جوهرة العمارة المملوكية تحتضنه قلعة صلاح الدين، تتعانق مآذنه مع سماء القاهرة وتحكى جدرانه العتيقة أسرار العصور، ليبقى شاهداً على تاريخ يفيض بعظمة وجمال الفن الإسلامى.
عزبة «أبو أحمد» - عاصمة قرية السلام بمركز بلبيس - مسقط رأس عائلة الإمام الأكبر الراحل الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر الأسبق، وأطلق عليها هذا الاسم نسبةً إلى جد الإمام والذى ينتهى نسبه إلى قبيلة المعاذة من بنى عطية بشبه الجزيرة العربية والتى وفد أهلها إلى مصر، ومنهم «أبو أحمد».
حرص الشيخ «عبد الغنى محمود: شقيق فضيلة شيخ الأزهر على إقامة مسجد يحمل اسم الإمام بمسقط رأسه بقرية السلام، وألحق به ضريحًا له وتمت توسعته مؤخرًا لاستقبال الوافدين من شرق آسيا الحريصين على زيارته سنويًا لقضاء عدة ساعات بجواره، كما يتم الاحتفال بميلاده سنويًا فى حفل كبير بحضور القيادات التنفيذية والدينية ووسائل الإعلام المرئية والمسموعة.
فى 12 مايو 1910 ولد الشيخ عبد الحليم بعزبة أبو أحمد بمركز بلبيس نشأ فى أسرة كريمة مشهود لها بالصلاح والتقوى، حفظ القرآن الكريم فى كتاب القرية، وهو صغير السن، قبل أن يلتحق بالأزهر الشريف ويحصل على «العالمية» عام 1932، ثم سافر على نفقته إلى فرنسا لاستكمال تعليمه العالي، فالتحق بجامعة السوربون ودرس علم النفس والاجتماع وتاريخ الأديان.. حصل على «الدكتوراة» فى التصوف الإسلامى، بدرجة امتياز مع مرتبة الشرف سنة 1940، ليعود إلى القاهرة وتدرج فى عدة مناصب بجامعة الأزهر، عُيِّن أستاذ علم النفس بكلية اللغة العربية وأستاذ الفلسفة بكلية أصول الدين ثم عميدًا لها ثم عضوًا بمجمع البحوث الاسلامية، ثم أمينا للمجمع ثم وكيلا للأزهر ثم وزيرا للأوقاف ثم شيخا للأزهر.
أنشأ العديد من المعاهد الدينية التى انتشرت فى مدن وقرى مصر (4 آلاف معهد أزهرى)، وسمح بقبول تحويل الطلاب من التربية والتعليم إلى الأزهر، وأصدر أكثر من 100 كتاب بعضها بالفرنسية وأشهرها «أوروبا والإسلام» و»العقل وأسرار العبادات فى الإسلام» و»التفكير الفلسفى»، وعلى يديه أشهر 4 آلاف ماليزى إسلامهم.

اقرأ أيضًا| أسامة الجندي: الصبر والرضا والطمانينة مفاتيح السعادة والسلام النفسي
«الأخبار» التقت مع «محمود صالح» عُمدة قرية السلام، ابن شقيقة الإمام الأكبر والذى تحدث عن مواقف لا تُنسى من حياة الراحل، يقول: تم تعيين الدكتور عبد الحليم محمود، شيخًا للأزهر فى 27 مارس 1973 وبمجرد أن بدأ فى ممارسة مهام منصبه فوجئ بصدور قرار جديد من رئيس الجمهورية حينئذ يجرده من اختصاصاته ويمنحها لوزير الأوقاف، فقدم استقالته وامتنع عن الذهاب إلى مكتبه ورفض تقاضى راتبه وطلب تسوية معاشه، إلى أن تدخل الحكماء لإقناعه بالعدول عن قراره إلا انه أصر على الاستقالة، ما اضطر الرئيس أنور السادات إلى إعادة النظر فى قراره ليعيد الأمور إلى نصابها، ليكون الدكتور عبد الحليم الإمام الأكبر وصاحب الرأى فى كل ما يتعلق بالشئون الدينية ويعامل معاملة الوزير من حيث المرتب والمعاش، لتنتهى الأزمة، ويعود الشيخ إلى منصبه.
