عـامر تمام
بحذر وترقب، تتعاطى الصين مع التطورات المتسارعة فى الداخل السورى خاصة سقوط نظام الرئيس بشار الأسد، لم تصدر الصين موقفا سياسيا صريحا يدين أو يؤيد سيطرة هيئة تحرير الشام على الحكم فى سوريا، لكنها أكدت على حرصها على ضرورة تحقيق الاستقرار فى البلد الذى مزقته سنوات من الفوضى.
خلال الحرب الأهلية فى سوريا، تمسكت الصين بمبدأ عدم التدخل، لم تغير موقفها بعد سقوط الأسد، حيث أكدت الخارجية الصينية أنها تعتبر أن مستقبل سوريا ومصيرها يجب أن يقررهما الشعب السوري، معربة عن أملها فى أن تتمكن جميع الأطراف المعنية من إيجاد حل سياسى لاستعادة الاستقرار والنظام فى أقرب وقت ممكن. يعكس هذا الموقف البراغماتى مدى احتفاظ بكين بنهجها القديم بعدم التدخل فى الأزمات فى الشرق الأوسط. لكن هذا لا يخفى قلق الصين مما حدث من استيلاء منظمة إرهابية على الحكم فى سوريا، وسقوط نظام الأسد الذى كان إلى حد ما يلقى دعما سياسيا صينيا، لاسيما فى مجلس الأمن.
على مدار العقد الماضي، لم يكن هناك شراكات اقتصادية كبيرة أو ذات مغزى بين بكين ودمشق، لم توقع الصين أى عقود أو استثمارات كبرى فى سوريا منذ عام ٢٠٢٠.
كما أن التجارة الثنائية بين البلدين بلغت ذروتها خلال السنوات الخمس عشرة الماضية فى عام ٢٠١١، عندما وصلت قيمتها نحو مليارى دولار، لكنها فى عام ٢٠٢٢ تدهورت لتصل إلى ٥٤١ مليون دولار، كما أن المؤسسات الصينية لم توقع عقود استثمارات كبرى فى سوريا منذ ٢٠١٠.
على الصعيد الاستراتيجي، تولى الصين أهمية لسوريا فى مشروعها للمنطقة لاسيما فى مبادرة الحزام والطريق التى انضمت إليها فى ٢٠٢٢، كما أن الأسد زار الصين فى سبتمبر ٢٠٢٣، حيث وقع خلال هذه الزيارة على اتفاقية شراكة استراتيجية بين الصين وسوريا. من المعروف عن بكين أنها تتعاطى بديناميكية مع الأوضاع فى الشرق الأوسط، لكن ما يعقد المشهد فى سوريا هو استيلاء هيئة تحرير الشام التى تضم مقاتلين أجانب من بينهم كتيبة لمقاتلين صينيين من أقلية الأويغور على السلطة.
مع بداية الحرب الأهلية فى سوريا شارك مقاتلون من الأويغور ـ هم أقلية مسلمة تتواجد فى إقليم شينجيانغ غرب سوريا على الحدود مع أفغانستان ـ فى القتال إلى جانب تنظيم القاعدة ضد الحكومة السورية. شارك العديد من الإرهابيين الأجانب من بينهم مصريون فى القتال فى سوريا،لكن تعيين الإدارة الجديدة فى سوريا مقاتلين أجانب من بينهم إرهابى مصرى وآخر من الأويغور فى الجيش السوري، لا يبشر بالخير.
ما يزعج قادة الحزب الشيوعى الصيني، احتمال عودة المقاتلين الصينيين فى سوريا إلى ديارهم، وهذا ما أكده أحد هؤلاء المقاتلين خلال مقابلة مع وكالة أسوشيتدبرس فى عام ٢٠١٧ ردا على سؤال حول سبب مقاتلته نظام الأسد حيث قال «لم نكن نهتم بكيفية سير القتال أو من هو الأسد. لقد أردنا فقط أن نتعلم كيفية استخدام الأسلحة ثم نعود إلى الصين». ثمة مبعث آخر لقلق الصين مما يحدث فى سوريا، وهو الخسارة التى لحقت بشريكيها الروسى والإيرانى لنفوذهما فى سوريا مع انهيار نظام الأسد. ضعف روسيا أو إيران يقلق الصين التى ترغب فى شركاء أقوياء لمواجهة الولايات المتحدة ما يساعدها فى تحقيق هدفها بوجود نظام دولى متعدد الأقطاب.
تكمن الحكمة الصينية فى أنها لا تتدخل فى النزاعات الداخلية للدول، ولا تقف مع طرف ضد آخر، غير أنها تدعم الأنظمة المعترف بها فى الأمم المتحدة، هذه المواقف تمنحها فرصة للتعامل مع الأنظمة البديلة. قادة الحزب الشيوعى الذين قاموا بتفاهمات مع قادة طالبان فى أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي، ونجحوا حتى الآن فى تحييد مخاطر الإرهاب على حدود البلاد، ليس لديهم مشكلة فى أن يقوموا بالفعل نفسه مع هيئة تحرير الشام الإرهابية إذا أوقفت دعمها للإرهاب وسلمتها المقاتلين الصينيين، وهو أمر من المستبعد أن تقوم به الإدارة الجديدة.
أيضا احتمالات تعثر جهود الإدارة السورية الرامية لعودة علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى قد تدفعها للوصول إلى تفاهمات مع الصين فى إطار بحثها عن الشرعية الدولية.
باختصار، فقدان الصين لنفوذها فى سوريا، لا يقوض وجودها فى منطقة الشرق الأوسط أو يهدد علاقاتها الإقليمية الهامة، لكنه بكل تأكيد يثير مخاوف أمنية ويربك حساباتها الإقليمية. من المحتمل أن تستغرق بكين بعض الوقت لمراقبة الوضع الداخلى للبلاد وبنية علاقات القوى الإقليمية مع النظام الجديد قبل التكيف مع الظروف الجديدة. فى نهاية المطاف، سوف تعمل الصين على تحقيق انتقال سلس فى علاقاتها من نظام الأسد إلى النظام الجديد، لكنها ستكون حذرة ومترقبة لمواقف الإدارة الجديدة وتأثيرها فى الأمن القومى الصيني.
اختبار صعب للهدنة| ضربات أمريكية - إيرانية متبادلة.. وأضرار بمطار الكويت
تصعيد بلا توقف| مايو الأكثر دموية فى غزة منذ بداية العام
ثلاثية حرب لبنان| مفاوضات.. مخطط إسرائيلى للجنوب.. وانزعاج أمريكى من تل أبيب







