د.نورالدين درموش
1. حين صدور رواية «درب الحاجب، 36» (المركز الثقافى العربى، الدار البيضاء ـ بيروت) سألت نفسى، بحس ووعى الناقد والقارئ المتابع لروائى مثابر ديدنه التجديد والمغامرة منذ عقود (كتب روايته الأولى فى منتصف سبعينيات القرن الماضى «زمن بين الولادة والحلم» وقبلها مجموعته القصصية التجريبية الرائدة «العنف فى الدماغ»؛ تساءلت ماذا، يا ترى، يكون أحمد المدينى قد كتب، وما سيضيف، بعد روايته « رجال الدار البيضاء ـ مرس السلطان» (المركز الثقافى للكتاب، 2021)، التى ثبتت عندى أنا المنتبه المقتفى لمسار كتابته السردية قصة قصيرة ورواية ـ تكثيفًا وتصعيدًا جماليًا لإبداعه الروائي، وارتقاءً به إلى مستوى جعلنى أفترض، عن خطأ كما سأتأكد فيما بعد، أنها إحدى «ذُرى» رواياته، أودع فيها جَماع أسرار خبرته، وصَهر فيها، بصنعة الكيميائى ودُربته سُلافة رؤاه الفنية، ظل يختبر ويقلّب بدائلها، تبعًا لرهاناتٍ وسياقاتٍ روائيةٍ متنوعةٍ ومتباينة.
تعاظَم سؤالى وانتظارى، لكون المدينى، ظل يُفصح، أيضًا، خاصة فى رواياته الأخيرة، عن هاجس يؤرّقه؛ هاجسُ التوقف عن الكتابة، لشعوره بأن « لكل شئ نهاية»، وأن المبدع، قد يبلغ «سِنَّ اليأس»، يكُفُّ عن الإبداع، ويخلَد إلى الراحة، من تعبٍ أو وهن؛ وأيضا، لدَرء محاذير التكرار واجترار المثيل، وكذا لحيرة تنتابُه، تقُضُّ مضجعه وتُشيع فى نفسه قدرًا من اليأس، قد يخِفّ أو يشتدّ وقعُه عليه، من جدوى الكتابة وفائدتها فى مجتمع لا يقرأ (كما أثير ذلك مثلًا فى روايته: رجال ظهر لمهراز).
هما، إذن، سؤالٌ وانتظارٌ استبقا قراءتى لرواية « درب الحاجب 36»، واشترطا، كما تقول الرطانة النقدية، استقبالها وتلقّيها. ولكم كانت دهشتي كبيرةً أثناء القراءة وبعدها؛ إذ تأكد لى أن رواية « رجال الدار البيضاء»، لا يمكن أن تدّعى لنفسها الاستفرادَ بمزِيّة « النصِّ الجامع»، المكثّف والمُصعّد، لإبداعية المدينى، والمرتقِى بإبدالاتها إلى ذُراها. أفترضُ أن رواية « درب الحاجب 36»، قد أبانت بدورها عن أن القدرة الإبداعية عند الكاتب، لم تبُح بكامل أسرارها، ولم تفِ بعد، بوعودها كلِّها.
لقد بدت الرواية، برؤيتها الفنية المجددة، وبمعمارها المركّب وطرائقِ بنائه، وبلغاتِها، تعددت طبقاتُها ومستوياتُها، وبأمكِنتها، انبسطت خرائطَ بمعالم دقيقة، برغم ما اعتراها من محو وبدَد، وبأزمنتها المتراكبة، وبشخوصها، هى ذواتٌ متمايزةٌ ومصائرُ فريدة، وبلعبها الحاذق والشّائق بالواقع والخيال؛ بهذا كلِّه وغيرِه، بدت الروايةُ تكثيفًا و «تصعيدًا» جديدًا، لجماليات وإبدالات السرد عند الكاتب، رهانُها طرق موضوعاً فريداً، لنقل» لا موضوع» يعصَى على الاحاطة والامساك، يتأرجح واقعًا وخيالاً، وجودًا وعدمًا، مرئيًا ومحجوبًا، يكاد يُصيب من كابَده ، أو خاطر بالحكى او الكتابة عنه، بالخبَل والجنون.
تأكد لى كذلك، أن صعوباتِ الاستمرار فى الكتابة، يشعر بها المدينى، بله يفزَع منها، فى كل تجربة إبداعية جديدة يحدِسها ، ويتهيّأ لها، هى أمرٌ محايثٌ لفعل الكتابة لديه. فهذه تتخلّق من قلب استحالتها، وصعوبة تحققها.