يستطرد العمدة محمود صالح: حاولت الدكتورة عائشة راتب إصدار قانون الأحوال الشخصية دون الرجوع للأزهر وحرصت على سرعة إقراره من مجلس الشعب، وحينما علم الإمام الأكبر بهذا القانون الذى يتضمن قيودًا على حقوق الزوج على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية أصدر بيانًا حذر فيه من الخروج على تعاليم الإسلام وأرسله إلى جميع المسئولين وأعضاء مجلس الشعب، ولم تجد الحكومة مفرًا من الإعلان عن أنه ليس هناك تفكير على الإطلاق فى تعديل قانون الأحوال الشخصية، ليقتل القانون فى مهده.
نبوءة أكتوبر
وقال «محمود صالح»: رأى الشيخ رسول الله صلى الله عليه وسلم يعبر قناة السويس ومعه علماء المسلمين وقواتنا المسلحة، فاستبشر خيرًا وأيقن بالنصر، وأخبر السادات بتلك البشارة، واقترح عليه أن يأخذ قرار الحرب مطمئنًا بالنصر.
شقة بالإيجار
سرد محمود صالح ابن شقيقة الإمام الأكبر، مواقف تدل على زهد الإمام فى الدنيا قائلًا: خالى الشيخ «عبد الحليم محمود» رحمة الله عليه، كان يقيم فى شقة إيجار بحلمية الزيتون، طلب منه نجلاه، شراء مسكن مستقل بهما، فعاد إلى قرية السلام، وباع ميراثه من الأرض لشقيقه الأصغر «عبدالغنى»، ثم توجه ومعه المال إلى القاهرة لكى يسعد نجليه، بشراء مسكن مستقل بهما، وفى طريقه توجه لزيارة صديق مريض فشاهد طالبًا يجلس معه تظهر عليه ملامح الحزن وعلم الشيخ أن أسرته تمر بضائقة مالية ووالده طريح الفراش، فأعطاه المبلغ الذى كان بحوزته، وأعطاه للطالب الفقير وقال لنجليه إنه اشترى لهما منزلًا عند الله.
مسبحة لـ«كارتر»
وحكى العمدة محمود صالح، أن الامام الأكبر قام بزيارة الولايات المتحدة، والتقى بأعضاء مجلس الشيوخ الأمريكى والكونجرس الأمريكى والرئيس كارتر، الذى كان ينظر إلى مسبحة الشيخ وهو يسبح بها فقدمها هديةً له.
حقن الدماء العربية
كما تدخل شيخ الأزهر فى حقن الدماء بين المغرب والجزائر، وسارع بإرسال برقية لملوك الدولتين يدعوهما فيها للتغلب على عوامل الشقاق والفرقة، وإلقاء السلاح، والاحتكام لكتاب الله، وأرسل برقية للرئيس السادات يرجوه التدخل للصلح بين القطرين الشقيقين، كما أرسل برقية إلى عاهل المملكة العربية السعودية، كما دعا الأطراف المتنازعة من المسلمين والمسيحيين فى لبنان إلى حقن الدماء.. وقال عمدة قرية السلام، إنه عقب عودة الإمام من الأراضى المقدسة عام 1978 شعر بآلام شديدة وتم إجراء عملية جراحية له لاستئصال المرارة، وبعد أيام قليلة لفظ أنفاسه الأخيرة، تاركًا ذكرى طيبة ونموذجًا لما يجب أن يكون عليه شيخ الأزهر.
«سيلفى الحج»| علماء: جائز ما لم يشغل عن العبادة
العبادة ليست موسمًا عابرًا| العلماء: الثبات على الطاعة علامة صدق الإيمان
خواطر الشعراوى| فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَّنَاسِكَكُمْ







