من غير المعقول تصور مؤامرة وراء كل الأحداث والوقائع،..، ولكن ماذا نقول فى ظل وجود ما يؤكد أن ما يحدث ليس مجرد صدفة؟!
لابد أن اعترف بأن لدى ميلاً شخصياً للتعاطف مع الجهود المبذولة من البعض، لإقناع البعض الآخر!
بعبثية الأخذ بالتفسير التآمرى للأحداث السيئة ـ والوقائع السلبية، التى تهبط علينا وتمسك بخناقنا فجأة ودون سابق إنذار أو تحسب، سواء تلك التى تحدث فى منطقتنا العربية بصفة عامة، أو التى نتعرض لها فى مصر بصفة خاصة.
وفى إطار المصارحة الواجبة يصبح من الضرورى واللازم أن أمد مساحة الاعتراف إلى القول، بمحاولتى المستمرة للقبول بالمنطق القائل، بأنه ليس معقولاً أن نتصور وراء كل مشكلة نتعرض لها، وخلف كل مصيبة تحط علينا متآمر يخطط ويرتب لهذه المشكلة ويعد لهذه المصيبة.
كما أنه ليس من المعقول أيضا افتراض أو تصور، وضع القوى العظمى فى العالم موضع الاتهام بالتسبب فى كل ما نتعرض له من مشاكل، وما يلم بنا من مصائب فى عالمنا العربى ومصر بالذات.
ولكن.. علىّ أن اعترف أيضا، بأنه رغم هذا الميل وبالرغم من هذه المحاولات، إلا أن القراءة الموضوعية للأحداث والوقائع الجارية على الأرض، فى نطاقنا الإقليمى بصفة عامة، وعالمنا العربى على وجه الخصوص، ومصر بالذات، لا تساعد على الإطلاق فى استبعاد الأخذ بالمنطق القائل بوجود مؤامرة وراء كل ما جرى ويجرى فى هذه المنطقة المهمة من العالم.
بل على العكس من ذلك تماماً، هناك من المؤشرات والدلائل ما يؤكد ويثبت وجود تخطيط مسبق، وترتيب معد، وراء كل المصائب والكوارث التى وقعت ومازالت تقع فى المنطقة العربية ومصر أيضاً.
صراعات وصدامات
وإذا ما ألقينا نظرة فاحصة على ما جرى ويجرى فى عالمنا العربى من أحداث، وما يموج به من تطورات هذه الأيام ومنذ فترة ليست بالوجيزة ولا بالقصيرة، لوجدنا الصورة فى مجملها لا تبعث على التفاؤل فى ظل ما يكتنفها من غيامات وظلال، وما ينتشر فيها من صدامات وصراعات ومعارك واقتتال.
ونظرة مدققة فيما جرى بالمنطقة خلال السنوات القليلة الماضية، مع نهاية الألفية الثانية وبداية الألفية الثالثة التى مازلنا فى ربعها الأول، نجد أن دولاً عربية عديدة قد سقطت فى براثن التفكك الفعلى والوهن الشديد، وبعد أن كانت دولاً قوية ومتماسكة ولكنها تحولت إلى كيانات مهترئة وعلى شفا التقسيم والتشرذم،..، هذا إن لم تكن بالفعل قد نالها التقسيم العرقى والعقائدى.
ولعلنا مازلنا نذكر أن غزو احتلال العراق كان بمثابة رأس الحربة وإشارة البدء لتخريب المنطقة كلها وليس العراق فقط، وذلك بتفكيك دولها وإشاعة الفوضى بها فى إطار تخطيط منظم ومستهدف «أطلقوا عليه الفوضى الخلاقة».
وأحسب أننا مازلنا نذكر أيضاً ما جرى فى سوريا من قتل وتدمير وإرهاب واقتتال داخلى، بحيث أصبحت مثالاً حياً للمأساة الإنسانية ودليلاً حياً على غيبة الوعى بالمصلحة القومية والوطنية لدى جميع الفرقاء المتصارعين، حتى أصبحت ميداناً للصراع بين كل القوى الدولية ومحلاً مختاراً للعديد من القواعد العسكرية والقوات الأجنبية.
تفكك وانهيار
وإذا ما انتقلنا بالنظر إلى بقية الخريطة العربية وما جرى عليها وبها خلال ذات الفترة الزمنية فى السنوات القليلة الماضية لوجدنا صورة محبطة وبائسة فى كل ما جرى فى اليمن أو ليبيا أو السودان أو لبنان ومن قبلها الصومال، حيث تنازعتها الأخطار من كل جانب وعلى كل لون ابتداء من التناحر والفرقة والانقسام، وصولاً إلى الاقتتال الداخلى والحروب الأهلية والصراعات الدموية، وكلها لا تبعث على الأمل ولا تبشر بالخير.
وفى ذلك نرى للأسف أن كل الشواهد والوقائع على الأرض تدفعنا للقول، بأنه من الخطأ الجسيم الظن بأن المصادفة هى السبب وراء كل هذا الذى جرى،..، بل على العكس تماماً فإن هذه الشواهد وتلك الدلائل تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك، بأن هذه النيران المشتعلة والحروب المستعرة والدماء النازفة على الأرض العربية، وكل ما جرى ويجرى من تفكك وانهيار وسقوط لم يحدث بمجرد الصدفة،..، بل وقع بفعل مقصود وتخطيط مسبق وإعداد وترتيب لقوى دولية، وبمشاركة وتورط أطراف وقوى إقليمية أيضاً.
