حكاية أثر| «عبادة ميثرا في مصر» الإله القادم من الشرق

ميثرا الإله القادم من الشرق
ميثرا الإله القادم من الشرق


ميثرا، الإله القادم من الشرق، كان رمزًا للنور والانتصار على الظلام في الديانة الزرادشتية، لكنه سرعان ما تجاوز حدوده الأصلية ليصبح أحد الآلهة المعبودة في الإمبراطورية الرومانية، لا سيما بين الجنود.

انتشرت معابده، المعروفة باسم "الميثريومات"، في أماكن عديدة، بما في ذلك مصر، حيث تم العثور على بقاياه في منف والأشمونين والإسكندرية. 

تميزت عبادة ميثرا بطقوس سرية اقتصرت على الرجال، حيث جسدت رمزية الانتصار على الشر من خلال تصويره وهو يذبح ثورًا، بمساعدة كلب وثعبان وغراب وعقرب، وتحت إشراف الشمس والقمر، ومع انتشار المسيحية، بدأ نفوذ عبادة ميثرا في التراجع، حتى تم تحويل معابده إلى كنائس بحلول القرن الرابع الميلادي.

** ميثرا: إله النور والحرب في الديانة الزرادشتية

ميثرا هو إله فارسي الأصل، نشأ في الديانة الزرادشتية كإله للنور والعقود والعدالة، لكنه مع الوقت اكتسب دورًا أكثر ارتباطًا بالحرب والانتصار، وفقًا للمعتقدات الزرادشتية، كان ميثرا محاربًا ضد قوى الظلام، وهو ما جعله شخصية جذابة للجنود الرومان، الذين تبنوا عبادته ونشروها في أنحاء الإمبراطورية.

** انتشار عبادة ميثرا في الإمبراطورية الرومانية

وصلت عبادة ميثرا إلى روما في القرن الأول الميلادي، على الأرجح عبر الجنود والتجار الذين احتكوا بالثقافات الشرقية، وقد ازدهرت هذه العبادة خلال القرنين الثاني والثالث الميلاديين، خاصة في المعسكرات العسكرية، حيث كان الجنود يؤدون طقوسًا سرية تهدف إلى التقرب من الإله واكتساب قوته الروحية، كانت الطقوس تتضمن درجات مختلفة من الانتماء، حيث يحمل العباد أدوارًا رمزية مثل "الغراب" و"الأسد" و"الجندي"، تمهيدًا للوصول إلى مراحل أعلى من الارتقاء الروحي.

** الميثريومات: معابد تحت الأرض

اقرأ أيضا | أصل الحكاية| «مصر تلتقي باليونان» عبادة ميثرا في أرض الفراعنة

تم بناء معابد ميثرا، أو "الميثريومات"، على هيئة كهوف أو غرف تحت الأرض لتعكس الطبيعة الغامضة والسرية للعبادة، في وسط كل معبد، كان يُنصب مشهد ذبح الثور، وهو الطقس المركزي للديانة الميثرية، حيث يظهر ميثرا وهو يضحي بثور أبيض، يرمز إلى قوى الظلام، بمساعدة كلب وثعبان وغراب وعقرب، كانت هذه الطقوس تمثل انتصار النور على الشر، وهو مبدأ أساسي في العقيدة الميثرية.

** وجود معابد ميثرا في مصر

رغم أن مصر كانت معقلًا لعباداتها الخاصة مثل الديانات الفرعونية واليونانية والرومانية، إلا أن ميثرا وجد طريقه إلى البلاد، خاصة مع قدوم الجنود الرومان الذين جلبوا معهم معتقداتهم، تم اكتشاف بقايا معابد ميثرا في أماكن مثل:

* منف: حيث عُثر على نحت بارز يصور ميثرا وهو يذبح الثور، والذي يُعرض حاليًا في قاعة 34 بالمتحف المصري بالقاهرة.

* الأشمونين: وهي منطقة غنية بالآثار الدينية، حيث تداخلت العبادات المصرية مع التأثيرات الرومانية.

* الإسكندرية: كانت واحدة من المراكز المهمة لعبادة ميثرا في مصر، لكن المعبد هناك هُجر بعد انتشار المسيحية، وحوّله الإمبراطور قسطنطيوس الثاني إلى كنيسة عام 361م.

** طقوس عبادة ميثرا

اقرأ أيضا | ديانة الدولة الساسانية في عهد أردشير

كانت الطقوس الميثرية غامضة وسرية، ولا يُسمح إلا للرجال بالمشاركة فيها، خصوصًا الجنود والتجار والمسؤولين الحكوميين. 

تضمنت الطقوس:

* مراسم القبول: حيث يمر المنتسب الجديد بتجارب رمزية لاختبار ولائه وقوته.

* درجات الانتماء: تتألف من سبع مراحل، تبدأ من "الغراب" وتصل إلى "الأب"، وهي أعلى درجات الكهنوت.

* طقوس تناول الطعام: حيث يجتمع العباد حول مائدة تشبه العشاء الجماعي، مستوحاة من أسطورة ميثرا.

** زوال عبادة ميثرا مع انتشار المسيحية

بحلول القرن الرابع الميلادي، ومع تبني الإمبراطورية الرومانية للمسيحية كدين رسمي، بدأ نفوذ الديانات الوثنية في التلاشي. أصدر الإمبراطور قسطنطين مرسومًا يسمح للمسيحيين بالعبادة بحرية، مما أدى إلى هجر المعابد الوثنية، بما في ذلك الميثريومات. 

في الإسكندرية، تم تحويل معبد ميثرا إلى كنيسة عام 361م، وهو ما يعكس التحولات الدينية الكبرى التي شهدتها الإمبراطورية في ذلك الوقت.

رغم اندثار عبادة ميثرا، إلا أن تأثيرها لا يزال واضحًا في بعض الرموز الدينية والثقافية. فقد احتفظت العديد من المواقع الأثرية بآثار هذه الديانة، ومنها النحت البارز لميثرا في المتحف المصري. 

تعكس هذه الآثار حقبة زمنية كانت فيها العبادات الشرقية تتداخل مع التقاليد الرومانية، مما يجعل دراسة ميثرا وعقيدته مفتاحًا لفهم التحولات الدينية في العصور القديمة.

اقرأ أيضا | أصل الحكاية| «مصر تلتقي باليونان» عبادة ميثرا في أرض الفراعنة