فى 20 يناير من كل عام يحيى تلاميذ مهندس الصحافة الكاتب الراحل الكبير جلال الدين الحمامصى ذكراه الساكنة فى نفوسهم باعتباره العلامة المعلم صاحب الفضل على أجيال درست على يديه بالجامعة الأمريكية وكلية الإعلام بجامعة القاهرة، دفع بهم لبلاط صاحبة الجلالة، فرح بنجاحهم ووصولهم للمراكز القيادية فى الصحف والمجلات المصرية والعربية.
اقرأ أيضًا| كنوز | 34 عاماً مضت على غياب «لورد» صاحبة الجلالة
الإثنين الماضى مرت الذكرى 37 لأول رئيس تحرير لجريدة «الأخبار» الأستاذ جلال الدين الحمامصى الذى غادر عالمنا بعد رحلة طويلة مع الأستاذية والشهرة والمجد فى 20 يناير 1988، وبرحيله اختفى عموده الشهير «دخان فى الهواء» الذى فجر فيه معارك صحفية كثيرة، انحاز فيه لقضايا الحرية وحق الرأى العام فى المعرفة والحياة الكريمة، وزرع الأمل فى نفوس الشباب، والباقى على قيد الحياة من تلاميذه - ومنهم كاتب هذه السطور - لا ينسى ما كان يجريه معنا من حواراتٍ تتسم بحرية النقد والتفكير، ولا أحد ينسى معاركه الصحفية والأزمة التى تفجرت بسبب كتابه «حوار وراء الأسوار» الذى صدر قبل 12 عاماً من رحيله وتسبب فى أزمة مع محبى الرئيس جمال عبد الناصر.
ويقول أستاذنا جلال الدين الحمامصى فى مقدمة هذا الكتاب: «هذا الكتاب ليس تاريخاً، ولا أحب أن يُقرأ على أنه استعراض تاريخى لفترة طويلة من حياتنا، ولكن يمكن القول بأنه عرض سريع - وأكرر كلمة سريع - لزاوية تاريخية مهمة عشتها بنفسى، وساهمت فى بعض جوانبها بجهد صحفى أحياناً وسياسى أحياناً أخرى، أو بهما معاً، وكل الوقائع التى وردت فى هذا الكتاب مُؤكدة، إما لأننى ساهمت فيها، وإما لأننى حققتها تحقيقاً دقيقاً التزمت فيه بالواقعية والأمانة، والزاوية التى ركزت عليها فى هذا الكتاب بصفة عامة هى نزاهة الحكم وحرية الرأى، وفاعليتهما فى نجاح النظام أو فشله، وإذا كان بعض الناس يعتبرون هذه الزاوية جانبية، ويرون أنها لا تؤثر على تكوين الهيكل الهندسى لنظام الحكم، فإننى اختلفت معهم فى هذا الرأى، وأؤمن بأنه لا بقاء لنظام لا تكون نزاهة الحكم ومحاسبة المخطئين أو المنحرفين من أكبر الأسس التى يقوم عليها، وكل الثورات العسكرية التى قامت فى القرن العشرين - وما قبل هذا القرن - كانت لمحاربة الفساد أو الرشوة أو الانحراف، ولست أدّعى أننى وضعت يدى فى مضمون هذا الكتاب على كل عيوبنا وأخطائنا أو إنجازاتنا أو وضعها على الحلول السليمة التى تصلح للتغلب عليها، وإنما أحس أننى ساهمت فى محاولة فتح الأبواب المغلقة، والدعوة إلى عمل موحد يخرجنا من الظلام الذى عشنا فيه طويلاً، إلى النور الذى نتعرف به على أعمالنا، ونتحسس طريقنا إلى الطهارة والحرية والعدل والمساواة، والكتاب يؤكد ما لمصر من تاريخ كفاح عريق، وعلى الشباب أن يربطوا بين ماضيهم البعيد.. وبين حاضرهم الذى يعيشونه، ومستقبلهم القريب».
