يوميات الأخبار

السعادة قرارٌ فاتخذه الآن

سناء مصطفى
سناء مصطفى


ليس هناك جدوى من التفكير والقلق بشأن أمور لا نملك تغييرها، فهذا لن يصيبنا إلا بالتعاسة والأمراض النفسية التى لا نمتلك رفاهية مداواتها.
 

الأحد

دست الصغيرة فى يدى ورقةً، وهى باسمة الثغر والقلب، ثم اختفت من أمامى وهى ترسل لى فى الهواء قبلة. فتحت الورقة، فإذا هى رسالة من كلمات قليلة لكنها فارقة: «عيشى يومَكِ، ودعى الغد لصاحب الأمر».

اندهشتُ لهذه الرسالة، وابتسمتُ، وأنا أستدعى حوارى مع صديقة راحت تشكو من قسوة الحياة، والظروف الاقتصادية الصعبة، وخوفها على مستقبل أبنائها الذين لا تعرف ماذا سيفعلون ولا كيف سيدبرون أمورهم حين يكبرون وينتهون من تعليمهم.

قلتُ لها نصًّا: لندع الأمر لصاحب الأمر، ولنفكر فقط فى هذه اللحظة التى نعيشها، ولنتلمس فيها كل ما يشعرنا بالرضا والسعادة التى يمكن أن نعثر عليها فى تفاصيلنا اليومية البسيطة. ليس هناك جدوى من التفكير والقلق بشأن أمور لا نملك تغييرها، فهذا لن يصيبنا إلا بالتعاسة والأمراض النفسية التى لا نمتلك رفاهية مداواتها.

يمكننا أن نداوى أوجاعنا، ونقاوم انكساراتنا وظروفنا القاسية بلقاء عائلى يجمعنا مع أحبتنا الذين مهما طال بنا وبهم العمر فجميعنا مفارقون. بإمكاننا أن نلتقى بهم اليوم قبل أن نصير أو يصيروا ذكرى لا نملك أمام طوفان غزواتها إلا الدموع. يستحق الأمر أن ننجو بأنفسنا وأبنائنا من هذا السباق المحموم فى دروب الحياة التى اجتثت الشاشات أخضرها، وانتزع الغلاء حلاوتها. لقد كاد انشغالنا بذواتنا ولهاثنا المضنى وراء لقمة العيش أن ينسينا أننا ما لأجل هذا خُلقنا، ولا نفخ الله فينا من روحه وميزنا عن الملائكة، فأعطانا القدرة على الاختيار لنختار فى النهاية أن نصبح كالآلات مجردين من المشاعر محرومين من القدرة على الاستمتاع بالحياة ومقاومة محنها، وتذوق منحها التى لا ريب تفيض علينا بها يد الله فى كل وقت وحين.

الاثنين

على شاشة قاعة الدرس عرضتُّ على طلابى مشاهد مصورة لاحتفاء عالمى بما يسمى «أفعال عشوائية تدل على الإنسانية». مشاهد بسيطة قد ينقذ فيها أحدهم قطةً من الموت، أو يقدم وجبة طعام بسيطة لجائعٍ، أو يساعد عجوزا فى عبور الطريق، أو حتى يغنى ويرقص مع أطفال يمرحون ويلعبون أو يشاركهم اللعب. رحتُ أراقب ابتساماتٍ علتْ وجوههم، ودموعا ترقرقت فى أعينهم إلى أن انتهى الفيديو، وفاجأتهم بسؤال: هل جربتم أن تستشعروا اللذة والسعادة حين تقومون بأفعالٍ كهذه؟ أجابنى أحدهم: ما احنا بنعمل كده يا ميس بس محدش بيحس بينا! قلت: أسألكم عن شعوركم أنتم بما تفعلون، وليس عن تقدير الآخرين لأفعالكم.

هذه هى المعضلة الكبرى يا صغاري: أننا دوما ننتظر التقدير من الآخرين، دون أن نقدرَ نحن أنفسنا ونسعدَ بإنجازاتنا وما نقدمه من خير ومحبة وما نبذله من جهد كبيرٍ أو صغيرٍ يعلى قيمنا الإنسانية ويرسخها ويترك على الأرض بصمتنا التى يقينا سيستدل بها غيرنا ويهتدى طال بنا العمر أم قصر.

ابتسموا، فابتسمتُ، وفكروا فى فعل بسيط يمكننا أن نقوم به معا لنسعد الآخرين، ونجرب أن نشعر معهم بالسعادة. اقترحوا أن نجمع مبلغا بسيطا ونتشارك فى إعداد وجبات إفطار بسيطة للعمال ومشرفات النظافة فى المدرسة. قسموا العمل فيما بينهم، ونظموا كل شيء، وأعدوا الوجبات بأنفسهم، ثم قاموا بتوزيعها، وهم سعداء مبتهجون، وشاركنا العالم احتفاءه بأفعال إنسانية عشوائية ترسخ قيمة الإنسان وتترك له على الأرض بصمة وفى النفوس أثرا.