يمكن أن نقول ان الإنجاز النصّى للمدينى، شأنَ أيِّ إبداع يُصنّف ويُعتدُّ به، ينطوى على استحالته، على بياض الاستحالة وصمتِها، لا يتحقق ضدها، أو بالرغم منها، بل يتحقق بفضلها، هى نسغُه « سببُ وجوده وسرُّ مثابرته وإصرارِه عليها. قرينٌ ما يسميه سبينوزا persistance dans l’être.
« ركِبنى فزعٌ غيرُ مسبوق، هل سأبقى أراوح فى المكان وأتلعثم بالسؤال؟ هل بلغت سنَّ يأس الكتابة، أوَ ليس لكل شئ نهاية؟ وماذا سأفعل بنفسى بدونها، على الأقل لما تبقّى من العمر؟، فجأةً، لا شك، مَسٌّ من الجن آخرُ أصابنى « فهداني» أخيرا إلى صراط ذاتى غيرِ المستقيم..» ص 15.
2. كنت قد وصفت رواية «درب الحاجب 36»، بكونها معمارًا. وهى كذلك لأنها أخذت شكلَ رواية مركّبة، بصفحاتها التى ناهزت 624 صفحة، بأقسامٍ، وفصولٍ قصار، لم يتعدّ أغلبها ثلاثُ أو اربعُ صفحات ضمّت الرواية محكيَيْن كبيرين، هما بالأحرى روايتان متقاطعتان.
الأولى، كتابة سيِر ذاتية، مشروعٌ لم يكتمل، اعتزمت إحدى شخصيات الرواية، حمدان لحريزى، كتابتَها بعد بلوغها سنّ التقاعد.
بدأت الرواية بسفَر لحريزى إلى مدينة برشيد، مسقط رأسه، لجمع المعلومات التى يحتاجها لكتابة سيرته، التقى أولاً بخالته المُسِنّة يأمل فى أن يستعين بذاكرتها التى أصابها الخرف، ثم بابن خالته عبد الواحد، شخصٌ ظلّ وفيًا للمدينة، لم يغادرها شأنَ كثيرين، وجده لحريزى يبحث عن مأوى لمجانين أصبحوا مشرّدين بعد نشوبِ حريقِ فى المشفى الذى كان يؤويهم، وتلف الوثائق التى تعرّف بهم.
لن يكتمل مشروع كتابة السيرة. إذ سيتوقف باختيار من الكاتب نفسه، «فضّل» حين انتهى إلى مفترق مهم فى الرواية، محكيًا كبيرًا ثانيًا، تمدّد وتوسّع، فأصبح قلبَ الرواية، مدارَ جذبها، ونواتَها الصلبة، حولها، وبتعالق معها، انتظمت باقى المحكيات، تعدّدت بتعدّد متكلمّيها (الكاتب، السُّرّاد، الشخصيات، الأشياء...)، فأضفت تنويعاتٍ على أحداث الرواية، أثرت عوالمَها، ووسعَت مظانّها.
التخلّى عن المحكى الأول، لم يكن نهائيًّا، إذ سيعود إلى الظهور من جديد فى قسم أخير من الرواية، قسم «وصْلُ ما انفصل»، لإعادة لحْم ما بدا كتلتين نصّيّتين متمايزتين، التقيَا فى صياغة وضعيات مارقة، لأشخاصٍ مجانين أو على حافة الجنون، وحّد بينهم فقدانُ بوصلة الهوية وبداهةُ الانتماء.
أما المحكى الثانى الذى أفضى إليه اختيار الكاتب، فيعود زمنيًّا، إلى بداية الثمانينيات (1982)، تاريخ تقرر فيه إخلاءُ درب الحاجب/ المحاذى لدرب الحبوس بالدا البيضاء من قاطنيه، وإعادةُ إيوائهم فى حيٍّ جديد (الحى الحسني)، لتوسيع مضمار الإقامة الملكية. بحثت الرواية فى ملابسات هذا الحدث، بالعودة أولاً إلى نشأة الدرب فى بداية القرن العشرين، تشكّل بيوتات وطيئة وبسيطة، قطنتها ساكنةٌ قدمت أيام الاستعمار من مناطق من جنوبى المغرب بحثًا عن العمل بمدينة الدار البيضاء.