اقرأ أيضًا| كنوز| صاحبة الجلالة تضىء 111 شمعة لأول رئيس تحرير لـ«الأخبار»
لم يكن ما يكتبه أستاذنا جلال الحمامصى مجرد «دخان فى الهواء»، كانت كل كتاباته جريئة وصادمة جداً، لأنه كان يتسم بالجدية والحيادية ونظافة اليد والضمير الوطنى، وكان يزرع كل هذه الصفات فى تلاميذه ويدربهم عليها بالجامعة الأمريكية وكلية الإعلام بجامعة القاهرة، ويرجع إليه الفضل فى تأسيس «وكالة أنباء الشرق الأوسط» بتكليف من الرئيس جمال عبد الناصر لتكون أول وكالة رسمية تنطق باسم مصر، وبتكليف من عبد الناصر أعاد هيكلة جريدة «الجمهورية» وانتشالها من أزمتها، وأسس مركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية بطلب من محمد حسنين هيكل، لكن كتاباته الجريئة جعلته يصطدم مع نظام الرئيس عبد الناصر، فتم منع عموده «دخان فى الهواء» عام 1961 من النشر، وأصدر الرئيس السادات قراراً فى يناير 1974 بعودة الحمامصى للكتابة، فكتب أول عمود بعد العودة بجريدة «الأخبار» يقول فيه : «لم يسبق لهذا القلم أن أحس برهبة الموقف، موقف مواجهة الجماهير كما يحس به الآن وهو يعاود الكتابة من جديد وتحت عنوانه القديم «دخان فى الهواء»، سر الرهبة التى تسيطر على هذا القلم هو أنه اختفى منذ 14 عاماً فى ظروف تعسفية.
واعترف بأننى أعود إلى لقاء القراء تحت ضغط من بعض الزملاء بحجة أن مناخ اليوم أحسن من الأمس، واعترف بأن بعض العقليات المسيطرة ما زالت تضيق بالنقد وترى فيه اتجاهاً هداماً وخروجاً على ما أسموه التزاماً، لكنى راجعت نفسى وعدت بذاكرتى إلى فترة قضيتها فى المعتقل مع السادات عام 1943 وجدت فيها أفكار هذا الرجل تتركز حول معنى كبير هو حرية الرأى، وضرورة إصرار كل فرد على الدفاع عن هذه الحرية مهما كان الثمن، ولما تولى السادات الرئاسة لم يتردد فى فتح أبواب الحرية المغلقة ليقول للناس: «تكلموا كما تشاءون فلا يخاف من هذا الكلام إلا العاجز، وأنا لست عاجزاً»..
ومن هذا الواقع الذى أعرفه أن العودة إلى ممارسة حق الكتابة والنقد أصبح أمراً مفروضاً على كل كائن يمارسها بصدق وأمانة، من الواجب على السادات أن يفتح أبواب الحرية كما تفرضها هذه الحرية. ذلك لأن عليه مسئوليات كبيرة وقد وضع بعد العبور خطوطاً لمشروعات كبيرة تحقق المستقبل الكبير لمصر، ولعلنا نشعر اليوم أن مشروعات الانفتاح والانطلاق التى رسمها السادات لم تجد عقولاً قادرة على دفعها إلى الأمام بالقدر الذى يهيئ لها المناخ الصحى المناسب، وكما أنه لا مكان للرهبة والخوف والتردد لأى قلم.
فإنه لا مكان للغضب من الثورة من جانب الدولة إذا واجهتها الصحافة، إن قلمى بعد فترة غياب إجبارية يحس أن الرهبة قد زالت عنه بعض الشيء، وهو يندفع إلى الطريق وبلا تردد بل بإصرار على عودة الحق، وإذا لم نستطع فإننا لا نكون جديرين بحمل الأقلام. وفى كل الحالات ما أحلى الرجوع إليه».
