إنها مصر

محاولات التهجير ليست جديدة!

كرم جبر
كرم جبر


تصريحات الرئيس الأمريكى التى أثارت ضجة حول التهجير ليست جديدة، تعرض لمثلها الرئيسان أنور السادات وحسنى مبارك، وكانت ردودهما قاطعة، ولكنها ليست بحجم الضغوط التى تحدث الآن، ويتصدى لها الرئيس السيسى بقوة ووراءه جموع المصريين.
الذى تغير الآن هو الخلل الرهيب فى موازين القوى، وخروج معظم مفردات الردع العربى من المعادلة، وبقاء قوة الردع المصرية وحدها فى مواجهة المخاطر، وليس معنى امتلاك عناصر القوة استخدامها فى الحروب، ولكن أن يخشى العدو أن يستفزك للمواجهة.
أيام الرئيسين السادات ومبارك لم تكن إسرائيل بهذا القدر من التبجح والعربدة، فلا تقيم وزنًا للمجتمع الدولى وتضرب بالشرعية الدولية عرض الحائط، ولم يكن الربيع العربى قد تمكن من تحطيم الجيوش العربية، وإدخالها فى حروب وصراعات أهلية، ولم تكن أمريكا بهذا القدر من الانفراد بتقرير مصير النظام الدولى الأحادى.
وضرب الربيع العربى نظرية الأمن القومى العربى فى مقتل، وانصرفت كل دولة إلى إعادة تحديد المخاطر التى تهدد أمنها، ولم تعد إسرائيل فى الصدارة، وانعكس ذلك على مقررات القمم العربية والإسلامية التى باتت أقرب إلى التمنيات، التى لا ترتبط بموازين الأحداث على أرض الواقع.
وفى ظل هذا الارتباك الشديد فى الأوضاع الإقليمية والدولية، حدثت عملية السابع من أكتوبر دون حسابات واقعية ممن خططوا لها ونفذوها، وبحساب الأرباح والخسائر والنتائج فهى عملية انتحارية، رجعت بالقضية عشرات الخطوات إلى الوراء، ولم تتقدم بها إلى الأمام.
وتحملت مصر والرئيس الأعباء بقوة وشجاعة، وتصدت للخطط التى خرجت من الأدراج للتهجير، وكانت تنتظر الظروف المهيأة للتنفيذ، والانتهاء إلى الأبد من شىء اسمه القضية الفلسطينية، وتوزيع الفلسطينيين على مصر والأردن، وضم الضفة والقطاع لإسرائيل الكبرى، وبهذا تنتهى المرحلة الأولى من الشرق الأوسط الجديد، الذى تكون فيه إسرائيل القوة العظمى فى المنطقة.
وبحجم هذه المؤامرة الكبرى تأتى الضغوط على مصر، لإرغامها على قبول الأمر الواقع، دون أن يعملوا حساب رد الفعل، وهو ما تأكد منه الرئيس ترامب بعد تصريحاته عن التهجير، وأنه لا يقدم حلولًا للمشكلة، بل يفجر الأوضاع تمامًا فى منطقة لا تحتمل مزيدًا من التفجير، وأن بلاده لن تنأى عن الخطر.
دول الشرق الأوسط لن تكون صديقًا لأمريكا إذا ناصبتها أمريكا العداء، ووصلت الرئيس ترامب رسالة شديدة الوضوح بأن الدول العربية الكبرى والمؤثرة، ترفض التهجير بكل صوره وأشكاله، وأن الحل هو العودة إلى المشكلة الأصلية، وإقامة الدولة الفلسطينية، وإقرار حق كل شعوب المنطقة فى العيش فى سلام وأمان.
ومصر فى القلب والرئيس يحمل القضية بكل أبعادها وتعقيداتها، ويدعمه مخزون استراتيجى من تجارب الدولة التى تكسرت على صخرتها كل مؤامرات التهجير، ويصطف وراءه شعب لن يفرط فى شبر واحد من سيناء.