يوميات الأخبار

فى رحاب مدرسة الدبلوماسية المصرية العريقة

أسامة عجاج
أسامة عجاج


‫ الدكتور بدر عبدالعاطى آخر حلقة فى سلسة الكبار، الذين تولوا مسئولية إدارة موسسة الدبلوماسية الأعرق،  والذى يتجاوز عمرها المائة عام. 

لا يخفى على أحد مدى عراقة مدرسة الدبلوماسية المصرية، بتاريخها والذى يعود إلى منتصف مارس  ١٩٢٢، ويتوافق مع إعلان الاستقلال عن بريطانيا، وإنجازاتها شاهدة على قدرتها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، فوز مصر فى معركة التحكيم فى عودة طابا إلى التراب المصري، بعد صدور حكم المحكمة فى سبتمبر ١٩٨٨، إلى أن تم رفع العلم المصرى عليها فى مارس من العام التالى.  

ولهذا حرصت طوال سنوات عملى فى الشأن العربي، على توسيع اهتماماتى التى لم تقتصر على التطورات السياسية فى كل الدول العربي، عبر زيارات ميدانية أو حوارات مع كبار الشخصيات على مستويات مختلفة، أن أتابع عن نفس المستوى السياسية الخارجية المصرية، وعلاقاتها بمحيطها العربي، وكان لى شرف التعامل عن قرب مع كل وزراء الخارجية، منذ عهد الدكتور عصمت عبدالمجيد الذى كان وزيرا وأمينا عاما للجامعة العربية، وهو نفس ما تكرر مع السيد عمرو موسى متعه الله بالصحة، وتعود معرفتى به عندما تولى وكالة الوزارة للهيئات الدولية وشارك كممثل لمصر فى اجتماعات وزراء خارجية الدول الإسلامية، فى العاصمة الأردنية عمان عام ١٩٨٨، وتم خلالها تحديد نصيب كل دولة من الحج ، ليكون ألف حج لكل مليون نسمة، حيث أجريت معه حوار لمجلة الحوادث اللبنانية الصادرة من لندن، أكدت فى مقدمته أنه وزير خارجية مصر  القادم، وكان لى شرف متابعة أحمد أبو الغيط والدكتور نبيل العربي.    

 بصمة خاصة  

ودعونا نتوقف عند آخر وزراء الخارجية المصرية الدكتور بدر عبدالعاطي، والذى يمثل حلقة فى سلسلة (بعضها من بعض) من الكفاءات، التى تولت المنصب، حيث تابعته منذ أن تصدر المشهد، فى الفترة التى عمل فيها متحدثا رسميا لوزارة الخارجية، فى المرحلة الأخطر فى تاريخ مصر بين عامى ٢٠١٣ إلى ٢٠١٥، فكان حريصا على الانفتاح على الإعلام فى مصر والعالم، شارحا موقف مصر، كما تعددت المناسبات التى جمعتنا، وأستطيع أن أقول بأمانة شديدة، إنه فى طريقه إلى أن يكون صاحب بصمة متميزة، رغم وجوده فى الوزارة منذ أشهر قليلة، ومؤشرات ذلك عديدة، فقد (صنع نفسه بنفسه) فهو ابن أسرة متوسطة من محافظة أسيوط، اجتهاده الدراسي، والعمل الدبلوماسي، كان جواز مرورة إلى قمة الدبلوماسية المصرية، يمارس عمله بحب، ويمكن أن نرصد ثلاثة ملامح لشهور الوزير بدر عبدالعاطى الماضية الأولى: 

إحياء  سنة الإقرار بأنه يقوم باستكمال مهمة من سبقوه وكان ذلك وراء حرصه على تكريم سلفه سامح شكرى فى العاشر من مارس الماضي،  بحضور كل الوزراء السابقين الأحياء، كما استقبل عمرو موسى منذ أسابيع، حيث ناقش معه تطورات الوضع العربى والإقليمى والدولي، كما أشرف على إحياء ذكرى بطرس غالى منذ أيام، ثانيا ومن ملامح تميزه أيضا، الحرص على ربط الدبلوماسية بالرأى العام فلم يكتفِ بمهمته الرسمية فى الكونجو  فى نوفمبر الماضي، ولكنه قام بزيارة  كتيبة الشرطة المصرية المشاركة فى مهام حفظ السلام، ضمن البعثة الأممية هناك، وثمن دورهم النبيل والمستوى الاحترافى لهذه القوات، وأثناء عودته من زيارة مهمة للبنان فى ١٣ نوفمبر الماضي، أعاد معه على الطائرة ٢٩٤ من المصريين العالقين فى لبنان، وأدار حوارا إنسانيا راقيا معهم فى كابينة الطائرة، كما كان حريصا على استقبال الدكتور مجدى يعقوب، ووصفه بأنه أحد رموز مصر الناعمة، وهنأه بمرور ١٥ عاما على تدشين مؤسسة مجدى يعقوب للقلب، واطلع منه على آخر الاستعدادات لتأسيس مركز روندا - مصر للقلب، الذى سيقدم رعاية طبية على مستوى عالمى فى قلب أفريقيا، ولعل من السمات الخاصة لتحركاته اهتمامه بالتفاصيل، التى يعتبرها البعض صغيرة، وهى فى حقيقتها رسائل لمن يهمه الأمر، حرصة على البعد عن الأشكال التقليدية والرسمية لاجتماعاته، وأشهرها مؤخرا وأكثرها شعبية، كانت صور لقائه مع وزير الخارجية الأمريكى ماركو روبيور، أثناء زيارته الأخيرة  لواشنطن، التى حظيت باهتمام كبير من كل وسائل التواصل الاجتماعي، وكذلك صورته مع الرئيس الفرنسى ماكرون الخميس قبل الماضي، أثناء مشاركته فى الاجتماع الوزارى حول سوريا. 