وقد أقُيمت هذه البيوتات على أرض كانت ملكيّتها تعود إلى حاجب ملكى اسمُه اعبابو، كان يعمل بداية القرن الماضى حاجبًا للسلطان مولاى يوسف.
كما بحثت الرواية فى ملابسات الحدث، بالبحث فى الوثائق وجمع شهادات بعض من عاشوا وقوعه، وتنويع محافل الرواية ومصادرها، وعبْر تخييلٍ أضفى على حدث الرحيل، بُعدًا مجاوزًا لواقعيته المفُترضة، ومتعدّيًا لماديته المشهودة، واستكناه، كما سنرى، ما انطوى عليه من أبعاد «لا واقعية» و «لا معقولة».
2- هكذا إذن، قاربت الرواية حدثَ رحيل الساكنة، توثّقه، وتستقصى الواقعَ وشهادات الغير. أما حين يعُوِزُ الواقعُ وتَقصُر الشهادة، فإن الرواية تستعين، كما يقول كاتبُها، بالخيال، لسدّ ثقوب الواقع ومَلء ثغراته.
وبالكشف عن هذا المسعى الجمالى، أضفَت الرواية على موضوعها وضعًا مفارقًا. فالمكان الذى تكتب عنه، لم يعد موجودًا، أصبح عدمًا، والحيواتُ التى كانت تقطن فيه، تحيا وتعيش، طوى أغلبَها النسيان أو واراها الغياب. لذا صدرت الرواية عن رؤيا مفارقة، جهدت من خلالها فى إعادة الحياة لمكانٍ زائل، بماديته الصلبة، بأحيائه وبيوتاته، بموقعه الذى يفرزه عيانًا، مثْبتًا بحدوده الجغرافية، على سطح خريطة الأمكنة المجاورة، وبحيوات ساكنته، بحكاياتها وسلوكياتها اليومية، وقتَ أن داهمها الرحيل؛ لعمرى حدثٌ جلل، أربك وجودها وعصفَ بسكينتها الألوفية، فكان أن تفاعلت معه، بترقّبٍ وخوفٍ وتوجّس، بيأسٍ وامتثال، بالشكوى والضّراعة، برفض ضمرته، وعبر تمثلّات تمتح من معين متخيَّلٍ شعبى جماعى مشترك، لم يُسعفها على استيعاب فداحة الحدث، وإرجاءِ وقوعه الحتمي.
لقد سلكت الرواية، فى إحدى محطاتها الحكائية الفارقة، منحى الحبكة « البوليسية» القائمة على التحقيق والتشويق، واستنطاق الآثار الدّارسة والعلامات الحائلة لاستجلاء «الحقيقة»، حقيقةِ ما حدث، بعد أن انبرى الكاتب الذى «ثبَت» لديه خلط ٌوإبهامٌ فى استعادة الوقائع من قبِل محافلَ روائيةٍ أخرى، إلى إجراء مقابلات مع أشخاص ( رواةُ أمثال النبّاش، ابن أمين النّجار..)، ساعدوه على تجميع المعلومات وتدقيقها ونخْلها، سعيًا إلى بناء الحدثِ بعناصره الموثوقة.
بيد أن هذا المسعى الذى استغرق فصولاً من الرواية، لن يلبث أن يصطدم ب «القدرة الغرائبية واللاّواقعية» التى ينطوى عليها الحدث. إذ لن يلبث هذا الأخير أن يفلِت من زمام الرصد والتدقيق وإعادة البناء، كى يستعيد زخمّه اللاواقعى ولا معقوليتَه الفاحمة، وينفُر من محاولة «عقله» وتوثيقه. إنه، بمعنى ما، الوجهُ المنقلبُ للحدث، جانبُه المضيءُ والمُعتِم، المتحققُ و«المحتمل»، القابلُ وغيرُ القابلِ للتصديق فى آن؛ مسعًى مستحيل إذن، يحتار الكاتبُ فى شأنه: «هل هو كابوسٌ ما أتخبّط فيه أم واقع صخر».
لقد أعادت الرواية الحياة لهذا الدرب أساسًا من خلال بعثه (الطوبوغرافي)، وتصميمه فى خريطة المدينة تمشى فى أزقّته وقد أصبح أثرًا بعد عين، أمعنت الرواية بإلحاح متواتر، شبهِ عُصابى، فى تدقيق إحداثياته، وتثبيت معالمه، لاستبقائها حاضرةً وماثلةً.