أول غرام لـ «باشا» السينما أبو دم خفيف
مرت علينا فى الثامن عشر من يناير الجارى الذكرى 70 لغياب باشا السينما النجم القدير سليمان نجيب نجل الأديب الكبير مصطفى نجيب، وخاله هو أحمد زيور باشا رئيس وزراء مصر، عمل قنصلاً لمصر فى اسطنبول، وكان أول مصرى يتولى رئاسة دار الأوبرا الملكية، ونقدم فى ذكراه مقالاً عن أول غرام له، ويقول فيه :

يعود بى الخيال حين أتذكر غرامى الأول عندما كنت تلميذاً بالسنة الثالثة الابتدائية بمدرسة سعيد الأول إحدى مدارس العروة الوثقى بالإسكندرية فى سنة 1903، كانت الجمعية يومئذ غريقة أفضال حاتم زمانه المرحوم أحمد المنشاوى باشا الذى منحها ألف فدان، فاحتفت بها مدارسها، وقوبل فى كل مكان بالخطب والهتاف بحياة المحسن الكبير وبالنشيد المعروف وقتئذ: «مصر العزيزة لى وطن.. وهى الحمى وهى السكن.. وهى العظيمة فى الزمن..
وجميع ما فيها حسن»، ولم يكن «جميع ما فيها» يوم وضع شوقى هذا النشيد قد أصبح كما هو الآن ! وانتهت الامتحانات السنوية باحتفال فخم فى إحدى مدارس الجمعية بباب سدرة، شرفه الخديو عباس حلمى الثانى، وخطب فيه المرحوم رياض باشا خطبته الشهيرة، وأحب فيه سليمان نجيب أول فتاة صادفها فى حياته، وقد بدأ هذا الحب على المسرح، وكأنما كُتب علىّ أن أولد للمسرح وأعيش فيه، فقد تضمن منهاج الحفل رواية تمثيلية من فصلٍ واحد يمثلها الطلبة والطالبات، من تأليف أستاذنا إلياس الأيوبى بك، وُزعت علينا الأدوار، وكان من نصيبى دور شقيق «جولييت» التى كانت أول فتاة صادفتها - أنا روميو - فى طريق الحياة، وشاء القدر أن يخفق روميو الأصيل فى تمثيل دوره فى الرواية فأخذت مكانه، وظللت طوال عشرة أيام أحفظ ما كتبه إلياس بك من غزل مهذب أناجى به جولييت أثناء «البروفات» وأضع يدى فى يدها، وأخاصرها فى بعض الأحيان، على أنه لم يمضِ إلا ثلاثة أيام من العشرة حتى غدوت مغرماً حقيقياً بجولييت، بل رحت أختلق على المؤلف وأزيد من عندى، فأحشر أهه هنا، وتنهيدة هناك !. وشهد البروفة الأخيرة الشيخ معوض أستاذ اللغة العربية، فكان تعليقه الوحيد عليها : «والله الرواية لا بأس بها، حوادثها شائقة، وإنما الولد سليمان نجيب ده بيمثل مضبوط أكثر من اللزوم»، ثم التفت إليّ قائلاً : «يا ريتك تحفظ دروسك كده.. جتك البلا !»، وسمعت جولييت تتمتم «بعد الشر» فغصت فى بحر الغرام حتى أتيت القرار، أما مَن هذه الفتاة فلست مجنوناً لأزيح عن اسمها الستار، وبحسب القارئ أن يعلم أنها الآن جدة، ترعى أسرة من أعرق الأسر بالإسكندرية، ولا أدرى الآن إن كانت تذكرنى، وتذكر العروة الوثقى، وتذكر 1903 التى كان «جميع ما فيها حسن» أو انطوى ذلك كله فى غياهب النسيان.
ورأيتها على بلاج سيدى بشر، واستطاع خيالى أن ينفذ خلال غبار السنين، إلى لونها الخمرى الحلو وعينيها الشرقيتين الفاتنتين، وقوامها الرشيق يوم أن كانت تقف معى على المسرح والذى حافظت عليها شابة وزوجة وما زال قوامها وهى جدة يتحدث عن ماضٍ جميل.. قبلة واحدة بادلتنى إياها عقب أن نزلت ستار رواية سنة 1903 وصفق لنا جمهور لا يقل عن الخمسة آلاف، قبلة واحدة مهدت لها الطريق تسع ليالٍ وعشرة أيام، قبلة واحدة ساءلت نفسى يومئذٍ أأستجديها أم أخطفها فحلت لى هى هذا الإشكال، وانتهزت فرصة الهتاف لسمو الخديو وهو منصرف واجتماع الكل حول سموه فقلت لها ويدى فى يدها : «أشوف وشك بخير بأه !»
