ليست كل المشروعات تُقاس بحجم الخرسانة أو بعدد التوربينات؛ فهناك مشروعات تتحول مع الوقت إلى رسائل سياسية، وجسور تمتد بين الشعوب، تبدأ بكلمة فى قاعة اجتماعات، ثم تتحول إلى قرار، ثم إلى مشروع يغيّر حياة الملايين.
ومن داخل القصر الرئاسى فى دار السلام، حيث تابعت المباحثات بين الرئيس عبدالفتاح السيسى والرئيسة التنزانية الدكتورة سامية صلوحو حسن، ثم المؤتمر الصحفى المشترك، بدا واضحًا أن ما يُناقش لم يكن مجرد ملفات تعاون تقليدية، بل رؤية تستهدف تحويل العلاقات المصرية - التنزانية إلى شراكة تنموية أوسع، تُترجم إلى مشروعات واستثمارات على الأرض..
ولم يقتصر الأمر على الرسائل السياسية؛ ففى ختام منتدى رجال الأعمال المصرى التنزانى، وجّه الرئيس السيسى بمتابعة تنفيذ ما تم الاتفاق عليه، وتحويل نتائج المنتدى إلى استثماراتٍ فعلية وشراكات تنموية حقيقية، فى رسالة أكدت أن القاهرة لا تكتفى بتوقيع الاتفاقات، بل تضع آليات واضحة لضمان تنفيذها.
وفى إفريقيا، اختارت مصر أن تكتب حضورها بلغة البناء لا بلغة الشعارات، وأن تجعل من التنمية عنوانًا رئيسيًا لعلاقاتها مع الأشقاء، انطلاقًا من إيمانها بأن استقرار القارة يبدأ من دعم دولها، واحترام سيادتها وحقوقها وخصوصية كل دولة، ومساندة حق شعوبها فى بناء مستقبلها وفق أولوياتها.
ومن هنا، لم يكن مشروع «جوليوس نيريري» مجرد سد ومحطة لتوليد الكهرباء، بل كان فصلًا جديدًا فى حكاية مصر داخل إفريقيا، يؤكد أن القاهرة، وهى تحرص على دورها الريادى فى القارة السمراء، تقدم نفسها شريكًا فى التنمية ينقل الخبرة ويشارك فى البناء ويضع إمكاناته فى خدمة الأشقاء.
وأنا أكتب هذه السطور من تنزانيا، يبدو «جوليوس نيريري» أكبر من مجرد مشروع هندسي؛ إنه حكاية مصرية لها فصول بدأت بالثقة، ثم تحولت إلى خرسانة وحديد، واختبرتها الغابات والفيضانات، وانتهت برسالة تؤكد أن التنمية هى اللغة التى تختارها مصر فى إفريقيا.
أخبار اليوم تروى فصولًا من التحدى والصمود والإرادة على ضفاف نهر «روفيجى»
1 الفصل الأول.. حكاية بدأت بالثقة
فى ديسمبر 2018 أسندت الحكومة التنزانية تنفيذ المشروع إلى التحالف المصرى المكون من شركتى «المقاولون العرب» و«السويدى إليكتريك» بتكلفة تقارب 2.9 مليار دولار، لإقامة واحد من أكبر مشروعات الطاقة الكهرومائية فى إفريقيا على نهر روفيجى بمنطقة ستيجلرز جورج.
2 الفصل الثانى.. حكاية بُنيت بالأرقام
نُفذ المشروع خلال 42 شهرًا، وشمل سدًا رئيسيًا بطول 1025 مترًا وارتفاع يقارب 130 مترًا، وأربعة سدود فرعية، وبحيرة تخزين سعتها نحو 33 مليار متر مكعب.
وتضم المحطة 9 توربينات «فرانسيس» بقدرة 235 ميجاوات للوحدة، بإجمالى 2115 ميجاوات، إضافة إلى محطة ربط بجهد 400 كيلوفولت وخطوط نقل الكهرباء. وتكشف الأرقام حجم الملحمة: 4 ملايين متر مكعب حفر، 7.5 مليون متر مكعب ردم، 2.6 مليون متر مكعب خرسانة، و64 ألف طن حديد تسليح، فضلًا عن 21 كم طرقاً دائمة، و59 كم طرقاً داخلية، ونفق تحويل للنهر بطول 660 مترًا، ومجمع سكنى وإدارى متكامل.
3 الفصل الثالث.. حكاية اختبرتها الغابة والنهر
واجه المشروع تحدياتٍ استثنائية؛ من الغابات الكثيفة، وتحويل مجرى نهر روفيجى، والفيضانات، وجائحة كورونا، وصعوبة نقل المعدات العملاقة، إلى الاعتبارات البيئية المرتبطة بمحمية سيلوس. لكن التحالف المصرى نجح فى تجاوزها حتى دخلت التوربينات التسعة الخدمة الكاملة.
4 الفصل الرابع.. حكاية تتجاوز الخرسانة والحديد
لم تبنِ مصر سدًا فقط، بل أسست لشراكة تنموية. فالمشروع يدعم احتياجات تنزانيا من الكهرباء، وينظم الموارد المائية، ويحد من الفيضانات، وينقل الخبرة المصرية، ويفتح أسواقًا جديدة للشركات الوطنية، ويعزز مفهوم التعاون الإفريقى القائم على الاحترام المُتبادل والمصالح المشتركة.
5 الفصل الأخير.. حكاية لا تنتهي
وأنا أكتب من تنزانيا، أرى أن «جوليوس نيريرى» ليس مجرد مشروع هندسى، بل يعتبر شاهدًا على مرحلة جديدة من الحضور المصرى فى إفريقيا.
لقد أدركت مصر أن الريادة الحقيقية لا تُفرض، وإنما تُكتسب بما تقدمه من دعم وتنمية وخبرة. ومن أسوان إلى روفيجى، لم تنتقل الخرسانة والحديد فقط، بل انتقلت مدرسة كاملة فى البناء، تؤمن بأن التنمية هى الطريق إلى الاستقرار، وأن احترام خصوصية كل دولة هو أساس أى شراكة ناجحة.
ولهذا ستظل حكاية «جوليوس نيريرى» تُروى للأجيال، لأنها تحكى قصة دولة اختارت أن تجعل من التنمية لغتها فى إفريقيا، ومن البناء عنوانًا لدورها القيادى فى القارة السمراء.
«جوليوس نيريرى» فى أرقام
المالك والمشغل:
TANESCO
جهة الإسناد:
وزارة الطاقة التنزانية
التنفيذ:
المقاولون العرب والسويدى إليكتريك
الموقع:
ستيجلرز جورج موروجورو – نهر روفيجى
مدة التنفيذ:
42 شهرًا
التكلفة:
2.9 مليار دولار
السد الرئيسي:
1025 م طولًا
130 م ارتفاعًا
السدود الفرعية:
4 سدود
سعة البحيرة:
33 مليار م³
القدرة الإنتاجية:
2115 ميجاوات
التوربينات:
9 × 235 ميجاوات
محطة ربط:
400 كيلوفولت
الحفر:
4 ملايين م³

وزير الخارجية يلتقى بكبار رجال الأعمال الفلبينيين
وزير النقل يتفقد الخط الأول للقطار السريع
«الداخلية» تكشف ملابسات سرقة سيارة كانت مملوكة للرئيس الراحل عبد الناصر






