«عورة فى الجوار »

عورة فى الجوار
عورة فى الجوار


أمير تاج السر

كانتْ الألقاب فى ذلك الوقت جزءًا هامًّا من الموروث القوميّ للبلاد، يُشتِّتها الكبار على الصغار، والصغار على الكبار، الساسةُ على المَسوسِين، والمَسوسُون على ساستهم، الشوارع على الأزقّة، والأزقّة على الشوارع، الباعة على مبيعاتهم، وماشطات الشعر على خصل الزبونات.

وقد أسهمتْ تلك الألقاب فى إحياء أنشطةٍ كثيرةٍ ودفْن أنشطةٍ أخرى، فانتعشتْ تجارة التنباك عندما لقّبه الباعةُ الجشِعون بسلطان الكيف، وتفوّقتْ لحوم القفص الصدرى على أقرانها عندما لقّبها الجزّارون بأطايب اللحم، وتزوّجتْ عشراتُ الفتيات زيجاتٍ مرتّبةً عندما لُقِّبنَ بالمبروكة وسيّدة أخواتها والعسل، وسكّر البيت.

أصبحتْ مقولة «النعناع فى الشاى عجب» عذرًا لتسويق أيّ نعناعٍ حتى ولو كان مرًّا. ودفع أحد الوجهاء مبلغًا كبيرًا من المال، اشترى به عدّة ألقابٍ، مثل الخزين والفنجرى ورجل البِر التى كان بعضها مملوكًا للدولة، وبعضها عند لاعبى الكرة أو عامّة الناس.

أضافها إلى وجاهته وصار يتزيّا بها فى مناسبات عامّة وخاصّة. وبسبب تلك الألقاب أيضًا أُصيب الوطن بالغرور، لقّبوه بسلّة غذاء العالم، فوضع ساقًا على ساقٍ، ورمَدًا على عينَيْن، وصمغًا على أذنَيْن، وأصبح يغمز للعالم بسلّةٍ فارغةٍ.



وفى موكبه الحتميّ ليصبح عورة، رافقتْ سعيد الورّاق ألقابٌ عديدة، شكّلتْ مع لقبه الأول كلب الحرّ اتحادًا هازئًا ظلّ يُشاكس اسمه باستمرار.. يستخدمها المقرّبون، والبعيدون، وحتى الجهات الرسميّة، حين يستدعى الأمر وجودَه فى أحضان جهةٍ رسميّة.

ففى إحدى السنوات اكتشفوا مصادفةً تيسًا يُشبهه فى حظيرةٍ للماشية يملكها سليمان مختار عقارب. كان تيسًا مكيدةً، له النظرةُ نفسُها والأنفُ والشفةُ السفلى واللحية.

وحين نادوه: «يا كلب الحرّ»، حكّ لحيتَه فى حائط الزريبة، وخُيّل إليهم أنّه يبتسم، فغاص الشبه المجنون فى عيونِهم أكثر. حملوا الشبه، خبّوا به إلى سعيد الورّاق الذى كان فى ذلك الوقت غارقًا فى قضايا متشابكة، أغرقَه فيها ورَثةُ الماحى البلّال من سائقى خطّ الغرب ومساعِديهم.

كانوا يُطالبون بعربة البلّال وملابسه وأخطائه وحذائه المضفّر من جلد النمر، وابتكاره المؤثّر.. نظّارة العسل الأسود المضادّة للأشعة ما فوق البنفسجية، التى آلتْ جميعها إلى سعيد الورّاق، بناءً على وصيّةٍ علّقها البلّال فى ذمّة جنديٍّ مقعَد، وامرأةٍ عجوز وخفيرٍ نظاميّ، قبل أن تمتصَّهُ الغيبوبةُ فى إحدى نقاط التفتيش المروريّ فى خطّ الغرب. قال وهو يخطو بأصابعَ هلكى إلى أسفل أعناقهم:

«فى ذمّتِكُم يا شباب.. ابحثوا عن سعيد الورّاق كلب الحرّ، وأعطوه كلَّ شيءٍ». 

ثم سلّمهم ملابسَه ونظّارته ومفتاحَ عربته، وجهازًا لفحص السُكّر فى الدم، وستةً وعشرين اسمًا لنساء فى قرى ومدنٍ مختلفة، كنّ يعطفنَ على سفره ويُطعمنه النشوةَ متى ما حلّ عندهنّ. 

