دونجوان الزمن الجميل «1-2»

رشدى وسامية جمال وأطول زيجة
رشدى وسامية جمال وأطول زيجة


19 يوماً فقط قضاها دونجوان السينما العملاق رشدى أباظة فى مستشفى العجوزة الذى دخله وهو لا يعلم أن سرطان المخ قد تمكن منه وأصبح فى المرحلة الحرجة التى عجز الأطباء خلالها عن فعل أى شىء لمحاصرة الورم السرطانى الذى كان يُدخله فى غيبوبة يفيق منها ثم يعود إليها إلى أن لقى ربه فى السابعة صباح الأحد 27 يوليو 1980 الموافق 13 رمضان 1400 هـجرية عن عمر يناهز ثلاثة وخمسين عاماً فقط، تاركا خلفه فيلم «الأقوياء» الذى لم يستكمل تصويره.

ومسلسل «صفقة الموت «الذى صور منه مشاهد قليلة جداً، وقبل أن يرحل بيومين أفاق من الغيبوبة لعدة دقائق رأى خلالها لأول مرة حفيده أدهم دياب نجل كريمته «قسمت»، واستقبل شقيقته منيرة أباظة المقيمة فى بلدة «صيدا» بلبنان، والوحيد الذى كان على علم بدخوله مستشفى العجوزة شقيقه الممثل فكرى أباظة وزوجته حياة قنديل، ونادية لطفى، التى كانت من أقرب صديقاته، وقال لى فكرى: إن شقيقه رشدى رفض العلاج على نفقة الدولة وأعطاه شيكاً مفتوحاً ليدفع منه تكاليف العلاج والإقامة بالمستشفى، وقال لى أيضاً: إن والدة رشدى الإيطالية «ليلى بورجمينو» لم تزره فى بداية دخوله المستشفى للخلافات التى كانت بينهما.. وخلافاتها مع ابنته قسمت، وفهمت أن والدته الإيطالية كانت قد اوصت بتوزيع ثروتها مناصفة بينه وبين ابنته الوحيدة «قسمت»، وعندما علمت بإصابته بسرطان المخ وقال لها الأطباء: إنه لم يتبقِ له سوى فترة قصيرة ليفارق الحياة، فكلفت محاميها باسترداد ثروتها دون علم رشدى ظناً منها أن أشقاءه لأبيه سيرثونه، ويبدو أن رشدى عندما علم بما فعلته أصابته صدمة زادت من مرضه.

اقرأ أيضًَا | 10 مسلسلات تنافس فى النصف الثانى من دراما رمضان ..مكى مع «الغاوى» ودنيا سمير غانم «عايشة الدور»

وحاولت أن أرى رشدى الدونجوان الوسيم رشدى أباظة فى ساعاته الأخيرة بالعناية المركزة عن طريق شقيقه فكرى أباظة لكنى فشلت وحمدت الله أننى لم أره بعد أن نقل لى فكرى وصفاً تفصيلياً لما أصبح عليه الدونجوان الوسيم من حالة تصعب على الكافر، والوحيد الذى كان مسموحاً له بالبقاء بجواره فى العناية المركزة هو الحاج عجمى عبدالرحمن الشهير بـ «دنقل «أحب أصدقائه، الذى نفذ وصية رشدى بالحرف عندما طلب منه قبل أن يرحل بيوم أن يفرش مدفنه الذى بناه بنزلة السمان بعيداً عن مدافن الأباظية بالحنة اعتقاداً منه أنها تسرع من تحلل الجثمان، وتبين بعد وفاة رشدى أباظة أنه يمتلك مزرعة كبيرة على مساحة 30 فدانًا فى قرية «الربعماية»، ضمن أملاك الأسرة الأباظية بمديرية الشرقية، ويمتلك نصف مصنع للستائر الحصيرأنشأه مع قريبه محمد طاهر أباظة. 


رأيت «الدونجوان «رشدى أباظة ثلاث أو أربع مرات فى «كافيه ريش» بميدان طلعت حرب منتصف سبعينيات القرن الماضى، رأيت رشدى صاحب القامة والقيمة والمهابة والضحكة العريضة التى كانت ترن فى الفضاء، أحببته مثل ملايين غيرى لرجولته التى كان يطل بها علينا عبر الشاشة، أعُجبت بأناقته وحاولت الاقتراب منه عندما كان يحضر للكافيه ويتجه مباشرة للبار.

ولكن مجدى عبدالملك صاحب الكافيه نصحنى بالابتعاد عنه لأنه لا يحب الصحفيين ولا يريدهم أن يقتربوا منه، وعلمت من عم «فلفل «الذى كان يُخدم عليه ويعرف طلباته قبل أن يطلبها أنه يعشق الشوربة الأباظية التى يتميز بها الكافيه والمكرونة النجرسكو بشرائح الدجاج والسلطة اليونانى والستيك المشوى، وبعد رحيله أضاف صاحب كافيه ريش صورته بجوار صور رواد الكافيه الراحلين الذين تتزين بهم جدران الكافيه، لم يحالفنى الحظ فى الاقتراب منه لأتعرف عليه، لكنى عرفت شقيقه الممثل فكرى أباظة الذى تعاقد معى على شراء مسرحية «حارة الفيل «التى أنتجها وقام ببطولتها صلاح ذو الفقار وحياة قنديل ومحمد رضا وعلى الشريف وأخرجها كمال حسين، ومن خلال صداقتى لفكرى عرفت كل شىء عن شقيقه رشدى موضحاً له أننى خشيت أن اقترب منه لأنهم فى كافيه ريش أخافونى منه، فضحك قائلاً: «خدعوك من رسخوا فى ذهنك أنه مخيف ولا يحب الصحفيين، رشدى الله يرحمه كان إنساناً بكل معنى الكلمة وابن بلد شهم «، وروى لى فكرى أباظة مواقف كثيرة تثبت أن شقيقه كان رجلاً بكل معنى الكلمة، محب للبسطاء، يتعامل ببساطة مع أصغر عامل فى مكان التصوير، وكان يخصص ربع أجره من أجل عمال الإضاءة والإكسسوار فى كل فيلم يمثله فكانوا يشعرون بالسعادة عندما يعرفون أنهم سيعملون فى فيلم من بطولته لأنه سخى وكريم، وذات مرة علم بوفاة أحد عمال الإضاءة فذهب ليشارك فى جنازته التى تكفل بكل مصاريفها، وأخذ يراعى أسرته، وقال لى فكرى: إنه كان يغضب ويثور مع من يكذب عليه أو يبلغه بمعلومة غير صحيحة وكان لا يحب النميمة والطعن من الخلف. 