قالت: «ليه ؟».. قلت: «أنا مسافر إلى القاهرة لألتحق بالمدرسة الناصرية»، تمنت لى النجاح، والتقت عيون تتصايح صامتة فى طلب القبلة، فتلاقت الشفاه خاضعة دون وعى لهذا الصياح. ثم قالت متنهدة: «حتوحشنى يا ممدوح وكان هذا اسمى فى الرواية !»، وسافرت بعد شهرين إلى القاهرة، وحال دون ذهابى للتطلع إلى نوافذها تطلع الوداع، وتقبيل «ذا الجدار وذا الجدار» ! أننى كنت أسكن فى محرم بك وكانت هى تسكن بحرى، وبين السكنين سفر وتكاليف وأهوال ونفقات انتقال لم تكن دائماً فى جيبى فى تلك الأيام، فى القاهرة بكيت يوم شاهدت سلامة حجازى فى دور «روميو» يصب غزله العنيف تحت نوافذ جولييت، فأرسلت لها خطاباً كتبته بدموعى واقتبست فيه ما تيسر من شعر شكسبير!
سليمان نجيب «آخر ساعة» 8 أكتوبر 1952
مصر بخير

■ أنا وأنت أخوات يا ابن بلدى ومصر أمنا
■ والنيل أبويا وأبوك والهرم الأكبـر عمنا
■ لا يقدر حد يفرقنا ويكون سبب فى غمنا
■ طالما الحب بيجمعنا دايما وبيلم شــملنا
بيكار
المرأة الوحيدة التى لا ينساها شارلى شابلن !
للفنان العملاق «شارلى شابلن» الذى أحبه الناس فى كل مكان منذ ظهوره رأى بليغ فى النساء يلخصه قائلا : «مهما يكن عدد النساء اللاتى يلتقى بهن الرجل فهناك واحدة لا ينساها أبدا، تستولى على اهتمامه سواء فاز بها أو لم يفز، يشعر بعدم الاستغناء عنها مهما مر الزمن !».

«شارلى» من مواليد 16 إبريل 1889 فى لندن، والده من أصل فرنسى وكان يعمل بالغناء ووالدته يهودية تعمل راقصة، ابتعدت عن المسرح حتى ولدت «شارلى» وعادت للمسرح تحيى الجمهور وهى تحمله على يديها، رحل والد «شارلى» وهو فى الثلاثين من عمره، فتجرعت الزوجة عذاب الفقر وعلقم المرض، كانت تكافح بحياكة الملابس لجاراتها رغم مرضها، وكانت الضحكات لا تنقطع فى الحجرة الصغيرة التى تأويها مع أولادها، ويقول «شارلى» عن أمه فيما بعد : «تعلمت منها كل ما أعرف، كانت أمهر مقلدة، تجلس إلى النافذة لساعات تحملق فى الطريق ثم تصور بيديها وملامحها كل ما تراه، لم أتعلم منها ترجمة العواطف بيدى وملامحى فحسب، وإنما تعلمت حرفية دراسة طبائع الناس، كانت فنانة ولم أكن أطمع فى أن أصل إلى مكانتها، أعطتنى كل ما ملكت، ولم تطلب شيئاً مقابل ذلك»!
