حكايات| مدفع رمضان.. دويّ التاريخ في سماء القاهرة

مدفع رمضان
مدفع رمضان


في مساء رمضاني دافئ، بينما تتراقص أضواء الفوانيس في شرفات البيوت القديمة، ويترقب الصائمون لحظة الإفطار، يعلو صوت انفجار قوي يهزّ الأجواء للحظات، قبل أن يعم الصمت، ثم يعقبه صوت المؤذن يعلن: "الله أكبر.. حان موعد الإفطار"؛ إنه مدفع رمضان، ذاك التقليد الذي صمد عبر العصور، حاملاً معه عبق التاريخ وبهجة اللحظة.

اقرأ أيضًَا | حكايات| كيف نستعيد أجواء «رمضان زمان» مع أطفالنا؟

من تجربة عسكرية إلى عادة رمضانية

بحسب المؤرخين، لم يكن مدفع رمضان تقليدًا مقصودًا في بدايته، وفي عام 865 هـ / 1461 م، كان السلطان المملوكي الظاهر سيف الدين خوشقدم يختبر مدفعًا جديدًا حين أُطلق عن طريق الصدفة وقت المغرب. 

وتزامن هذا مع موعد الإفطار، فظن أهل القاهرة أن السلطان أراد تنبيههم لحلول وقت المغرب، خرج الناس يعبرون عن امتنانهم، فأمر السلطان باستمرار إطلاق المدفع يوميًا طوال الشهر الكريم.


ومن هنا، ولدت هذه العادة التي سرعان ما انتشرت إلى بقية أنحاء مصر، ثم وصلت إلى بلاد الشام والحجاز واليمن وشمال إفريقيا، لتصبح جزءًا أصيلًا من روح رمضان في العالم العربي.


"لم يكن رمضان يكتمل دون صوت المدفع"،وبينما تراجعت العادة في بعض الأماكن مع مرور الزمن، إلا أن القاهرة لا تزال تحتفظ بمدفع رمضان كجزء من تراثها، واليوم، يُطلق المدفع من قلعة صلاح الدين، ليذكّر الجميع أن بعض التقاليد لا تمحى مهما تغيرت الأزمنة.

من الحديد إلى التكنولوجيا

كان المدفع في البداية قطعة ضخمة من الحديد أو البرونز، يُحشى بالبارود، ويوضع على مرتفع استراتيجي ليصل صوته إلى مختلف أرجاء المدينة.، لكن مع تقدم التكنولوجيا، لم يعد استخدام المدافع التقليدية شائعًا كما في الماضي، حيث بات يتم الاعتماد على مدفع صوتي، أو حتى مدفع افتراضي عبر شاشات التلفزيون ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يتابعه الملايين حول العالم.

أيقونة رمضانية تتحدى الزمن

رغم الحداثة والتكنولوجيا، لا يزال مدفع رمضان يحمل نكهة خاصة، فحين يدوي صوته، تشعر وكأنك تعود قرونًا إلى الوراء، حيث القاهرة القديمة بساحاتها وحاراتها المضيئة بالمشاعل، وحيث كان الإفطار مشتركًا بين الجيران، يجتمعون على موائد عامرة بالمحبة قبل الطعام.

في النهاية، مدفع رمضان ليس مجرد صوت، إنه رمز لروح الشهر الفضيل، يذكّر الجميع بأن هذا الوقت ليس مجرد لحظة للإفطار، بل لحظة للفرح، والاحتفاء، والتواصل مع الماضي الذي لا يزال حيًا في تفاصيل الحاضر.