كان كلب الحرّ وريثًا شديدَ العضّ على ميراثه.. سار على خطى الماحى البلّال، وجدّدَ فى نهجه من قهرٍ للسفر، وصمودٍ أمام قطّاع الطرق، وتجديدٍ فذٍّ فى غناء البوق الكلاسيكيّ، حتى صار يلهث بالرقى وموسيقى البوب، والسلّم السباعى، فلم يمضِ عامٌ واحدٌ حتّى كانتِ الطُرق والمقاهى والتحيّاتُ والسلاماتُ ونقاطُ التفتيش المروريّ كلَّها تتأمّله وتهمس:

«كأنّ الماحى قام من رقدته وعاد».
ولمّا كانت الغيرةُ تُعشّش فى الماء والهواء واللبن واللحوم والخضراوات والعرق ومجالس البانجو والهلوسة، فقد أُصيب بها عددٌ كبيرٌ من سائقى خطّ الغرب ومساعديهم، وبدأت أعراضُها تتنامى حتّى وصلتْ إلى المحاكم.

وصل الشبه إلى كلب الحرّ فى ساعةٍ فاصلةٍ بين ساعات السفر. كان قد اختلطَ عنوةً بعددٍ من حمَلة جراثيم الإنفلونزا فى أحد المستشفيات العاصميّة، حتى يقلّدَ قاضيًا مزكومًا عطس فى المحكمة، فى إحدى الجلسات:

«رُفعتِ الجلسة».
تلقّاهم بعينَيْن محتَقِنتَيْن وأنفٍ باكٍ، ونحنحةٍ معقّدةٍ كانتْ خليطًا من نسجِ التبغ والإنفلونزا وضعوا الشبهَ بين يديه وعينَيْه واختلال تذوّقه. فى البداية شتَمَهم ثم ما لبثَ أن ضحكَ ضحكةً متقطّعةً، ودقّ على صدره ذى العظام المنفوشة فى ذلك الحين:

«أنا تيس سليمان».
وامتلكَ لقبًا هازئًا جديدًا.

كان شاخر سوار الشحّاذ قبل أن تجفَّ ينابيعَه، ويمتهِن مدّ اليد، دجّالًا عنيدًا، تعلّمَ الدجلَ فى مدرسة «أدوم» الواقعة فى قرية شبط عند حدود تشاد، وعاد إلى السيال مقدِّمًا تساهيل فى كشف المستور وإماطة الأذى والمعمول لم تحدُثْ من قبل. كان يَقبل القرشَ والقرشَيْن، وغداء العصيدة، وحتّى النكات المضحكة أحيانًا.

وكان يُسافر كثيرًا برفقة الورّاق إلى العاصمة والغرب عندما تنضب خاماته، أو تضعف ذاكرته، أو يستدعيه معلّمه القديم، لتلقينه حيلةً طازجةً.. وفى إحدى المرّات، وكانوا فى خلاءٍ بعيدٍ، نتفَ من رأس الورّاق شعرةً، قرأها بتأنٍّ ثم قال:

«داخلكَ جنّيُّ مهراجا».
فزحف لقبٌ فخمٌ إلى السلسلة.
ولمّا عاد الفقيه داود أقرع، من حجّته الأولى مبهورًا متلاحق الأنفاس، انبهر الناسُ بانبهاره، وتلاحقتْ أنفاسهم بتلاحق أنفاسه، وتطوّعَ كثيرٌ منهم للعمل جزّارين وطبّاخين وشحّاذين ومصبّاتٍ حيّةً لروحانيّاته، وذلك فى يوم الاحتفال الكبير الذى أقامَه. كان حديثه حبْلًا مكتِّفًا، وكان لسانه صيّادًا ماهرًا، وهو يُلقى بالحبل ذات اليمين واليسار.

ذلك اليوم تمنَّتْ الخراف لو وُلدَتْ نعاجًا حتى تنفذ من الذبح، السكاكينُ لو نجرتْ عصى، بسبب ما أصابها من كثرة الاستعمال، الزغاريد المطرودة من حلوق النساء لو كانتْ نواحًا من كثرة ما تناسلتْ وأفرختْ، وعيال الحرام تمنّوا لو كان لهم آباء يحجّون ويرجعون. كان يقول وهو يُلقى بعينيْه على إصبع ٍمبتورٍ فى رجله اليسرى:

