في وقت كان يُنظر فيه إلى تعليم الفتيات في مصر على أنه أمر غير مألوف، وفي ظل مجتمع يُحجم عن تقبل فكرة عمل المرأة، وُلدت كوكب حفني ناصف، التي كسرت القيود وتحدّت الصعاب لتصبح أول جراحة مصرية، وتضع بصمتها في عالم الطب.
كانت حياتها رحلة مليئة بالكفاح والعلم والإنجازات، فقد نشأت في أسرة تقدّر التعليم، وتربّت على يد والدها الذي حرص على أن تنال ابنته فرصة لا تتاح لكثير من الفتيات آنذاك.
لم تكن مسيرتها سهلة، فقد واجهت التحديات منذ نعومة أظافرها، بدايةً من فصلها من المدرسة بسبب مشاركتها في مظاهرات ثورة 1919، وحتى التحاقها بكلية الطب رغم النظرة المجتمعية الرافضة لذلك، لكنها لم تتراجع، بل واصلت السعي حتى أصبحت طبيبة بارزة، تتلمذَت على يد رائد طب النساء والولادة في مصر، الدكتور نجيب باشا محفوظ، وسجّلت اسمها بأحرف من نور في تاريخ الطب المصري والعربي.

** نشأتها وتعليمها… تحديات في وجه التقاليد
وُلدت كوكب حفني ناصف في 20 أبريل 1905، في أسرة عُرِفَت بحبها للعلم والثقافة، حيث كانت شقيقتها الكبرى ملك حفني ناصف واحدة من أبرز الأديبات والمناضلات من أجل حقوق المرأة المصرية، شجّعها والدها على التعليم في وقت كان يُحرم فيه معظم الفتيات من هذه الفرصة، فالتحقت بالمدرسة السنية، ولكنها فُصلت منها عام 1919 بسبب مشاركتها في مظاهرات ثورة 1919 ضد الاحتلال الإنجليزي.
لم تستسلم كوكب، وانتقلت إلى مدرسة الحلمية حيث أكملت تعليمها بتفوق، مما خوّلها للحصول على منحة دراسية في لندن لدراسة الطب عام 1922، كانت ضمن خمس فتيات مصريات فقط حصلن على هذه الفرصة، ومن بين زميلاتها كانت الدكتورة هيلانا سيداروس، التي أصبحت فيما بعد من أوائل الطبيبات المصريات.
** مسيرتها الطبية… من التلمذة على يد نجيب باشا محفوظ إلى الريادة في الجراحة
عند التحاقها بكلية الطب في لندن، وجدت كوكب نفسها في بيئة جديدة مليئة بالتحديات، لكنها أثبتت جدارتها بسرعة، ولفتت أنظارأساتذتها بذكائها وتفانيها في الدراسة، بعد عودتها إلى مصر، بدأت مسيرتها العملية في مستشفى كيتشنر الإنجليزي (المعروف حاليًا باسم مستشفى شبرا العام)، حيث عملت إلى جانب كبار الأطباء البريطانيين والمصريين.
لكن نقطة التحول الحقيقية في حياتها كانت عندما عملت تحت إشراف الدكتور نجيب باشا محفوظ، الذي كان من أوائل المتخصصين في طب النساء والتوليد في مصر، تعلمت على يديه أدق تفاصيل الجراحة، وأصبحت واحدة من أبرز الجراحات المصريات في ذلك الوقت، لم تكتفِ كوكب بممارسة الطب فقط، بل كانت رائدة في مجالها، وأصبحت أول طبيبة مصرية تجري عمليات الولادة القيصرية، وهو إنجاز لم يكن سهلاً في ذلك الوقت.
اقرأ أيضاً| اليوم العالمي للمرأة| «كوكب حفني ناصف».. رائدة الطب في مصر

