% خلال أسبوعين فقط، ويقول سون: "الضبابية في المشهد الاقتصادي تزداد كثافة، ويمكن للمستهلكين التعامل مع الأخبار السيئة، لكنهم لا يستطيعون التعامل مع حالة عدم اليقين، وهذا هو التحدي الأكبر حاليًا".

ولا تقتصر تداعيات سياسات ترامب الاقتصادية على الداخل الأمريكي فقط، بل تمتد إلى الخارج أيضًا، فقد أثارت تصريحاته الأخيرة بشأن فرض رسوم جمركية بنسبة 200% على النبيذ والمشروبات الكحولية الأوروبية موجة من الغضب في أوروبا، حيث وصف الاتحاد الأوروبي بأنه "من أكثر الأنظمة الضريبية استغلالًا وعدائية في العالم".

ومن المتوقع أن تؤثر هذه التوترات على حركة السفر من أوروبا الغربية إلى الولايات المتحدة، خاصة وأن الأوروبيين شكلوا أكثر من ثلث السياح الدوليين العام الماضي، إضافة إلى ذلك، فإن السياسات الجمركية المتشددة والتوجه الجديد لإدارة ترامب تجاه روسيا قد يؤثران سلبًا على السياحة الأوروبية بشكل عام، وفقًا لتقرير صادر عن شركة "اقتصاديات السياحة".

وتسببت هذه الأوضاع في تغيير خطط العديد من السياح الأوروبيين، ينس مولرز، وهو سائح ألماني يبلغ من العمر 31 عامًا، كان قد خطط مع والده لرحلة برية عبر المتنزهات الوطنية الأمريكية، مثل جبل رينييه وجلاسير، لكنه قرر إلغاءها بعد أن لاحظ سياسات إدارة ترامب تجاه الأوروبيين ومحاولاتها تقليص ميزانية المتنزهات الوطنية.

ويقول مولرز بأسف: "إنه لأمرٌ محزنٌ حقًا أن نرى ما يحدث للحدائق الوطنية وموظفيها، هذه كانت ستكون رحلتي الخامسة إلى الولايات المتحدة، لكننا قررنا التوجه إلى كندا بدلًا من ذلك، لن نعود إلى أمريكا حتى تتغير الأمور جذريًا".

ومع تراجع ثقة المستهلكين، وتصاعد التوترات التجارية، وانخفاض معدلات السفر الدولي، يبدو أن قطاع السياحة الأمريكي يمر بأحد أصعب مراحله، وفي ظل الأوضاع الاقتصادية غير المستقرة، يظل السؤال مطروحًا، هل تستطيع أمريكا استعادة جاذبيتها السياحية، أم أن هذه الأزمة قد تترك تأثيرًا طويل الأمد؟

اقرأ أيضًا| هل تدفع أمريكا الثمن؟.. خطة ترامب المالية تثير مخاوف من أزمة ديون ضخمة