وأيضاً، من خلال بعث الحياة فى الدرب، عبر إسناد السرد لشخصياتٍ عاشت فيه، وتمثيل حيوات ناسِه، فى معيشها، وبواسطة لُغاتها وخطاباتها الشفوية، وإدراكاتها ومتخيّلها الجماعى، دون فلكلرة أو نزوع غرائبي، الكلّ يرْشَحُ بأتراحها وأفراحها، فيما أفقُ عيشها أضحى مُدلهِمًّا، بنُذُر عاصفة.
تبعًا لذلك، التقطت الرواية وضعيةَ الدرب، وفق دينامية متصاعدة، وعبر منظور شخصياته (بوفارس، فاتح، الفقيه التّاودى، ميلود العشّاب، العسكرى، جعفر النباش، لهراوية..الخ) ، تناوبت على الحكى والتعليق والمناجاة والتبتل، أحياناً، رجعُ صدى الوقع المتنامى للحدث، بدأ شائعةً، ثم أضحى حقيقةً، أقوى من فرضية صادمة.
وقادت الرواية جَماع هذه الأصوات، بما فيها أصواتُ كائنات جامدة، بحسٍّ يمزج الهزْلَ بالمأساة، صنيعَ قائد أوركسترا، يرتّب بوليفونية آلاتِ العزف، أعنى بوليوفونية الرواية، كى يمضى بها، دون نشاز، إلى العزف الأخير(الكرشندو)، هو اللحنُ الذى أنهى، بضربة لازِب، وجودَها بالدرب.
بيد أن الرواية، بصنيعها هذا، تعى سطوةَ العدم، وتزِن محاذيرَ مطاولته. ولعله المعنى الذى اختزنه مسبقًا الجزءُ الثانى من عنوان الرواية (36).
ثمّة شخصيةٌ رئيسةٌ فى الرواية، وأحدُ سُرّادها المميزين، تعكس المآل الذى يُفضى اليه الإصرار على استدامة علاقةٍ بمكان مُحى من الخريطة الشاسعة والبشرية للمدينة وبُتر منها، هو وناسه، طبعًا، ويا للمفارقة، كان من معالمها. هو «بوفارس»، شخصية متبصّرة، حدست منذ البداية، ثم وعت بدون أوهام، المصيرَ الذى ينتظر الدرب.
لكنها ستُصاب لاحقًا بما يمكن أن نسمّيه، ب «رضّة فقدان المكان»، فأصبح الشخص منشطِرًا، على حافة الجنون، إن لم يكن جُنَّ بالفعل، يعيش دون تمييز، بين المكانين، المكان القديم الأول، ومكان الإقامة الجديد. يعانى مما يمكن وصفه أيضا ب « عُصاب إنكار الأمر الواقع» ، بالإصرار على أنه يقيم، لايزال، فى درب الحاجب، وليس فى الحيّ الجديد (الحى الحسني).
استفحلت وضعية بوفارس بعد أن لم يتمكن من الحصول على شهادة السّكنى لقضاء أغراض إدارية طارئة، لكونه ليس محسوبًا على الحيّ الجديد، يأبى الاعتراف لنفسه بأنه أصبح واحدًا من ساكنيه، كما يستعصى عليه فى الآن، إثبات سكناه فى حيّ لم يعد له أثر فى خرائط المدينة وفى وثائق الادارة، بل ولم يَعُد له حضورٌ فى ذاكرة الجماعة.
سينتهى الأمر ببو فارس إلى اللجوء إلى صديق قديم، حمدان لحريزى، يعمل فى إدارة سرية، بمصلحة « تقييد النفوس»، تحتفظ وتصون المعلومات، قديمها وحديثها، كى يطلب المساعدة على إثبات انتمائه لمكان لم يعد.
هى وضعيةٌ تنضح فى الوقت نفسه بالملهاة والمأساة، تفتح الرواية إبدالاتها، وقدراتها على التخييل والابتداع، لتستوعبها، وتستوعب غيرها من وضعيات انطبعت بدورها بالمروق والخبل والجنون.
منها محكيُّ فاتح، الذى التحف بجنونه ليقاوم الرحيل، بالصراخ عاريًا، وبالقهقهات العالية، وبتدوين أقوال ابن خلدون تنتقد العَسف والجَوْر وتمريرَها على الورق الذى يستعمل فى بيع الزرّيعة والفستق، قصد التداول الواسع؛ وأيضا المحكيّ الطريف لمجانين برشيد، اشتعل حريق فى المشفى الذى يؤويهم وفى وثائقهم الشخصية، فأصبحوا مشردين بلا هوية، فلجأوا بدورهم إلى الإدارة السّرية، لاستخراج البيانات التى يستعيدون بها هويتهم المفقودة. فضلاً عن المآلات المجنونة لشخصياتٍ أخرى.