مصاعب وأزمات
واللافت فى هذا الخصوص أن واقع الحال على الأرض العربية خلال السنوات الماضية، يشير فى جملته وتفاصيله بإشارات قوية إلى غياب الصدفة فيما جرى ويجرى لعالمنا العربى من مصائب وكوارث خلال هذه السنوات، التى أدت إلى ما نراه الآن من انهيار لدول كانت قوية ومتماسكة، وسقوط لأخرى كانت قائمة وصلبة،...، وواقع الحال يقول إن الصورة كانت أكثر وضوحاً وجلاء، فيما تعرضت له مصر من أحداث ووقائع خلال السنوات الأربع عشرة الماضية، والتى حاولت فيها قوى الشر وفلول الإفك والبهتان الإطاحة بالدولة الوطنية فى مصر، وتحويلها إلى بقايا دولة فاشلة فى أعوام «2011 و2012 و2013» لولا عناية الله ورعايته ويقظة الشعب وانتباهه، وصلابة الجيش وقوته، وإصراره على الولاء للشعب وإنفاذ إرادته.
والمتابع لما جرت به المقادير على مصر طوال هذه السنوات، والمتأمل لما حدث والمدقق فى التحديات التى واجهتها ولازالت تواجهها الدولة المصرية منذ «2011» وما تلاها، لابد أن يستوقفه بالقطع ذلك الكم الهائل والضخم من المشاكل والمصاعب والأزمات، التى توالت على مصر وفرضت نفسها علينا خلال تلك الفترة الوجيزة فى عمر الزمن،..، وكلها كانت ولاتزال تتطلب المواجهة وتستوجب أقصى درجات الحكمة وضبط النفس، حماية للدولة وتماسكها وحفاظاً على أمنها وسلامة مواطنيها ووحدة شعبها،..، وهو ما حدث بالفعل.
الشرق الأوسط الجديد
وحتى لا ننسى ما تعرضنا له،..، فإننا نقول إن أى محاولة أمينة وجادة للرصد والتسجيل لما جرى وكان فى هذه السنوات وما تعرضنا له، فلابد أن نبدأ بالإشارة إلى حالة الفوضى والقلق والاضطراب، وغياب الأمن وغيبة الآمان والاستقرار، التى سادت البلاد طولاً وعرضاً خلال عامى «2011» و»2012» والتى سلمت حكم وسلطة البلاد إلى جماعة الإفك والضلال، وما قامت به من محاولات متسارعة لمسخ وطمس الهوية الوطنية المصرية، وإسقاط وتفكيك كل الركائز والأعمدة الرئيسية للدولة، وإحلال مفاهيم ونظم وكوادر وخلايا الجماعة محلها.
وما رافق ذلك وتوازى معه خطوة بخطوة، من استجلاب جميع شراذم وفصائل التطرف والإرهاب فى العالم كله، لزرعهم فى مصر وفى سيناء بالتحديد، بالاتفاق والتآمر مع قوى الشر العالمية، وتمهيداً لتنفيذ مخططها الساعى لإعادة رسم خريطة المنطقة فى إطار الشرق الأوسط الجديد، وبهدف اقتطاع جزء من الأراضى المصرية، وتهجير الفلسطينيين إليها طوعاً أو كرهاً، لتكون بمثابة وضع النهاية للقضية الفلسطينية وفتح المجال واسعاً أمام إسرائيل للتوسع وزيادة حجم ومساحة الكيان الصهيونى المتطرف، وإعطائها حق تولى القيادة والسيطرة على المنطقة.
وكاد أن ينجح هذا المخطط التآمرى،..، وكاد أن يتحول إلى حقيقة واقعة تحت رعاية القوة الأعظم برئاسة «أوباما» ومباركة وتورط أطراف وأجهزة مخابرات أوروبية وإقليمية، لولا عناية الله كما قلنا، ولولا هبة الشعب ورفضه القاطع وإصراره على التخلص من حكم وسلطة الجماعة، الذى كاد أن يورد البلاد موارد التهلكة والسقوط، ولولا انصياع الجيش لإرادة الشعب، ووقوفه بجانبه فى ثورة الثلاثين من يونيو «2013».
التفسير التآمرى
كل ذلك وما تلاه لا يشجع على الاستمرار فى التعاطف، مع المنطق القائل بعبثية الأخذ بالتفسير التآمرى للأحداث والوقائع، التى تعرض ولايزال يتعرض لها عالمنا العربى وفى قلبه مصر،..، بل لعله يدفعنى دفعاً للأخذ بهذا المنطلق فى تفسير الأسباب، وراء المصائب والكوارث والأزمات التى تعرضنا ولانزال نتعرض لها، على المستوى العام فى المنطقة العربية أو على المستوى الخاص عندنا فى مصر.
والسؤال الآن.. هل هى صدفة أم مؤامرة؟!

السيد النجار يكتب: ومـاذا عن..؟
حكايات من دفاتر الآثار
أسرار جائزة مصطفى وعلى أمين







