أدخنة الموت أمام المدارس.. أكشاك السجائر تستهدف الأطفال وتعرض منتجاتها بجانب الحلوى

صورة موضوعية
صورة موضوعية


«اصطياد الجيل القادم» عنوان أبرزته منظمة الصحة العالمية فى تقرير مشترك لها مع الهيئة العالمية لمراقبة دوائر صناعة التبغ، لتسلط الضوء على التكتيكات المقلقة التى تتبعها صناعة التبغ والنيكوتين لاستهداف الشباب والأطفال حول العالم.. أما الظاهرة المقلقة التي رصدتها «آخرساعة» مؤخرًا فهى انتشار منتجات التبغ المختلفة في محيط المدارس.

◄ سجائر «فرط» بأسعار زهيدة في متناول أيدي الأطفال

◄ التسويق بأساليب خفية يجعل التبغ في متناول الأطفال

يشير تقرير منظمة الصحة العالمية إلى أن 37 مليون طفل تتراوح أعمارهم بين 13 و15 عامًا يتعاطون التبغ حاليًا، وأن معدلات استخدام السجائر الإلكترونية بين المراهقين تتفوق على تلك الخاصة بالبالغين في العديد من الدول.

ففى أوروبا، أبلغ 20% من الأطفال البالغين 15 عامًا عن استخدامهم السجائر الإلكترونية، بينما فى إقليم شرق المتوسط، تصل معدلات تعاطى التبغ إلى مستويات مقلقة، حيث يتعاطى 35% من الفتيان و30% من الفتيات التبغ فى بعض الدول. وتشير الدراسات إلى أن حوالى 30% من المراهقين غير المدخنين فى بعض البلدان يعتقدون أنهم قد يدخنون فى المستقبل، مما يعكس خطورة انتشار هذه الظاهرة.

◄ منتجات الموت

حول المدارس يحذر الدكتور وائل صفوت، استشاري الباطنة وعلاج التدخين ورئيس الاتحاد العربى لمكافحة التبغ، من ظاهرة خطيرة تهدد صحة وسلامة الأطفال والمراهقين خلال العام الدراسى الحالى، وهى انتشار منتجات التبغ المختلفة فى محيط المدارس، وتأتى هذه الظاهرة فى وقت تكثف فيه الدولة جهودها لتحسين الصحة المجتمعية وصحة الشباب عبر مبادرات كبرى مثل «100 مليون صحة» ومشروع «بداية»، مما يجعل هذه الممارسات بمثابة تهديد مباشر لهذه الجهود.

■ الدكتور وائل صفوت

ويشير إلى أن المحال والأكشاك الموجودة بجوار المدارس تتعمد عرض منتجات التبغ بجانب الحلويات بشكل مغرٍ، مستهدفة الأطفال بأساليب تسويقية خطيرة، كما يتم بيع السجائر «الفرط» بأسعار زهيدة، مما يجعلها في متناول أيدي الأطفال، وتزداد المشكلة سوءًا مع انتشار منتجات التبغ المهربة التي لا تخضع لأى رقابة صحية، وتسوق بنكهات مستوحاة من الحلويات والفواكه، مما يزيد من جاذبيتها للأطفال والمراهقين.

وفي ظل تزايد القيود على السجائر التقليدية والشيشة، بدأت شركات التبغ فى الترويج لبدائل مثل السجائر الإلكترونية، مدعية أنها أقل ضررًا. إلا أن الإحصائيات تشير إلى عكس ذلك، حيث كشف تقرير لمنظمة الصحة العالمية أن نسبة استخدام السجائر الإلكترونية بين المراهقين فى الولايات المتحدة ارتفعت لـ39.3% بين عامى 2018 و2020، ليصل عدد المستخدمين المراهقين لـ4.2 مليون خلال تلك الفترة.

كما تشير الدراسات إلى أن 80% من المراهقين الذين يستخدمون منتجات التبغ بنكهات الفواكه والحلويات يبدأون التدخين قبل سن الثامنة عشرة، وتعكس هذه النسب استراتيجيات شركات التبغ في استهداف الشباب بشكل مباشر، مما يؤدى لزيادة معدلات الإدمان والمخاطر الصحية المرتبطة بمنتجات التبغ.