4. فى هذا السّياق، لم يشأ الكاتبُ تركَ قارئه بعيدًا عن التصورات والانشغالات الجمالية التى انتظمت وفقها كتابةُ روايته الجديدة.
وافتراضًا رواياتٍه السابقة. منها علاقة الكتابة بالجنون، أو بممارسة ما يسميه ويكتبه من قبيل الميتا خطاب « الشّطط ضد العقل للانتقال إلى كوكب حياة غير مسبوقة. ما يعنى ان الكتابة هى فى الأصل مشروع « مجنون»، لأنها لا تتطابق، مبدئيًا، مع الأشياء، أو تتماهى وتتماثل مع واقع الحال. هى خطُّ انفلاتٍ وجنوحٍ وانطلاق.
من لا يَعى ذلك قراءةً أو كتابةً، يجدر به أن يغادر مضمارَ الرواية ويكتفى بنتاجات العقل و «الحس العام» ما باليت يومًا بمطابقة الخيال للواقع، أو قصورِ الثانى عن الأول، إذا كان أحدُهما موجودًا بقوته المادية، والثانى متصوّرًا وراء ما تُدركه الأبصار، فهُما معًا عند الكاتب نِتاجُ إرادةٍ وثمرةُ جنونٍ لا بد منه، شططٌ ضد العقل، لننتقل إلى كوكب حياة غير مسبوقة، يجب.»
فقد أوْلت الروايةُ عناية خاصة بالقارئ. تخاطبه باعتباره شريكاً فى الكتابة، وليس قارئًا تابعًا، يستهلك المنتوج، دون أن ينفُذ إلى الأهم: كيفية إنتاج الرواية أو طريقة صنعها.
لذا غالبًا ما تلجأ رواية أحمد المدينى إلى كشف لعبها وعرض صنيعها وطرائق صنعتها، تُعلّلهما بخطابات ميتا روائية، تَشِفُّ عن منظورها للكتابة، تضع القارئ فى قلب مختبرها، تشاطره أحيانًا الحيرة والتردد اللذين ينتابان كاتبها، خاصة حين يُشرف على مفارقها الكبرى، حيث تجد الكتابة نفسها مجبرةً على الاختيار، اختيارَ مساراتها وحسمها، واستبعادَ غيرها، شأنَ ما تفعله كلُّ كتابة، فى طور تناميها، تُجبر على تقليص ممكناتها، والحدِّ من احتمالاتها، والاقتصارِ عنُوةً على بعضها دون البعض الآخر. إنه مختبر تخلّق النص وبناء معماره وصياغته وتطوره إلى أين ولماذا وكيف، ما يعنى للنقد أننا مع كاتب يعى ويقنع أن الرواية جنس أدبى له ضرورته.
كذلك فعل الكاتب، حين اضطر إلى الاختيار بين تمديد علاقة حمدان لحريزى (صاحب مشروع السّيرة الذاتية)، بابن خالته عبد الواحد والاسترسال فى حكايات قاطنى الأمراض العقلية فى برشيد؛ أو العودة بحمدان لحريزى إلى الدار البيضاء، وإلى مكان عمله، كى يشرع الرواية على أبعاد حكائية أخرى، مازالت تتلامح فى ذهنه أو مخيلته، لكنها تبدو «ألصقَ بفضاء وشخصيات وهموم الرواية التى تُبنى وتكتب تحت سمعكم وبصركم.» هذا، مع ترك صفحة بيضاء للقارئ الذى « لم يعجبه سردنا»، يدوّن فيها اقتراحاته البديلة.
3- يتأكد هذا المسعى فى إفصاح الكاتب لقارئه عن المنطلق الجمالى الذى اعتمده لكتابة روايته؛ ما قد يساعده على عبور مفاوزها ودروبها الوعْرة، إن هو استمات وقبل هِبته الجمالية.
يدرج الخطاب الميتا روائى جماليات الرواية، فيما أصبح الآن تقليدًا، اجترحه فرانز كافكا (تُحيل عليه الرواية ص 331)، والذى فتح، حسب ميلان كونديرا « ثغرة فى جدار الاحتمال الواقعي»، وعثر على الجواب الأنسب لحل المعادلة التى تقتضى «التقاط الواقع والانغمار فى الآن نفسه فى لعب فانتازي»(les testaments trahis.Gallimard.folio.p.67.68) « الوصايا المغدورة».
