فاطمة عبدالوهاب
أتاح العصر الرقمى الذى نعيشه اليوم العديد من الفرص الاستثمارية والتحويلات المالية عبر الإنترنت، ولكن مع هذه الفرص ظهرت أيضًا آفة شركات النصب وتشغيل الأموال الإلكترونية التى تستغل ثقة الأفراد وتلعب على أوتار الطمع والرغبة فى الربح بلا مجهود لديهم لإقناعهم بتحويل أموالهم بشكل غير قانونى بعد إيهامهم بمكاسب زائفة ونسب أرباح مبالغ فيها لتكون هذه الإجراءات هى بوابة سقوط راغبى الكسب السريع فى براثن شبكات نصب كبرى تتخفى فى رداء شركات التسويق الإلكترونى أو تتلون فيما يشبه الصناديق الاستثمارية.
ورغم اتباع هذه الشركات للقصة الكلاسيكية فى عمليات النصب وتوظيف الأموال والتى شاهد المجتمع المصرى فصول سقوط أباطرتها مرارًا وتكرارًا وبأشكال مختلفة إلا أنه وحتى هذه اللحظه مازال هناك العديد من الضحايا التى تنساق وراء هذه الأساليب بسبب قدرة أصحابها المستمرة على تقديم أنفسهم بطرق مختلفة أكثر ذكاء وتطوراً فى كل مرة مستغلين التكنولوجيا والتقنيات الحديثة التى ما تزال مبهمة لقطاع ليس ببسيط بين المواطنين.
ورغم أن التأثير قد يبدو مقتصرًا على الضحية فى هذه العمليات إلا أن التجارب العالمية أثبتت أن شركات النصب وتشغيل الأموال الإلكترونية تعد من أكبر التحديات التى تواجه الاقتصاد العالمى فى العصر الرقمى حيث جاء وفقاً لمجلة crypto crime magazine المتخصصة فى مجال الجرائم الإلكترونية أنه وحسب الإحصاءات التى قدمتها أن الخسائر المتوقعة عالمياً قد تتخطى حاجز العشرة تريليونات دولار من جراء الجرائم الإلكترونية وبنسبة زيادة تصل إلى ١٥٪ عن العام الماضى.
اقرأ أيضًا | رئيس جامعة القاهرة يشارك في حفل الإفطار الجماعي لأسرة طلاب من أجل مصر
نصب أم توظيف أموال
يقول الدكتور بهاء أبو شقة أستاذ القانون الجنائى ورئيس اللجنة التشريعية بمجلس النواب سابقاً ووكيل أول مجلس الشيوخ المصرى إن هذه النوعية من الجرائم تندرج تحت وصف جرائم النصب والاحتيال مع اختلاف الوسيلة حيث جاء تعريف النصب وفقاً للمادة 336 من قانون العقوبات أنه يتضمن استخدام طرق احتيالية بقصد سلب ثروة الغير أو إيهام الناس بمشروع كاذب أو واقعة مزورة وإحداث الأمل بحصول ربح وهمى على أن يعاقب مرتكبها بالحبس مدة قد تصل إلى ثلاث سنوات وقد تصبح العقوبة مشددة إذا كان الفاعل محترف الاحتيال أو أنه ارتكب الجريمه فى حق عدد كبير من المجنى عليهم.
ويوضح أبو شقة أنه يجب الإجابة عن سؤال هل نحن أمام جريمة نصب أم جناية توظيف أموال، حيث إنه فى بعض الأحيان تجمع هذه العمليات بين الجريمتين، حيث إنه وفقاً للماده 21 من القانون رقم 146 لسنة 1988 فإن المادة الأولى من هذا القانون قد حظرت على الشركات غير المقيدة فى السجل المعد لذلك بهيئة سوق المال أن تتلقى أموالًا من الجمهور بأى عملة وبأى وسيلة وتحت أى مسمى لتوظيفها، ونصت على أنه كل من تلقى أموالًا على خلاف أحكام هذا القانون أو امتنع عن رد المبالغ المستحقة لأصحابها بأنه يعاقب بالسجن وبغرامة لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على مثلى ما تلقاه من الأموال ويحكم على الجانبى رد الأموال المستحقة لأصحابها، حيث إن العقوبة الجنائية لا تغنى عن رد الأموال. ويشير أبو شقه إلى أن القانون المصرى يعاقب من يرتكب هذه الجريمة على أرض مصر سواء كان مصرياً أو كان يحمل أى جنسية أخرى وفقاً لقاعدة إقليمية قانون العقوبات، أما فى حالة ارتكاب هذه الجريمة بالخارج فإنه يعاقب مرتكبها فى حالة عودته إلى مصر بشرطين أن تكون هذه الجريمة معاقبًا عليها فى قانون البلد التى وقعت فيه وألا يكون قد سبق معاقبته عليها فى ذلك البلد.