وُلد رشدى أباظة بالقاهرة فى الثانى من أغسطس عام 1927، من أب مصرى هو اللواء شرطة سعيد أباظة ومن أم إيطالية، وأمضى طفولته وصباه متنقلاً بين قرية كفر أباظة بالزقازيق، وبين حى شبرا بالقاهرة، فشب متحلياً بأخلاق أقرانه من أبناء الريف وأهل البلد المشهورين بالشهامة والجدعنة، لعب الكرة الشراب والمصارعة والملاكمة، وكثيراً ما كانت تنتهى المباريات بالمشاجرات التى يصول فيها بالبطش باللاعبين، وقيل إنه منذ طفولته كان شيطاناً صغيراً، يعشق مغازلة الفتيات للإيقاع بهن فى غرامه، ووصل به الأمر إلى إيقاع فتاتين فى حبه فى وقتٍ واحد، الأولى كانت ريفية ساذجة والثانية بنت بلد عصرية.

وكان كلما تشاجر مع أبناء الجيران، يلفت النظر بقوة عضلاته، فيكيل اللكمات فى وجه خصمه لينتزع إعجاب الفتيات، وكانت فتيات كفر أباظة وحى شبرا يرون فيه صورة الأمير الصغير الجذاب رشيق القوام المفتول العضلات، الأنيق فى هندامه، ولم يكن رشدى فتى كفر أباظة وحى شبرا فقط بل كان الفتى الأول المثير واللافت لانتباه زميلاته قبل زملائه أثناء فترة الدراسة بمدرستى «سان مارك» بالإسكندرية، ومدرسة «الفرير» بالقاهرة، ومارس فيهما لعبة الجمباز والسباحة والملاكمة والمصارعة وحمل الأثقال، وكان كابتن فريق كرة القدم، وأحرزالمركز الثالث فى بطولة مصر لكمال الأجسام عام 1953، والتحق بكلية الطيران بعد حصوله على التوجيهية لكنه لم يحتمل حياة العسكرية، فانتقل إلى كلية التجارة التى لم يستمر بها، كان والده اللواء شرطة يرى أنه شاب مشاغب كثير المشاكل ولا يُرجى منه أمل فى إكمال دراسته، وكان يُرجع ذلك إلى والدته الإيطالية التى لا تُحسن تربيته وتترك له الحبل على الغارب، ومع ذلك كان رشدى يتقن الإيطالية التى تعلمها من والدته والإنجليزية والفرنسية والألمانية والإسبانية، وكان يرى أن مستقبله الحقيقى سيكون فى مجال البطولات الرياضية التى تتيح له التعرف على الحسناوات فى الأندية، فالمرأة كانت كل همه وشغله الشاغل، ومن أجلها خاض الكثير من المغامرات التى كادت أن تودى بحياته أكثر من مرة عندما دفعه حب المغامرة وطيش الشباب لمحاولة اقتناص ثلاث نساء من عشيقات الملك فاروق دون أن يهتز له جفن ودون أن يعبأ بما قد يتعرض له من مشاكل! 
لم يكن رشدى أباظة قد تجاوز العشرين من عمره عندما كان يلعب البلياردو فى أحد الصالات بجوار سينما ريفولى.

وشاءت المصادفة أن يتواجد فى المكان المخرج كمال بركات الذى بدأ فى تفحص هذا الفتى الوجيه الذى يتمتع بشعر أسود لامع يتهدل على جبهته وهو ينحنى على منضدة البلياردو، كان رشدى فى حالة توجس من تلك النظرات، فأعد نفسه للدخول فى مشاجرة مع ذلك الرجل الذى لم يرفع عينه من عليه، فتقدم منه متسائلاً: «فيه حاجه يا أستاذ؟» فبادره المخرج قائلاً: «تحب تشتغل فى السينما؟» فضحك رشدى ضحكته الشهيرة ساخراً من نفسه لأنه كان سيقدم على حماقة، وانتهى الموقف بدخول رشدى لعالم السينما الذى لم يكن يفكر فيه ولم يخطط له ولم يسعِ إليه، بل سعت السينما إليه عندما وقع عقداً بتمثيل فيلم» المليونيرة الصغيرة «عام 1948 أمام فاتن حمامة ولولا صدقى التى ارتبط بها فى أول علاقة عاطفية بالوسط الفنى، وولدت نجوميته بميلاد فيلم «المليونيرة الصغيرة».
وغداً نستكمل حكاية دونجوان الزمن الجميل بإذن الله.