الثلاثاء

يعود ابنى من عمله، وقبل صعوده إلى شقته، يمر على قلبى وعينى بابتسامة وسلام وفاكهةٍ وكلام. ربما وجدنى فى المطبخ أعد طعام الغداء لى ولشقيقه، وربما كانت عودته متأخرة قليلا، فيجدنا نتناول غداءنا بالفعل. أدعوه ليشاركنا، ربما يتناول لقمة أو لقمتين وهو واقف، لكنه فى أغلب الأحيان يقول: شكرا. ياسمين مجهزة الغدا ومستنياني. أبتسم وأدعو له: ألف هنا يا حبيبي.

أبتسم لأننى أرانى فى خلفية المشهد، أعد لوالده الغداء، وأتفنن فى صنع أطباقٍ أحسب أنه سيسعد بها. أنظر إلى الساعة المعلقة على الحائط، وأروح وأجيء نحو النافذة أرقب عودته. أمد بصرى لآخر الشارع علَ سيارته الزرقاء تصافح قلبى وتلقى عليه ابتساماتها. يمر الوقت، فتفقد أطباقى سخونتها، وتفقد نفسى شهيتها، بينما تلتهب مشاعر الضيق والحنق حتى عودته.

يعود باسما هادئا كأن شيئا لم يحدث. يفاجئه غضبى الذى تكرر على نفس الموقف من قبل. يقول بهدوء وبلهجة حازمة: إنتِ عارفة إنى باعدى على والدتى بعد ما أخلص العيادة مرتين فى اليوم، مرة ظهرا بيكون وقت الغدا، ومرة بالليل بيكون وقت العَشا. بتبقى عارفة مواعيدى ومستنياني، بتقولّى كل معايا نص بطن، وكمل مع مراتك وأولادك. مش هابطل أعمل كده جبرا لخ اطرها، وعلشان متزعليش من الموضوع دا تانى ممكن إنتِ كمان تاكلى مع الأولاد نص بطن ونكمل مع بعض لما أرجع، وممكن تتغدى معاهم برضو وأنا أتغدى فى أى وقت. اللى جعان ياكل، الموضوع بسيط جدا، فبلاش تصعبيها عليّ وعلى نفسك.

إن السعادة اختيارٌ وقرارٌ نستطيع اتخاذه بوعينا وقوة إرادتنا. أنا ممتنة لهذه الحياة التى تعلمنا، وللتجارب التى تصنع وعينا، ولشركاء الحياة الواضحين الذين لا يستمرون فى علاقاتهم بالمسكنات والوعود الكاذبة، والذين يضعونك أمام نفسك واختيارك: إما تقبل بظروفهم الواضحة أمام عينيك كوضوح الشمس، فتستريح وتُريح، وتسعد بهم ويسعدون بك، وإما تغضب وتثور وتشكو، وفى النهاية لن تحصل على شيء سوى الهم والتعاسة.

الأربعاء

كان يمكن أن يَظَل بى الحالُ هكذا، عالقةً بين طفولتى وصباي،أداعب الفراشات التى رباها فى قلبى أبى،أسرق ألوانها،فتطاردنى ونضحك،أقرأ فى مجلة وأخطئ عامدة فى تشكيل الحروف: يبذرُ الفلاحون الحُبَّ ،فيبتسم: «الحَبَّ» يا بلهاء، أُشًكِّل من الروايات وأفلام الأبيض والأسود ، صورةَ حبيبٍ يضع على ساقى رأسه ، فى حديقة عامة ، بينما أصابعى تتخلل شعره الناعم ، وصوتُه الحالم يقصف حصوني ، أبصقُ على صوتٍ فى خلفية المشهد: ما الذى أعجبه فيكِ يا سمراء يا ذات الشعر الخشن! أغرف من حقولٍ فى خيالى ، ما يجعل الحياة خصبة ، معتدلٌ مناخها فى الصيف ، دافئٌ فى الشتاء ، تلقَى الطارقين على أبوابها بعناق ، وتوزع عليهم زخاتٍ من حلو أعنابها ، أضحك/ أبكي/ أرقص/ أصرخ/ أحب/ أحب/ أحب/ أكره ثم أحب ، كان يمكن أن يظل بى الحالُ هكذا ، لولا صداعٌ ألمّ بي ، وبضعُ خفقات زائدة فى قلبي ، وأرقٌ ينبت كأخطبوط لئيم ، فى وسادتى فجأة ، كلما هربتُ إليها من إسفلت المشاوير ، على صدرى وضعتْ الطبيبةُ سماعتها ، ثم إلى ابنى وجَّهَتْ حديثها: خدوا بالكم من ماما ، انتبهتُ على سنين تنهال فوق رأسي ، كما من مدافع الغزاة تنهال الطلقات ، على خيام عاريةٍ ، لا يسترها إلا الأمل ، هل كبر أولادى إلى هذه الدرجة! متى خرجوا من رحمي! متى جربوا السير بأقدام حافية ، فى صهد البلاد! أين كنتُ حينما فعلوا!

تذكرتُ ، كنتُ عالقةً بين طفولتى وصباي ، فى حِجْرى أجمع الأحجارَ ، أقذفها فى وجه الطغاة ، قلبى خيمةٌ ، روحى حمامةٌ ، وأولادى أغصان زيتون.