ويقول إنه قرر أن يعاون أمه فى إعالة الأسرة، فذهب لیغنی ويرقص فى الحانات وهو فى الرابعة من عمره، شاهده «جاكسون» الذى كون فرقة «أطفال لا نكشير الثمانية» فقرر ضمه لها، عمل معه عامين أرسل خلالهما أجره البسيط إلى أمه، وعاد بعد انتهاء جولة الفرقة ليبحث عن أدوار صغيرة فى المسارح، فشارك فى رواية «بيتر بان»، ورواية يقوم ببطولتها الكوميدى اللامع «كارتو»، نام فى الكواليس انتظارًا لدوره ولما استيقظ حاول النطق فلم يستطع، انفجر يبكى وهو لا يعلم أن هذه الحادثة ستفتح له أبواب المجد الذى لم يكن يحلم به، وكان بينه وبين الفرقة عقد بثلاثة جنيهات فى الأسبوع، أسند له مدير الفرقة أدوار صامتة فى فترة علاج صوته نجح فيها نجاحًا خرافيًا، وعرف فى التاسعة عشرة من عمره الراقصة «هيتى» التى تعمل بالفرقة وتصغره سنًا، وقال عنها فى مذكراته : «كنت أشاهدها بمكياجها ولا أدرى كيف تكون بدون هذا المكياج»، اتفق أن يقابلها بعيدًا عن المسرح ليراها على الطبيعة، لبس البدلة المحبوكة السوداء والقبعة العالية والعصا الخفيفة القصيرة، ووقف ينتظرها لساعات وهو يدير العصا بين أصابعه فى عصبية، جاءت سيارة أجرة نزلت منها «هيتى» وأقبلت عليه متهللة فكانت أجمل مما كان يتوقع، قضى معها وقتًا سعيدًا، واتفقا على اللقاء كلما سنحت الفرص، وجاء أحد المتعهدين من أمريكا إلى لندن عام ١٩١٠، ليتفق مع عدد من الممثلين على جولة بالولايات المتحدة، ورأى المتعهد «سيدنى»، شقيق «شارلى» وأعجب به لكن مدير الفرقة تمسك به وقال له: «لماذا لا تأخذ أخاه بدلا منه»، فذهب المتعهد ليشاهد «شارلي» ولم ينصرف إلا بعد أن تعاقد معه، ولم يعلم «شارلى» بزواج «هيتى» وهو فى أمريكا !.. ويقول فى مذكراته : «عدت إلى لندن نجمًا يشاهد الملايين أفلامه، حجزت غرفة فى أحد فنادق بيكاديللی، لم أستطع الوصول للفندق بسبب زحام المستقبلين الذين جاءوا قبل وصولی بساعات ولم أكد استقر بالفندق حتى تسللت من بابه الخلفى، ركبت سيارة أجرة إلى المكان الذى اعتدت أن أقابل فيه «هيتى»، وقفت عند محطة الترام حيث كنا نلتقى، سائق السيارة نظر إلىّ وكأنه ينظر إلى مجنون، وتركنى وانصرف، لم أكن أحس ولا أرى أحدًا، غير صورة صبى فى التاسعة عشرة يقف فى بدلة محبوكة سوداء وقبعة عالية، وبين يديه عصا يديرها فى عصبية وينتظر لساعات، سمعت صليل عجلات الترام، فالتفت متوقعًا أن أری «هيتى» تنزل منه وهى تبتسم متهللة، نزل من الترام عجوزان، وسيدة سمينة وبعض الأطفال، ولا أحد بعد ذلك»!
«الكواكب» 24 ديسمبر1957
رسالة إلى ولدى
بقلم: أحمد أمين
أى بنى : إنى لأعلم أنك قد خلقت لزمن غير زمنى، وربيت تربية غير تربيتى، ونشأت فى بيئة غير بيئتى، كنت فى زمنى عبد التقاليد، وأنت فى زمن يكسرها، كنت فى زمن شعاره الطاعة لأبى ولأولياء أمرى، وأنت فى زمن شعاره التمرد على سلطة الآباء والمعلمين وأولى الأمر، تعلمت أول أمرى فى كُتَّاب حقير، نجلس فيه على الحصير، ويعلمنا عريف جبار، يضرب على الهفوة، ويعاقب على الخطأ والصواب، ويمرن يده بالعصا فينا كما تمرنون أيديكم على الألعاب الرياضية، وأنت تعلمت فى روضة الأطفال وكانت تشرف عليك آنسة رقيقة، تقدم لك تعليماً بالصور والرسوم والأناشيد، كنت أعيش فى كتَّابى على الفول النابت والمدمس، وأنت تعيش فى روضتك على اللبن والشاى والبسكويت والفاكهة.

