يواصل الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 251: « فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ « قائلا: إن قوله تعالى: «لَفَسَدَتِ الأرض» فى هذه الآية، وقوله تعالى هناك «لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ» أى أنه ستفسد الأرض إذا لم تقم الصوامع والبيع والصلوات والمساجد؛ لأنها هى التى تربط المخلوق بالخالق. وما دامت تلك الأماكن هى التى تربط المخلوق بالخالق فإن هدمت.. يكون الناس على غير ذكر لربهم وتفتنهم أسباب الدنيا.
فالأديرة والكنائس والصوامع حين كانت والمساجد الآن هى حارسة القيم فى الوجود، لأنها تذكرك دائما بالعبودية وتمنع عنك الغرور، وهى من السجود الذى هو منتهى الخضوع للرب، نخضع بها لله خمس مرات فى اليوم والليلة؛ فإن كان عند العبد شيء من الغرور لابد أن يذوب، ويعرف العبد أن الكون كله فضل من الله على العباد؛ فلا يدخلك أيها المسلم شيء من الغرور.
اقرأ أيضًا | خواطر الشعراوى| تمحيص المدافعين عن الحق
فإذا لم يدخلك شيء من الغرور استعملت أسباب الله فى مطلوبات الله. أما أن تأخذ أنت أسباب الله فى غير مطلوبات الله فهذه قحة منك. فإذا كان الله قد أقدر يدك على الحركة فلماذا تعصى الله بها وتضرب بها الناس؟ والله أقدر لسانك على الكلام، فلماذا تؤذى غيرك بالكلمة؟ إن الله قد أعطاك النعمة فلا تستعملها فى المعصية.
قال الله تعالى فى هذه الآية: «لَفَسَدَتِ الأرض» وشرح ذلك فى قوله تعالى: «وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً» فهذه الأماكن هى التى تبقى أصول القيم فى التدين. (وأصول القيم فى التدين) غير (كل القيم فى التدين)، ولذلك نحن قلنا: إن الحق سبحانه وتعالى جعل للإسلام خمسة أركان، وهى التى بنى عليها الإسلام.
ولابد أن نقيم بنيان الإسلام على هذه الأركان الخمسة، فلا تقل: إن الإسلام هو هذه الأركان الخمسة، لا؛ لأن الإسلام مبنى عليها فقط فهى الأعمدة أو الأسس التى بنى عليها الإسلام.
فأنت حين تضع أساسا لمنزل وتقيم الأعمدة فهذا المنزل لا يصلح بذلك للسكن، بل لابد أن تقيم بقية البنيان، إذن فالإسلام مبنى على هذه الأسس.
والحق سبحانه وتعالى يوضح ذلك فيأمر بالمحافظة على أماكن هذه القيم؛ لأن المساجد ونحن نتكلم بالعرف الإسلامى هى ملتقى فيوضات الحق النورانية على خلقه، فالذى يريد فيض الحق بنوره يذهب إلى المسجد. إذن لكيلا تفسد الأرض لابد أن توجد أماكن العبادة هذه، فمرة جاء الحق بالنتيجة ومرة جاء بالسبب.
ولماذا يدفع الله الناس بعضهم ببعض؟ لأن هناك أناساً يريدون الشر وأناساً يريدون الخير، فمن يريد الشر يدفع من يريد الخير، وإذا وقعت المعركة بهذا الوصف فإن يد الله لا تتخلى عن الجانب المؤمن الباحث عن الخير، فهو سبحانه القائل: «وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ» «الحج: 40».
أى إن المعركة لا تطول. ولذلك قلنا سابقا: إن المعارك التى نراها فى الكون لا نجد فيها معركة بين حقين؛ لأنه لا يوجد فى الوجود حقان، فالحق واحد، فلا يقولن أحد: إنه على حق وخصمه على حق.
لا، إن هناك حقاً واحداً فقط. والمعركة إن وجدت توجد بين حق وباطل، أو بين باطل وباطل.
والمعركة بين الحق والباطل لا تطول؛ لأن الباطل زهوق. والذى يطول من المعارك هى المعارك بين الباطل والباطل؛ فليس أحدهما أولى بأن ينصره الله.
فهذا على فساد وذاك على فساد، وسبحانه يدك هذا الفساد بذاك الفساد. وحين يندك هذا الفساد بذاك الفساد، فجناحا الفساد فى الكون ينتهيان. ويأتى من بعد ذلك أناس ليس عندهم فساد ويعمرون الكون.
والمعارك التى تدور فى أى مكان تجد أن هذا الطرف له هوى والآخر له هوىً مختلف. ولا يقف الله فى أى جانب منهما؛ لأنه ليس هناك جانب أحمق بالله من الآخر؛ لذلك يتركهم يصطرع بعضهم مع بعض، ومادام الحق قد تركهم لبعضهم البعض فلابد أن تطول المعركة.
ولو كان الله فى بال جانب منهم لوقف سبحانه فى جانبه. وكذلك نرى فى معارك العصر الحديث أن المعركة تطول وتطول؛ لأننا لا نجد القسم الثالث الذى جاء فى قوله سبحانه: «وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا على الأخرى فَقَاتِلُواْ التى تَبْغِى حتى تفياء إلى أَمْرِ الله فَإِن فَآءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بالعدل وأقسطوا إِنَّ الله يُحِبُّ المقسطين» «الحجرات: 9».
الأزهر نموذج للحوار والتعايش ودوره اليوم أهم من أى وقت مضى
الزواج ميثاق غليظ| العنف الأسرى خطر يهدد استقرار الأسرة والمجتمع
لماذا أعاد المنشاوى تسجيل ختمته المرتلة؟