** إنجازاتها في عالم الطب
1- أول فتاة تمارس مهنة الطب في مصر
كانت كوكب حفني ناصف أول طبيبة مصرية تمارس مهنة الطب بشكل رسمي، في وقت كان يُنظر فيه إلى المهنة على أنها حكر على الرجال.
2- أول طبيبة تُجري عمليات الولادة القيصرية
كانت أول مصرية تُجري عمليات الولادة القيصرية، حيث نجحت في تنفيذ هذه الجراحة الدقيقة بعد تدريب مكثف على يد نجيب باشا محفوظ.
3- أول امرأة تتقلد منصب "حكيمباشي"
بعد أن أثبتت كفاءتها الطبية، أصبحت كوكب حفني ناصف أول امرأة تتقلد منصب "حكيمباشي"، وهو منصب كان مقتصرًا على البريطانيات والأوروبيات العاملات في مصر.
4- أول طبيبة مصرية تنضم إلى نقابة الأطباء
لم يكن دخول نقابة الأطباء متاحًا للنساء في البداية، لكن كوكب حفني ناصف كسرت هذا الحاجز وأصبحت أول طبيبة مصرية تنضم إلى نقابة الأطباء، لتفتح بذلك المجال أمام الأجيال القادمة من الطبيبات المصريات.
5- تأسيس أول مدرسة للتمريض في مصر
إلى جانب عملها في الطب، ساهمت كوكب في تأسيس أول مدرسة للتمريض في مصر، بهدف تأهيل كوادر طبية قادرة على تقديم خدمات صحية متميزة، وهو إنجاز كان له أثر كبير في تطوير القطاع الصحي في البلاد.
** تقدير الدولة لإنجازاتها… تكريم السادات لها
نظرًا لإنجازاتها الكبيرة في المجال الطبي، تم تكريمها من قِبَل الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، الذي منحها جائزة الدولة التقديرية في العلوم والفنون، تكريمًا لدورها في تطوير مهنة الطب في مصر، وكسر الحواجز المجتمعية أمام المرأة المصرية.

** حياتها الشخصية وصلتها بملك حفني ناصف
لم تكن كوكب حفني ناصف مجرد طبيبة بارزة، بل كانت أيضًا شقيقة ملك حفني ناصف، الأديبة المصرية والداعية للإصلاح الاجتماعي، التي ناضلت من أجل حقوق المرأة المصرية في أوائل القرن العشرين، ربما استمدت كوكب بعضًا من روح التحدي والإصرار من شقيقتها الكبرى، فقد كانت حياتها انعكاسًا حقيقيًا للنضال من أجل تحقيق الذات وتحدي المعوقات الاجتماعية.
** وفاتها… نهاية رحلة حافلة بالعطاء
بعد أكثر من ثلاثين عامًا من العمل الطبي، قررت كوكب حفني ناصف التقاعد عام 1965، بعدما تركت بصمة لا تُمحى في المجال الطبي المصري، عاشت سنواتها الأخيرة بعيدًا عن الأضواء، حتى وفاتها عام 1999 عن عمر ناهز 94 عامًا، بعد رحلة طويلة من العلم والعطاء.

** إرثها وأثرها في المجتمع المصري
لا يمكن الحديث عن تطور الطب في مصر دون ذكر اسم كوكب حفني ناصف، فقد كانت نموذجًا يُحتذى به في الإصرار والتفاني. فتح نجاحها المجال أمام مئات الفتيات المصريات لدراسة الطب والانخراط في المجالات العلمية المختلفة.
لقد أثبتت أن المرأة قادرة على تحقيق المستحيل إذا أُتيحت لها الفرصة، وأن الإرادة الصلبة قادرة على تخطي أصعب العقبات فاليوم، بفضل جهودها وجهود أمثالها، لم تعد مهنة الطب حكرًا على الرجال، وأصبح من الطبيعي رؤية الطبيبات والجراحات المصريات يعملن في المستشفيات والعيادات، يُنقذن الأرواح ويقدمن الرعاية الصحية للجميع.
كانت كوكب حفني ناصف واحدة من عظيمات مصر، وواحدة من النساء اللاتي مهّدن الطريق لأجيال من الفتيات لدخول مجال الطب دون خوف أو تردد، لقد عاشت حياتها بين غرف العمليات والمختبرات الطبية، وبين الأوراق البحثية والمدارس العلمية، لتصبح مثالًا يُحتذى به في الكفاح والعلم والعطاء.
رحم الله كوكب حفني ناصف… رائدة الجراحة المصرية، وحكيمباشي مصر الأولى.

حكايات متحفية.. كيف أبدع المصري القديم في تشكيل التماسيح على الفخار؟
رافقت الحضارة.. حكاية «فاترينة» تاريخية تحمل ذاكرة 160 عامًا
«بذور من المنفى».. حكاية الباشا الذي أهدى المصريين المانجو