تسليم المجرمين
ويضيف دكتور أحمد أبو الوفا أستاذ القانون الدولى بجامعة القاهرة أن أغلب هذه الشركات تدار بواسطة أفراد من خارج البلاد التى يتم فيها إيقاع الضحايا إلا أنه وفقاً للقانون الدولى ينبغى أن لا تسمح أى دولة باستخدام إقليمها وسيلة للإضرار برعايا دولة أخرى، كما أنه وفى حالة ثبوت اشتراك المتواجدين بالخارج فى هذه الجريمة فمن حق الدولة التى تضرر رعاياها واقتصادها جراء ذلك أن تطالب بتسليمهم إليها وفقاً للقرارات الصادرة من النيابة العامة أو بمستندات صدور أحكام ضدهم من المحاكم المصرية.
ويستكمل أبو الوفا أنه سواء كان مرتكبو هذه الجريمة يحملون الجنسية المصرية أو غيرها فإن هذا لا يحدث تأثيرًا خاصة فى تلك الجرائم التى تضر بأمن الدولة الاقتصادى وهذا يستلزم أن تكون الدولة قامت بالتوقيع على اتفاقية تسليم المجرمين مع مصر.
نصوص خاصة
ويشارك بالرأى الدكتور أحمد مهران أستاذ القانون، مؤكدًا على أن قانون جرائم الإنترنت يُجرّم هذه النوعية باعتبارها جريمة نصب وفقاً للمادة 23 مكرر أ من قانون الاتصالات والتى تنص على أنه يعاقب بالسجن مدة لا تزيد على خمس سنوات كل من ارتكب جريمة النصب إذا وقعت باستخدام وسائل التكنولوجيا والاتصال عبر شبكة الإنترنت، كما نصت المادة 23 مكرر ب على أن تكون العقوبة السجن إذا وجهت الطرق الاحتيالية إلى الجمهور دون تمييز وترتب عليها استيلاء الجانى على مبالغ مالية كبيرة، ويضيف دكتور مهران أنه بالرغم من وجود نصوص للمعاقبة على جريمة النصب فى قانون العقوبات إلا أن وجود نص خاص فى قانون الاتصالات الذى سبق ذكره فإنها فى هذه الحالة نقوم بتطبيق النص الخاص، حيث إن الخاص يقيد العام.
وأضاف مهران أن المادة 22 الخاصة بالاحتيال الإلكترونى عبر الإنترنت من قانون مكافحة جرائم المعلومات تنص على أن كل من أنشأ أو استخدم موقعاً إلكترونياً بقصد الاحتيال على المستخدمين أو خداعهم بهدف الحصول على أموال أو بيانات شخصية يعاقب بالسجن لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات وبغرامة مالية لا تقل عن 100 ألف جنيه ولا تزيد على 500 ألف جنيه كما تجرم المادة 24 من ذات القانون استخدام التكنولوجيا لتنفيذ عمليات النصب وتعاقب فاعله بالسجن لمدة تتراوح بين ثلاثة إلى خمس سنوات.
نشر الوعى
ويشاركهم بالرأى دكتور فتحى قناوى أستاذ كشف الجريمة بالمركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية مشدداً على ضرورة مواجهة هذا النوع من الجرائم التى تفشت فى الفترة الأخيرة بشكل كبير وأن الأمر يستلزم تكاتف جميع مؤسسات الدولة الأمنية والعلمية والبحثية من أجل تجفيف منابع هذا الخطر من خلال اتباع ما لجأت إليه العديد من دول العالم مثل استراليا وكندا فى منع مثل هذه المنصات التى تستخدم أساليب الاحتيال الهرمى القائم على أن يجذب الضحية لضحايا آخرين للانضمام بالشبكة الوهمية ليكون شريكا معهم دون أن يدرى بذلك ضمير المستخدمين.
ويستطرد قناوى أن المثير للدهشة فى الأمر أن المجنى عليه لا يتساءل عن مصدر الأرباح التى يحصل عليها ولا عن الجهة التى تقوم بتشغيل أمواله ولا حتى فى أى مجال تم تشغيلها دون النظر إذا كان المصدر مشروعاً أم لا.. وهذا أمر من المفترض أن يرفضه الضمير الواعى للمستخدم كما ينبغى على المواطن ألا يتعامل إلا مع أوعية الاستثمار المعروفة مثل البنوك المشروعات التجارية الاستثمار الفردى فى الذهب، العقارات، شهادات الاستثمار، صندوق الذهب، مشروعات التنمية فى البلاد وغيرها إلا انه للأسف يلهث وراء فكرة الحصول على أرباح دون جهد سريعة ومرتفعة لدرجة قد تصل أحيانا إلى 30% من قيمة الأموال التى يستثمرها فى فترة قصيرة جدا وهو ما يجعل الأمر واضحا وضوح الشمس أن هناك شيئا غير طبيعى يحدث ،حيث إن النسبة المعقولة والمتعارف عليها للربح سواء فى الاستثمار أو تشغيل الأموال أو فى البورصة على سبيل المثال قد تتراوح بين 7 إلى 12% سنوياً كحد أقصى.