 ملفات مهمة 

ودعونا نتفق على قدرته على العمل بدأب شديد، ويكفى ما جاء فى الإحصائية التى وفر لى السفير النشط  تميم خلاف المتحدث باسم الخارجية، عن عدد الزيارات الخارجية التى قام بها منذ توليه منصبه فى يوليو الماضي، والتى وصلت إلى ٢١ زيارة ثنائية، من بينها ١٠ زيارات لعواصم إفريقية، بالإضافة إلى ١٦ زيارة خارجية، للمشاركة فى اجتماعات ومؤتمرات دولية، لم يكتفِ الوزير بذلك، بل عقد ٢٤ اجتماعا ولقاءً مع الجاليات المصرية فى الخارج بعد إسناد ملف الهجرة إلى الخارجية، ومن المهم أن مثل هذه الزيارات تمثل عبئا شديدا وجهدا ضخما، وتخلو من أى متعة شخصية، فبعضها يستغرق يوما أو بعض يوم، ويقتصر جدول أعمالها على الوصول وجلسات مباحثات شاقة، وبعدها العودة أو استمرار الزيارة إلى نقطة سفر أخري، وآخرها السفر إلى باريس لحضور مؤتمر دعم سوريا، وبعدها إلى أديس أبابا للمشاركة فى اجتماعات الاتحاد الأفريقي، الأسبوع الماضي. 

ونتوقف عند الملمح الثالث، فالفضل يعود للدكتور عبدالعاطى فى إحياء الدور المصرى فى ساحات عديدة، وتوسيع دائرة المشاورات، ومن ذلك انفتاح الدبلوماسية المصرية، والتواصل مع كافة المكونات السياسية مع الاهتمام، بالطبع، بالهدف الأصلى للزيارة، والنموذج لذلك زياراته لكل من لبنان والسودان مرتين خلال الأشهر القليلة الماضية، حيث لم يكتفِ باللقاءات الرسمية، بل حرص على اللقاء مع كل رموز الشعب اللبنانى الدينية، وقادة الطوائف والأحزاب السياسية، ومع قائد الجيش العماد جوزيف عون قبل انتخابه رئيسا وبعدها، حيث سلمه رسالة من الرئيس السيسي، تضمنت دعوته إلى زيارة مصر فى أقرب وقت، كما التقى على المستوى الرسمى ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتى ونبيه برى رئيس مجلس النواب، وتكرر الأمر فى زيارته الأولى للسودان بتوجيه من الرئيس عبدالفتاح السيسي، هى الأولى لوزير خارجية  منذ اندلاع الأزمة فى أبريل الماضي، وكان الهدف تسليم رسالة إلى رئيس المجلس الانتقالى الفريق أول عبدالفتاح البرهان، ولكنه التقى مع عدد من كبار قادة القوات المسلحة، ونظيره على يوسف الشريف واهتم بلقاء ممثلى المجتمع المدني، ومجتمع رجال الأعمال السودانيين، وفى الزيارة الثانية فى ١٧ يناير، ذهب إلى بورتسودان، للقاء عدد من الوزراء حيث ناقش معهم سبل التعاون بين البلدين، بما فى ذلك إعادة الإعمار بعد التوصل إلى وقف إطلاق النار، وإحلال السلام فى السودان.

الوزير بدر عبدالعاطي، يقود كتيبة من المخلصين لهذا البلد، يشهد لها الجميع، فى الحاضر والماضي، من سفراء مصر فى الخارج، ولى شرف صداقاتى الكثير منهم، الذين مثلوها أفضل تمثيل، ودافعوا عن مصالحها بكافة الوسائل. 

 الوزير الشاعر 

سعادتى لا توصف، عندما أرسل لى الوزير الأسبق للإعلام فى سلطنة عمان حمد الراشدي، آخر إصداراته الشعرية عن طريق أحد أصدقائه المصريين، الأستاذ حسن السلاموني، فقد أعادتنى إلى ذكريات جمعتنا منذ عقود، أثناء عمله وكيلا للوزارة فى نهاية التسعينات، والتى استمرت بعد تعيينه وزيرا منذ يونيو ٢٠٠١ حتى أبريل ٢٠١٢، حيث تعددت لقاءاتنا فى القاهرة، أو فى مسقط لتغطية مناسبات وفعاليات عديدة، وقد كتب ذكرياته عن تلك  الفترة، فى كتاب مهم آخر لفترة ثرية فى تاريخ السلطنة تحت عنوان (بين بلاغين) استعرض فيها تجربته منذ البلاغ الأول عام ١٩٧٤ عندما تم قبوله موظفا فى وزارة الإعلام حتى وصل إلى قمتها حتى تم إبلاغه بإجراء تعديل وزارى وخروجه ونهاية مهمته وطوال تلك الفترة استمرت إبداعاته الشعرية ومنها خلال وظلال يحتوى على ٣٦ قصيدة ويقول عنه إنه (سبح شعرى إيمانى فى الملكوت الأعلى من خلال أسماء الله الحسنى متبوع بوقفات من فى الدعوة المحمودية ورسالة الإسلام عند انطلاقتها على يد رسول الإنسانية وكانت آخر إبداعاته كتاب نحن الزهور الذى أصدره الشهر الماضى وتضمن مجموعة من القصائد فى الشعر العمودى نظمت على عدد من بحور الشعر العربى ويقع فى ٢١٢ صفحة من القطع المتوسط فى ٢٢ قصيدة يعتبره (مسبارا شعريا يجس نبض الحياة من بداية الفجر الصادق حتى الليل ثم ظهور فجر جديد ليكون فى متناول المهتمين بالشعر والغوص فى بحور المفردات الشعرية).