وجدانيات

ليه يا شباب؟!

محمد درويش
محمد درويش


لأمر ما قضيت ما يناهز الساعتين سيرًا على الأقدام متكئا على عصاى، الجولة التى بدأت من ميدان الأوبرا مرورًا بعدد من شوارع وسط البلد كما كنا نطلق عليها فى شبابنا ونهاية بشارع الصحافة، حيث مكتبى فى المبنى الصحفى لدار أخبار اليوم، وجدت نفسى كالتائه فى المنطقة وأنا الذى منذ سنوات قليلة كنت حريصًا على السير من مبنى محافظة القاهرة إلى موقع الجريدة حتى لو كان فى شهر أغسطس، علاوة على فائدة رياضة «المشى» فإن القاهرة الخديوية بتصميمها الرائع يجعل أماكن الظل فى هذه الجولة ونسمات الهواء العليل أكثر من أماكن الحر اللافح والشمس الحارقة.

وسط البلد تعنى أرقى المحلات بكل ما تعرضه من منتجات مستوردة أو محلية، وتعنى أيضًا ممرات تتراص على جوانبها المحال ومعظمها متخصص فى نفس المنتجات ويتنافسون على اجتذاب الزبائن بأسعارهم المعقولة. فيها يمكن أن تتناول أى وجبة أيًا كان الوقت بسعر يتناسب مع محدودى الدخل وأيضًا وجبات فى محلات أخرى للراغبين فى الأرقى والأفضل.

يمكن أن تجد محلاً يضم أكثر من طابق ويمكن أيضًا أن تجد آخر لا تتجاوز مساحته المتر المربع وهو أشبه بفاترينة يكدس فيها صاحبها مقتنيات العصر من إكسسوارات الأزياء أو الأجهزة الذكية.

شباب وفتيات فى عمر الزهور، ومحلات عديدة تضع على أبوابها الزجاجية دعوة للعمل سواء توافرت الخبرة أم لا تتوافر.

من الظواهر اللافتة التى لفتت انتباهى بعد انقطاع طويل لهذه الجولات هى أعداد الشباب الذين احتل بعضهم الأسوار المحيطة فى معظمها بهذه الشوارع ووضع أمامها طاولة ليسهل حملها والفرار إذا ما داهمته شرطة المرافق مثلًا.

هؤلاء الشباب مالوا إلى الارتكان إلى ما يطلقون عليه تجارة وغالبًا لم يفكر أحدهم فى اكتساب مهارة فى مجال آخر يفتح له أضعاف ما يكسبه من تجارته أو عمله كبائع مثل ميكانيكا السيارات أو مجالات صيانتها الأخرى، وما أن تترك شارع ٢٦ يوليو عابرًا شارع الجلاء حتى تفاجأ بسوق الملابس المستعملة «البالة»، وقد تراصت الشماعات الحديدية تعرض لكل الأعمار الملابس بأسعار زهيدة، تفحصت وجوه البائعين وأكاد أجزم أننى لم أجد أحدًا أكبر من أن يكون قد تخطى الثلاثين من عمره، كلهم شباب من المفترض أنهم يمثلون ثروة لوطنهم ولكنهم آثروا العمل السهل المريح، ربما واصل تعليمه حتى الثانوى الفنى وأصبح فى عمر كمن رقص على السلالم فلا هو يصلح أن يبدأ من حيث بدأ الأسطى «بلية» ولا هو أصبح مؤهلًا لعمل فنى يأكل منه الشهد كالسباكة مثلًا فضلًا عن أن كثيرين رأوا فى التوك توك ما يغنيهم عن الصنعة وفنياتها.

جالت عيونى تتفحص هؤلاء وأنا أردد أبياتًا من قصيدة لأمير الشعراء:

أيها العمال أفنوا العمر كدًا واكتسابًا 

واعمروا الأرض فلولا سعيكم أمست يبابا