دأب المدينى فى مجمل ما كتبه، على اعتماد جماليات تتأرجح على التخوم الزلقة بين الواقع واللاّ واقع، الواقع والخيال، الواقع والفانتازيا، باعتبارهما عنصرين متلازمين، تَلازُم التربة مع نبتتها البرية، شأن كُتّاب « يستعملون تربة الواقع لتفتيق الأزهار الغريبة» (سلمان رشدى فى حوار مع مجلة « بارى ماتش» عدد 20/8/2016).
هذا المنظور اختزله الكاتب فى مفهوم « الواقعية الافتراضية»، لتوصيف كتابة، لا تقف عند حدود واقعٍ مبتسر، ضحلٍ، محدودٍ ومنتهٍ، ملئٍ بالفراغات والثقوب، قاصرٍ عن استيعاب الغياب واللا مرئى والعدم. الكتابة وحدها تستطيع مطاولة هذا الرهان، بما رحُبت به من أدواتٍ فنية وحدوسٍ وجنون وأخيلة، كى ترتاد المفازات، مناطات العبور التى تنتزع الحياة من مخالب الزوال:
« بالنسبة لى فى روايتى قيد الكتابة الشئ ذاته وارد، إذ واقعى المشكوك فيه، غير الموثق، سأعوّضه بغيره، بما يملأ فراغاته، قررت ألا أستعمل فى حقه مصطلح تخييل (fiction), imaginaire، أعوّضها بواقع افتراضى لا بمعنى virtuel, وإنما أقرب إلى اصطلاحى المحتمل/الممكنle vraisemblable، سيعطينا ما لم نتوقع، روايةً واقعيةً افتراضية مركّبةً يظهر ويتواصل فيها الدرب الحاجب موجودًا وهو محجوب، ومحجوبًا وهو موجود، مكانًا وحياةً وأشخاصًا/شخصياتٍ ومصائر؛ فكيف يتفق هذا؟ هنا المعضلة، هيت لي!
(...) ثم إن الأخطر ومنه الأبهر فى الرواية أن الحياة تمضى والبشر يفنون، فيما هى إن اقتدرت، وحذِقت واستوعبت وتمثلت، وعت وأحست ورأت خاصة رؤية ورؤيا تصبح الضِّعف وتبقى، تشتمل الواقع وما تحته وفوقه، فتجمع الحاضرَ والغياب والحى والفانى فى أضمومة؛ وهذا ما أريد للرواية، وأتمنى أن أحقق ب ( الواقعية الافتراضية) لـ « درب الحاجب» البقاء الأدبيَّ الأطول، وسأعترف أن من واجبى أن أفعل من أجل أصدقاءٍ وناسٍ بسطاءَ كانوا هنا وكنا» ص 332.
يمكن أن نختم هذه القراءة بالتأكيد على أن خلف الاختيارات الجمالية للمدينى، تكمن اختياراتٌ ايطيقية، عقيدية أخلاقية ، تكرّس انحياز الرواية لمبدأ الحياة، بالتجاسر على الزوال، لاستبقاء ما مضى، واستدامة ما انقرض. كذلك مصير حى الحاجب، فبعد ان انمحى موقعُه من خرائط المدينة، وغاب أثرُه من أرشيفات الإدارة ووثائقها، وتناسته الذاكرة الجماعية، استضافته الرواية، بتوثيقها وتخييلها، بمروقها وجنونها، لتعيده إلى الحياة من جديد، إلى موقعه الأول، المرسوم فى الخرائط المفقودة، ولتبتعث «أجداث» و«رميم» سكانه (من ثمة بُعدها «القيامي») كى تنبض مرة أخرى، بالأتراح والأفراح، بالمشاعر المتضاربة، بالآمال والمخاوف والخيبات .
هى حياةٌ ثانية، تهَبها رواية المدينى لدرب الحاجب، بفضلها، يظل باقيَا أبدًا فى مراتع وأبهاء المتخيل الروائى المغربى والعربى.
وماذا تستطيع الرواية غير ملاحقة الزوال والزائل، الإنسان والمكان، ومواجهة الفناء بالسّرد الحى ووهم البقاء: رؤية المدينى الروائية.
هكذا صنع «العديسى» مستقبلى
يا من كنت صديقى!
القصيدة فأس صغير يهذب به وجه العالم