◄ اقرأ أيضًا | بلجيكا تحظر السجائر الإلكترونية ذات الاستخدام الواحد

◄ تداعيات صحية خطيرة

وينوه صفوت إلى أن الاستخدام المتزايد لمنتجات التبغ بين الأطفال والمراهقين يؤدى لأضرار صحية بالغة، أبرزها التأثير السلبي على الجهاز التنفسي وزيادة احتمالية الإصابة بأمراض مزمنة، كما يؤثر النيكوتين على خلايا الدماغ والجهاز العصبى، مما يؤدى لتدهور التحصيل الدراسى وظهور مشكلات سلوكية كالتغيرات الحادة فى الشخصية.

ولمواجهة هذا التحدى الخطير يجب تشديد القيود على الإعلانات والتسويق لهذه المنتجات، وزيادة الضرائب المفروضة عليها للحد من انتشارها، كما يجب تعزيز برامج التوعية الصحية التى تستهدف الشباب وأولياء الأمور لرفع مستوى الوعي بمخاطر هذه المنتجات.

ومن الضرورى أيضًا تشديد الرقابة على نقاط البيع، سواء المحال التجارية أو عبر الإنترنت، مع فرض عقوبات صارمة على من يبيعون منتجات التبغ للقاصرين، ويتطلب الأمر تعاونًا مشتركًا بين الحكومة والهيئات الصحية ومنظمات المجتمع المدنى وأولياء الأمور لضمان حماية الأطفال من هذه الظاهرة القاتلة. وأيضا تضافر الجهود لمكافحة انتشار منتجات التبغ فى محيط المدارس هو الخطوة الأهم لضمان بيئة صحية وآمنة لأطفالنا، وإبعادهم عن استغلال شركات التبغ التى تسعى لتحقيق مكاسبها على حساب صحة الأجيال القادمة.

◄ أسباب رئيسية

من جانبه، يوضح الدكتور عاصم حجازى، أستاذ علم النفس التربوى، أن هناك أسبابا نفسية واجتماعية وبيئية تدفع طلاب المدارس للتدخين، أبرزها تأثير القدوة؛ فالطلاب الذين يشاهدون آباءهم أو معلميهم أو شخصيات محببة لهم يدخنون يكونون أكثر عرضة لممارسة هذا السلوك، وأيضا فضول الطلاب للبحث عن الإثارة واكتشاف الجديد، وكذلك الضغط الاجتماعى فقد يبدأ الطالب بالتدخين لمجاراة أصدقائه المدخنين والحفاظ على مكانته داخل المجموعة، وقد يكون التدخين وسيلة للهروب من ضغوط اجتماعية مثل التنمر أو مشكلات عائلية كالمعاملة القاسية والخلافات الأسرية، وبعض الطلاب يلجأ للتدخين لإثبات وجوده أو التعبير عن استقلاليته، أو لإعلان تمرده على الأعراف الاجتماعية. وأفلام السينما وشخصياتها قد تكون مصدرًا للإلهام السلبى لبعض الطلاب، حيث يقلدون الشخصيات التى تظهر وهى تدخن. كذلك، يمكن للإعلانات الجذابة الخاصة بمنتجات التبغ أن تؤثر عليهم، فى ظل ضعف حملات التوعية بمخاطر التدخين.

ولا شك أن توافر السجائر بأسعار مناسبة وسهولة الحصول عليها مع غياب الرقابة الأسرية، من العوامل البيئية التى تسهم فى انتشار هذا السلوك، فضلا عن أن بعض الطلاب يلجأون للتدخين لجذب انتباه الجنس الآخر أو المجتمع، بحثًا عن الحب أو الاهتمام.

◄ حلول إيجابية

ولمواجهة هذا السلوك، يؤكد د. عاصم أهمية التعاون بين الأسرة والمدرسة، من خلال احتواء الطالب وإظهار الاهتمام به، وتوعيته بمخاطر التدخين الصحية والنفسية، ويجب على الأهل والمعلمين البحث عن مواطن التميز لديه وتشجيعه على ممارستها، مع شغله بأنشطة مفيدة كالرياضة. ومن الضرورى أيضًا مراقبة دائرة أصدقائه، ومساعدته على تكوين صداقات إيجابية، ويمكن دعمه عبر مساعدته على تحديد أهداف إيجابية وتعزيز تقدمه نحو تحقيقها، بجانب تقديم قدوة إيجابية يقتدى بها.