تعلمت فى المدارس الفرنسية التى تنقل إليك الأساليب المدنية، وتربيت أنا فى وسط كله دين فى الكتب ودين فى الحياة ودين فى أوساطى كلها، وتربيت أنت فى مدارس وجامعات لا يذكر فيها الدين إلا بمناسبات واعتدال، نشأت فى وسط لا تذكر فيه السياسة إلا لمامًا، ونشأت انا فى وسط كله سياسة وإضرابات، نشأت فى وسط لا يعرف المرأة إلا محجبة، ولا يعرف فتاة إلا أن تكون قريبة، ونشأت أنت فى وسط تجالسك الفتاة فى جامعتك وتشاهدها فى أوساطك وقد أخذت من الحرية مثل ما أخذت؛ ولو عددت لك الفروق بينى وبينك، فى زمنى وزمنك، وتعليمى وتعليمك، وبيئتى وبيئتك، لطال الأمر، وكل هذا الفروق كانت جزئية، وبينى وبينك وجوه شبه أعمق من هذه المظاهر، فالتغيرات بين الناس مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة تغيرات سطحية وأمور عرضية؛ أما الإنسان فى جوهره والجمعيات البشرية فى نزعاتها الأصيلة فترجع إلى أصول واحدة، ومن أجل هذا كانت تجارب السلف تفيد الخلف.
أهم ما جربت فى حياتى أنى رأيت قول الحق والتزامه، وتحرى العدل وعمله، يكسب الإنسان من المزايا ما لا يقدر، واحتملت فى سبيل ذلك بعض الآلام، وضاعت عليَّ بعض المصالح، وبرغم ذلك استفدت أكثر مما خسرت، استفدت راحة الضمير، وثقة الناس بما أقول وما أعمل، واستفدت ماديًّا أكثر مما استفاد غيرى، ممن لم يلتزموا الحق ولم يراعوا الصدق والعدل، تواجدت فى أوساط كثيرة وعاشرت زملاء كانوا يرضون رؤساءهم أكثر مما يرضون ضمائرهم، ويقولون ما يعجب الناس لا ما يعتقدون أنه الصدق، ويرتكبون الظلم طلبًا للجاه والعلو فى المنصب، ربحوا قليلًا وخسروا الفضيلة والضمير، فازوا بقليل من الحظ العاجل تبعه كثير من الفشل الآجل، لو حسبت بالدقة ما كسبت وما خسرت وما كسب هؤلاء وما خسروا لوجدتنى أسعد حالًا وأوفر حظًّا، فإذا أردت أن تنتفع بتجربتى فالتزم الحق والصدق والعدل فى جميع أعمالك مهما تكن النتيجة، وتعلَّم أن تقول الحق فى أدب وتتحرى العدل والصدق فى لباقة، فمن غضب بعد ذلك كان الذنب ذنبه ولا ذنب عليك، ولا تتعجل النتيجة فقد تمس من الحق نارًا، ويهب عليك من العدل لفحة جحيم، وذلك أشبه ما يكون بالامتحان، إن صبرت انقلبت النار جنة واللفحة الحارة نسيمًا عليلًا.
رأيت كثيرًا من الناس يخطئون فيظنون أن المال هو كل شيء، فيبيعون أنفسهم من أجله، ويفرطون فى الفضيلة، المال يا بنى وسيلة للسعادة؛ بشرط أن يطلب وينفق فى اعتدال، لكى لا تنقلب عبدًا له، أكثر الناس وقعوا فى متاعب بهذه الأخطاء، منهم من استمر فى طلبه بعد أن استوفى حاجتهم منه، ودلتنى التجارب على أن أسعد الناس من نظر للمال على أنه وسيلة، ولم يطلبه إلا بشرف وعزة وإباء.
من كتاب «إلى ولدى»
الناجحون فى هذه الدنيا إناس يبحثون فى الصباح عن ظروف مواتية، وإذا لم يجدوها صنعوها بأنفسهم.

جورج برنارد شو

كنوز| نازلى تتحدث لـ «المصور» عن قسوة فاروق الأول !
كنوز| محمود المليجى يكتب: أكلت الثعابين فى مدريد
كنوز| بدايات هدى سلطان الصعبة فى ذكراها الـ 20





