شهدت مصر عبر تاريخها الطويل لقاءات ثقافية ودينية متعددة مع الحضارات المجاورة، وكان للحضارة اليونانية والرومانية تأثير واضح في البلاد بعد دخول الإسكندر الأكبر، ثم مع الحكم البطلمي والروماني.
من بين المعتقدات التي وجدت لها صدى في مصر كانت عبادة ميثرا، الإله الشرقي المرتبط بالديانة الزرادشتية، والذي انتشرت عبادته بشكل خاص بين جنود الإمبراطورية الرومانية، ورغم أن هذه العبادة لم تكن من العبادات السائدة في مصر، إلا أن آثارها وجدت في أماكن عدة، من بينها منف والأشمونين والإسكندرية.
في هذا التقرير، سنسلط الضوء على عبادة ميثرا في مصر، طبيعة طقوسه، وأثر هذه العبادة في المجتمع الروماني، بالإضافة إلى المعابد المكتشفة في مصر، ونهاية هذه الطائفة مع انتشار المسيحية.
** ميثرا: الإله المحارب في العقائد الشرقية والرومانية
اقرأ أيضا | المتحف المصري.. بوابة الحضارة المصرية وإقبال متزايد على الزيارة
ميثرا هو إله ذو أصول شرقية، نشأ في إيران القديمة كأحد الألوهية في الديانة الزرادشتية، حيث كان يُنظر إليه على أنه رمز للعدالة والنور. ومع توسع الإمبراطورية الفارسية، انتشرت عبادته حتى وصلت إلى الأراضي الرومانية، حيث تطورت العقيدة وأخذت شكلاً خاصًا بها تحت اسم الميثرائية، والتي أصبحت ديانة شديدة الارتباط بالجنود الرومان.
امتازت الميثرائية بطقوس سرية اقتصرت على الرجال، حيث كان على العباد المرور بمراحل متعددة من التدرج الروحي، مع وجود طقوس تضحية ورموز تعكس الصراع بين الخير والشر. وأهم هذه الطقوس وأكثرها شهرة كان مشهد ميثرا وهو يذبح ثورًا، وهو رمز يعبر عن انتصار النور على الظلام.
** الميثرائية في مصر: معابدها وانتشارها
رغم أن الميثرائية لم تكن من الديانات الشائعة بين المصريين، إلا أن وجود جالية رومانية كبيرة في مصر، خاصة الجنود، ساهم في انتشارها. وُجدت معابد ميثرا في منف والأشمونين، وتم العثور على بقاياها في مواقع متعددة، ما يشير إلى ممارسة هذه الطقوس على نطاق محدود داخل المجتمعات العسكرية الرومانية في مصر.
** أبرز المواقع التي عُثر فيها على آثار ميثرا في مصر:
1- منف: كانت العاصمة المصرية القديمة تحت الحكم الروماني تضم مجتمعات متنوعة، بما في ذلك الجنود والتجار الذين جلبوا معهم معتقداتهم الدينية، ومن ضمنها عبادة ميثرا.
2- الأشمونين: عُثر على أدلة أثرية في هذه المنطقة تشير إلى وجود مجتمع ميثرائي مارس طقوسه في سرية تامة.
3- الإسكندرية: أكبر المدن الهلنستية في مصر، وكانت مركزًا لتلاقح الثقافات، حيث تم اكتشاف معبد لميثرا في المدينة، لكنه هُجر لاحقًا بعد انتشار المسيحية، وحوّله الإمبراطور قسطنطيوس الثاني إلى كنيسة في عام 361 م.
اقرأ أيضا | حكاية متحف | «المتحف اليوناني الروماني» بوابة للتواصل الثقافي ودعم ذوي
** طقوس عبادة ميثرا: الأسرار والغموض
كانت معابد ميثرا غالبًا عبارة عن كهوف تحت الأرض، تعكس طبيعة الطقوس السرية لهذه العبادة، وفي داخل هذه المعابد، كان الكهنة والعباد يؤدون طقوسًا محددة، أهمها مشهد التضحية بالثور، حيث كان ميثرا يظهر ممسكًا بالثور، بينما يساعده كلب وثعبان وغراب وعقرب.
وكانت عبادة ميثرا تعتمد على التدرج في المراتب الروحية، حيث كان لكل عضو دور معين داخل الطائفة، ومن بين الألقاب المستخدمة في الطقوس:
- الغراب (يمثل المعرفة الأولى بالمعتقد)
- الأسد (يرمز إلى القوة)
- الجندي (يعكس الجانب العسكري للديانة)
لم تكن هناك مشاركة للنساء في هذه الطقوس، فقد اقتصرت الميثرائية على الرجال فقط، خاصة الجنود الرومان، ما جعلها إحدى الديانات السرية القليلة في العالم القديم.
** ميثرا والفنون الرومانية في مصر
اقرأ أيضا | «الملكة نفرت».. رمز الجمال والحنان في الدولة الوسطى
من الشواهد الأثرية البارزة على انتشار الميثرائية في مصر تمثال بارز يعرض في المتحف المصري بالقاهرة، بقاعة 34 الأرضية، يعود التمثال إلى العصر الروماني في القرن الثاني الميلادي، وهو مصنوع من الحجر الجيري، وعُثر عليه في منف.
يمثل النحت مشهد ميثرا وهو يذبح الثور، وهو المشهد الطقسي الأكثر ارتباطًا بهذه العبادة، حيث تحيط به رموز تشير إلى الشمس والقمر والقوى الكونية المتصارعة.
** نهاية عبادة ميثرا في مصر
مع انتشار المسيحية في الإمبراطورية الرومانية، بدأت الديانات الوثنية تتراجع تدريجيًا، وبحلول القرن الرابع الميلادي، بدأت الإمبراطورية الرومانية في اضطهاد الطوائف الوثنية، وتم تدمير العديد من المعابد القديمة أو تحويلها إلى أماكن عبادة مسيحية.
في عام 361 م، أصدر قسطنطيوس الثاني قرارًا بإغلاق معبد ميثرا في الإسكندرية وتحويله إلى كنيسة، مما وضع حدًا نهائيًا لهذه العبادة في مصر، وبعد ذلك، اندثرت الميثرائية تمامًا، ولم يبقَ منها سوى الشواهد الأثرية والنقوش التي تعكس ماضيها الغامض.
مثلت عبادة ميثرا في مصر جانبًا من التفاعل الثقافي بين الحضارات القديمة، حيث التقى الفكر الديني الفارسي بالمجتمع الروماني، وترك بصماته في المدن المصرية الكبرى، رغم أنها لم تكن عبادة سائدة، فإن وجودها في منف والأشمونين والإسكندرية يعكس دور الجنود الرومان في نشر المعتقدات القادمة من الشرق.
واليوم، تظل آثار ميثرا شاهدًا على حقبة من التنوع الديني والثقافي، وتذكرنا بكيفية تطور المعتقدات وتفاعلها عبر الزمن، قبل أن تندثر أمام صعود ديانات جديدة مثل المسيحية، التي أصبحت الديانة الرسمية للإمبراطورية الرومانية في النهاية.
اقرأ أيضا | أصل الحكاية| «رأس أبولو الرخامي».. تحفة فنية من العصر الروماني تُعرض للبيع بمزاد

وزير السياحة يبحث مع رئيس «سينيك الدولية» فرص الاستثمار في السياحة النيلية والبحرية
«السياحة والآثار» تشارك في معرض سول الدولي.. والجناح المصري يفوز بجائزة الأفضل
حملة الترويج للمقصد السياحي المصري عبر منصة ياندكس الروسية