تفعيل الرقابة
ألا نغفل الدور الفردى للمواطنين فعلى كل من يتعرض لمثل هذه الاغراءات أو الرسائل عبر الهواتف أو على حسابات الانترنت أن يقوم بإبلاغ الجهات المختصة.
كما أننا نحتاج إلى أن نقتدى بتجربة العديد من الدول العالمية فى حماية مواطنيها من مثل هذه الظواهر مثل الصين على سبيل المثال التى قامت بإنشاء برامج تواصل اجتماعى ومنصات خاصة بها تحت رعاية الجهات المسئولة بالدولة لتتم الاستثمارات فيها تحت رقابة البنك المركزى والجهات الرقابية المسئولة.
الابتكار فى الجريمة
ومن ناحية التقنية يقول دكتور إسلام غانم استشارى تكنولوجيا المعلومات إن السبب وراء صعوبة السيطرة على هذه النوعية من الجرائم هو كونها فى تطور دائم وتغيير مستمر لطريقة العرض والفكرة المستخدمة لإقناع الضحية فتارة بدعوى التسويق الإلكترونى وتارة بمهام زيادة عدد المشاهدات لبعض الفيديوهات والاعلانات وتارة اخرى باستخدام اسماء لأوعية استثمارية دولية كبرى بدعوى انها وكيلة لهم فى الشرق الأوسط وغير ذلك، لذلك ينبغى على المواطن ألا يتعامل مع أى منصات خارج المنصات المعترف بها وهى الاندرويد و IOS وعدم الموافقة على ما يسمى بتأجير المحفظة التى انتشرت فى الفترة الأخيرة كوسيلة لتيسير هذه الجرائم من خلال إعلانات عن عروض تأجير المحفظة من أصحابها مقابل مبالغ شهرية ونسبة من الأرباح وهو الأمر الذى يعد اغراء لصاحب المحفظة مع العلم أن تأجير المحفظة يعد غير قانونى لأنها ملكية شخصية وليست للبيع كما أن المستأجر يلجأ لذلك حتى يصعب الإمساك به عندما يفر بالأموال المحولة إليه من الضحايا عبر المحفظة ليجد الشخص صاحب المحفظة الأصلى نفسه أمام التورط فى الجريمة دون علمه.
جرس إنذار
ويضيف غانم أن هناك عدة نقاط بمثابة جرس انذار للمقبلين على التعامل مع مثل هذه الاستثمارات أولها أن هذه الشركات دائما هى التى تصل الى الضحية وليس العكس وتعرض خدماتها أما الشركات الاستثمارية الجادة ستجد انها تذكر المزايا والصعوبات وتحذر من المخاطرات.
ثانياً: العروض المبالغ فيها والتى يمكنك كشفها بمقارنتها بالأرقام المقنعة فى سوق المال والتى غالباً لا تتعدى العشرة بالمئة سنوياً.
ثالثاً: يجد الضحية دائما نفسه أمام فكرة الدفع المستمر يبدأ بمبلغ بسيط ثم يتم الضغط عليه للدفع باستمرار بحجج كثيرة منها زيادة نسبة الربح الارتقاء لمستوى أعلى وغير ذلك من أساليب التلاعب بمشاعر عديدة مثل الخوف والطمع مع العلم أن هناك سيناريوهات أو يقوم المشاركون فى هذه العمليات بالتدرب عليها حتى يتمكنوا من التلاعب على مشاعر الضحية بمهارة وأخيرا إذا وصل المستخدم لمرحلة ادعاء القائمين على هذه الأعمال بأنهم تعرضوا للقرصنة الإلكترونية وضياع الأموال وقاموا بمطالبته بالمزيد من الأموال لاسترداد أمواله المودعة سابقا، فتأكد انك حتما سقطت ضحية لشبكة نصب كبيرة لأن استرداد المنصات من القرصنة وغيرها لا يتم بهذه الأساليب.
احتياطات لازمة
ويؤكد أن هناك عدة احتياطات ينبغى على مستخدم الانترنت أن يلتزم بها أولها الحفاظ على البيانات الشخصية وأرقام البطاقة الائتمانية، استخدام برامج الأمان مثل برامج الحفاظ على البيانات، التحقق من ماهية الشركة قبل أى تعاملات مالية معها، استخدام طرق الدفع الآمنة مثل بطاقات الائتمان، الاحتفاظ بسجلات المعاملات وأخيرا تقديم شكوى للهيئة الوطنية لتنظيم الاتصالات فى حال الشكوك فى أى نشاط مشبوه.
«الصحة» تعلن استفادة 18 مليون مواطن من مبادرة الكشف المبكر عن الأورام السرطانية
انتهاء مناسك الحج رسميًا اليوم
بتكلفة تخطت ٢ مليار جنيه| «المجمع الحكومى الذكى» نقلة حضارية بالوادى الجديد







