فواصل

‫ البحرين.. الإصلاح بإرادة ملكية

اسامة عجاج
اسامة عجاج


يبدو أن هناك ارتباطاً شديداً، بين شهر فبراير - لا أعرف سره - والأحداث الكبيرة فى مملكة البحرين، ويكفى أن نتوقف عند بعضها، منها مرور الذكرى السابعة والخمسين لتأسيس قوات دفاع البحرين فى الرابع منه، وعلى مستوى الإصلاح السياسى هناك العديد من المناسبات، الاستفتاء على ميثاق العمل الوطنى فى الرابع عشر والخامس عشر من عام ٢٠٠١، وبعد عامين طرح مشروع الدستور الجديد، على الاستفتاء فى نفس الشهر عام  ٢٠٠٣، وكذلك بداية أخطر أزمة عاشتها مملكة البحرين، ويمكن أن نطلق عليها (الفتنة الطائفية) فى الرابع عشر من عام ٢٠١١، ومن خلال متابعتى الدائمة لتطورات الأوضاع فى مملكة البحرين، أستطيع أن أؤكد، أن المشروع الإصلاحى الذى قاده الملك حمد بن عيسى، وأشرف على تنفيذه منذ اليوم الأول لتوليه مهامه، فى السادس من مارس ١٩٩٩، نجح فى نقلها إلى مرحلة جديدة قائمة على المشاركة الشعبية فى صنع القرار، بعد إتمام مصالحة وطنية بين طوائف المجتمع بدأت فى عام ٢٠٠١، من خلال إلغاء قانون تدابير أمن الدولة، وكذلك اختصاصات المحكمة المعنية بذلك، مع إصدار مرسوم بقانون بالعفو الشامل عن الجرائم الماسة بأمن الدولة، والمحكوم عليهم من أصحاب الرأى ومن السياسيين المعارضين من الخارج، والسماح لهم بالعودة إلى البلاد، دون قيد أو شرط، وبعدها لم يعد هناك فى البحرين سجين سياسى، أو صاحب رأى، وبعدها بعام عادت الحياة النيابية عبر نظام المجلسين النواب (المنتخب)، والشورى (المعين) من أصحاب الخبرات والتخصصات المختلفة، بعد حل المجلس الوطنى فى عام ١٩٧٥، وبالتوازى أشرف الملك حمد بن عيسى على إجراءات دعم مؤسسات المجتمع المدنى، وأتاح حرية وحق تأسيس الجمعيات السياسية (الأحزاب) مع ضرورة دعمها ماليًا، وإتاحة الفرصة أمام كل مواطن فى تكوين والانضمام إلى أى منها، ولكن القانون منع تشكيلها على أساس طائفى، أو تكون امتدادًا لكيانات خارجية، أو إقامة أى تشكيلات عسكرية، وبالفعل تعددت الجمعيات السياسية وتنوعت توجهاتها، من أقصى اليسار إلى اليمين.وقامت لجنة متخصصة من كل التيارات والخبرات بالتوصل إلى ميثاق العمل الوطنى فى الرابع عشر والخامس عشر من فبراير ٢٠٠١، وتم إقراره عبر استفتاء بنسبة تأييد وصلت إلى أكثر من ٩٨ بالمائة والأهم مشاركة أكثر من ٩٠ بالمائة، والذى تزامن معه إنشاء المحكمة الدستورية العليا، وديوان الرقابة المالية والإدارية، وبعدها بعامين تم إقرار مشروع الدستور الجديد، والذى وسع من قاعدة المشاركة الشعبية، مع ضمانات للحقوق والواجبات، والذى تضمن إقرار هوية الدولة ودينها، والتأكيد على الحقوق والواجبات والحريات العامة، وكذلك الفلسفة الاقتصادية للدولة. 

وللتاريخ علينا، أن نقر أن المشروع الإصلاحى كان (عامل الحسم) فى تجاوز البلاد أزمة فبراير ٢٠١١، والتى بدأتها جماعات شيعية باستنساخ ما حدث فى دول عربية أخرى تونس ومصر وسوريا واليمن، وبدأتها برفع مطالب قد تبدو للمواطن العادى أنها تمس احتياجاته، لخلق قاعدة عريضة لتحركها، فى شكل مظاهرات واحتجاجات، فى محاولة لإبعاد شبهة الطائفية لذلك، ومنذ بداية الأحداث طرحت الحكومة فكرة الحوار، فكانت قراءة هذه التنظيمات لذلك على أنه مؤشر ضعف، فرفعت سقف مطالبها، وشعاراتها ومنها (الشعب يريد إسقاط النظام) وتشكيل (التحالف من أجل الجمهورية) فى استنساخ لنموذج الجمهورية الإيرانية، وسعت إلى حدوث فراغ سياسى ونيابى، بتقديم الوزراء والنواب الشيعة لاستقالتهم، مع الدعوة إلى الإضراب العام فى البلاد، مع مواجهات مسلحة مع قوات الأمن والشرطة، وتصاعدت الأحداث، والاستعداد لتدخل خارجى عسكرى من دولة جارة بشكل غير مسبوق، مما زاد من شعور قطاعات مهمة من الشعب بالخطر على استقرار وأمن المملكة، مما دعاها إلى إعلان وقوفها مع الدولة والملك مع دعوة خبيثة لتدويل الأزمة، وخلال شهر تم إجهاض المؤامرة. 
وكانت البحرين استثناءً بعد قرار الملك حمد بن عيسى، بتشكيل لجنة تقصى حقائق محايدة، من قامات قانونية وخبرات دولية، وصدر أمر ملكى بتوفير كل الوثائق أمامها، وإتاحة الفرصة لها لمقابلة كل من تراه من مسئولى المملكة، واحتفت الدولة بالتقرير، وأمر الملك بتشكيل لجنة للإشراف على تنفيذ كل ما جاء من توصيات فى تقريرها، ولم تكتف القيادة بذلك بل دعت إلى حوار وطنى فى يوليو ٢٠١١، للاتفاق على رؤية  جديدة للمستقبل، بمشاركة واسعة من الجمعيات السياسية ومنظمات المجتمع المدنى والشخصيات العامة، وصل أعدادها إلى أكثر من ٤٠٠ شخصية، والذى أثمر عن توافقات نجحت فى حفظ واستقرار وأمن البحرين خلال الفترة الماضية.    وهكذا فإن مشروع الإصلاح الذى أشرف على تنفيذه الملك حمد بن عيسى، وفر حصانة ذاتية للبلاد، من أخطر أزمة واجهتها البحرين، التى تعيش فى منطقة تعانى من حالة عدم استقرار مزمن.