«كلوا واشربوا، كفَّارة القديم والجديد، بعون الله تخلّصنا من حماقة الجعليّين وعُدنا».
كانتْ حماقة الجعليّين التى يقصدها تقليدًا متوارثًا فى تلك القبيلة المرابِطة فى أواسط البلاد، ابتكره مؤسِّسوها، بثّوه فى النُطَف والأرحام، وكلّ ما يخصُّ القبيلةَ من أكلٍ وشرب، وشراءٍ وبيعٍ، وزواجٍ وطلاقٍ وغناءٍ ورقصٍ، وتجارةٍ واستثمارٍ.. كانتْ زغرودةٌ نسائيّةٌ تكفى لدخول الجعليّ إلى نارٍ متأجِّجة، وكان غضبٌ عارضٌ يكفى لبتره إصبعًا، وحتّى يدًا أو ساقًا. وما زال الفقيه ولد أقرع يذكر، وبالرغم من مرور أربعين عامًا على ذلك، كيف اتّكأ على تلك الحماقة وبتر إصبعه عندما أهدى إليه نعلًا طليانيًّا أحدُ الزوّار العاصميِّين، وضاقتْ فردته اليسرى على رجله.

وبعد أن فرّ المك نمر، حاكم الجعليّين القديم، إلى الحبشة بسنواتٍ طويلةٍ، بعد أن أحرقَ قلبَ الخديويّة فى مصر، بعشائه الشهير الذى ضاع فيه إسماعيل باشا، فاتح البلاد، وحاشيته حين سوّر جلستهم بالقشّ وأضرم النار، قدِم آلاف الأحباش من الذين أعجبَهم التاريخُ الوطنيّ للبلاد، وأرادوا هتك عرضه.

دخلوا البلاد بنظراتٍ جعليّةٍ وخطواتٍ جعليّةٍ، وسراويلَ وقمصانٍ لا تُفصَّل إلّا فى شندى والمتمّة حاضرتَى الجعليّين، موقِنين باعتبارهم أحفادًا لذلك المك الذى عاش فى الحبشة، عائدين إلى ديارهم الأولى.

كانت قرصةٌ واحدةٌ فى آذان هؤلاء كافيةً لاكتشاف تجرّدهم من أيّ حماقةٍ موروثةٍ ونَفى جعليّتهم، وإدراجهم حفاةً فى قوائم لاجئى الحرب والمجاعات.

«عشاؤكم فى بيت الفقيه ولد أقرع». 
تدخّل صبيٌّ ملعونٌ جاء يلهث فى مزاج كلب الحرّ، وعدد من رفاقه كانوا ينْتَشُون فى بيت السرّة؛ إحدى دعامات المزاج المسكِر فى البلدة، غازلَهم تدخُّله فى لحظاتٍ كانت فيها نشْوتُهم لا تزال طفلةً. نظر بعضهم إلى بعض، واتّفقتْ نظراتهم على طرد الصبيّ وتدخّله وإكمال ليلهم حتى الفجر، وعندما عضّ الليل على حداده أكثر، وتقدّم بنشْوَتِهم العُمر وبدأت تخرّف، وقف كلب الحرّ صائحًا: 

«هيّا لنأكلْ عشاءنا عند ولد أقرع».

استقبلهم بيتُ الفقيه غارقًا فى ظلمة الليل والوقت، لا يُضيئه سوى الحجّ المبرور، والذنب المغفور، والسعى المشكور، وتلك النيران التى تخمد فى سلام بعد أن كفّتْ ووفّتْ.. كانتِ البلدة قد سهرتْ فى حدود السهرات الرزينة للريف، ونامتْ وفى أحلامها شظايا من انبهار داود وأمنيات مورّدة أن تحذو حذوه.. طرقوا البابَ بانتشاءٍ جلف، فجاءهم صوتُ الفقيه سخيًّا لكنّه متوتّر:

مَن بالباب؟
أنا قائد أركان الهمج.
قالها الصوتُ المُنتَشى لكلب الحرّ وتهاوى مترنِّحًا على الباب.
وفى تلك الليلة مُنحوا عشاءً خطابيًّا واعظًا، ومُنح سعيد الورّاق لقبًا هازئًا جديدًا. 
وبالرغم من كلّ تلك المذاقات المرّة التى تعرفُها البلدة كلّها، لم يكن أحدٌ يحمل ضغينةً ما تجاه كلب الحرّ.

لدرجة أنّ عربته كانتْ تمتلئ بالناس والبضائع، وأنّ عددًا من صبيّات البلدة، وعوانسها وأرامل فواجعها، قد وضعنَه على قائمة أمنياتهنّ.

وفى اليوم الذى كُتبتْ فيه الوقاحة بقلمه الغريب الأطوار، واهتزّت البلدةُ كلّها باحثةً عن الفاعل، لم يُفكّر أحدٌ فيه، كان بعيدًا وفى أفكار أخرى لا تمتُّ للعشق بصلة.