◄ بدائل النيكوتين

فيما تتحدث رحاب عبدالعال، سفيرة مبادرة «رئة وردية» لمكافحة التدخين، عن إطلاق هذه المبادرة لمكافحة التدخين من خلال توعية الشباب غير المدخن لضمان عدم البدء بالتدخين، ومساعدة المدخنين للإقلاع عبر توفير علاج بدائل النيكوتين.  وتسعى أيضا لنشر الوعى الرياضى بين الشباب، حيث ترى أن الرياضة عامل أساسى للحفاظ على صحة الجسم. ومن هذا المنطلق، أطلقت المبادرة حملة لتوزيع بخاخ بديل للنيكوتين بالمجان، يساعد المدخنين على الإقلاع التدريجى عن التدخين، فالبخاخ يحتوى على النيكوتين ويستخدم بطريقة مدروسة تساعد المدخنين على التخلص التدريجى من السجائر، ويستغرق الإقلاع الكامل شهرًا على الأكثر، وهناك أشخاص توقفوا عن التدخين بعد أسبوع واحد من استخدامه.

◄ أرقام صادمة

من جانبها، توضح الدكتورة أميرة هريدى، استشارية الصحة العامة والمدير التنفيذى لمؤسسة كيان للتنمية المجتمعية ومستشارة مشروع حماية أطفال المدارس من تدخلات صناعة التبغ، أنها أجرت دراسة استنادًا لأبحاث تشير إلى أن تعرض الأطفال المستمر لمشاهدة الإعلانات المتعلقة بالتدخين يزيد من رغبتهم فى تجربته، وكان الهدف من الدراسة رصد جميع التفاصيل المتعلقة بنقاط البيع حول المدارس، بهدف فهم الأساليب التى تعتمدها شركات التبغ للترويج لمنتجاتها للأطفال فى هذه الفئة العمرية، وشملت الدراسة 100 مدرسة تم توزيعها جغرافيًا على خمس محافظات تمثل القاهرة الكبرى والوجهين البحرى والقبلى، وظهرت نتائج صادمة، حيث تبين أن 99 مدرسة من أصل 100 تحيط بها نقاط بيع، وكانت هناك مدارس محاطة بنحو 17 نقطة بيع ضمن دائرة الـ150 مترا، وتم رصد 807 تجار يبيع 56% منهم منتجات التبغ، وأوضحت النتائج أن السجائر كانت المنتج الأكثر توافرًا بنسبة 97%، تليها منتجات المعسل بنسبة 30%، وأعواد التبغ المسخن بنسبة 23%. والأخطر، أن 35% من هذه النقاط تعرض منتجات التبغ على مستوى رؤية الأطفال، فيما وضع 50% منها منتجات التبغ بجانب الحلوى، مما يزيد من خطورة استهداف الأطفال.

◄ توصيات هامة

وتعد مصر واحدة من بين ست دول فى العالم تشهد زيادة فى معدلات التدخين، بينما تشهد باقى الدول استقرارًا أو انخفاضًا فى هذه المعدلات، ويرجع ذلك إلى التزامها بتوصيات منظمة الصحة العالمية التى تؤكد على أهمية تطبيق القوانين وفرض الضرائب لمكافحة التدخين وغيرها من التوصيات المجتمعة، فمثلا، نجحت إنجلترا فى تقليص معدلات التدخين من 70% إلى 15%، بينما منعت بلجيكا تدخين السجائر الإلكترونية بالأماكن العامة.

وتطبيق قوانين أكثر صرامة يسهم بشكل كبير فى تقليل معدلات بيع منتجات التدخين وتقليص تعرض الأطفال لهذه المنتجات، إضافة لضرورة وجود قوانين صارمة وتطبيقها فعليًا، مع تطوير لوائح تنفيذية تتيح تنفيذ هذه القوانين، ويجب على الدولة تخصيص جزء من الدعم لتوفير الموارد اللازمة للشرطة المعنية بتنفيذ هذه القرارات، وتمكين هيئات مثل حماية المستهلك والمحليات من ممارسة سلطاتها بشكل فعال، بما فى ذلك منع تراخيص بيع منتجات التدخين بالقرب من المدارس والمستشفيات والنوادى أو أى أماكن تحتوى على تجمعات كبيرة، لضمان بيئة خالية من التدخين ودعايته، كما يجب على المدارس القيام بدور رقابى للإبلاغ عن أى أماكن تبيع منتجات التبغ فى محيطها.