مرت أمس الذكرى 33 لرحيل «أسطى الصحافة» الأستاذ موسى صبرى، الذى تتصدر صورته مدخل المبنى الصحفى الجديد الذى تم تشييده فى عهد رئاسته لمجلس إدارة مؤسسة «أخبار اليوم» وتحمل واجهة المبنى اسمه أيضاً، أجيال شباب الصحفيين لم يروا الأستاذ موسى ولا يعرفوا الكثير عن فترة رئاسته لتحرير جريدة «الأخبار» ورئاسته لمجلس إدارة مؤسسة «أخبار اليوم»، ربما لم يهتم أحد منهم بقراءة كتبه والعودة لمقالاته بالأرشيف ليتعرفوا على معاركه الصحفية التى كان يخوضها بضراوة، لكنى وكل أبناء جيلى كنا من المحظوظين لأننا تعلمناه من «أسطى» الصحافة، وكان يوم رحيله فى الثامن من يناير 1992 يوماً حزيناً لنا جميعاً، منه تشربنا حرفية المهنة، وقدسية الكلمة، وموضوعية الرأى، وشجاعة المواجهة، وكل القيم المهنية التى تعلمها من أستاذه وأستاذنا جلال الدين الحمامصى، ولكل منا مواقف معه، أسرد بعضها فى ذكراه الـ 33 لما تحمله من العبر والدروس.
■ الموقف الأول يتعلق بالموسيقار مدحت عاصم الصديق الصدوق للأستاذ موسى وجاره فى حى الزمالك، كان يكتب مقالاً فى صفحة المسرح لكنه لم يكن يلتزم بمساحة محددة، وفشل الأستاذ حسن عبد الرسول المشرف على الصفحة فى التوافق معه، سافر الأستاذ حسن لتغطية مهرجان طشقند وترك لى مهمة الإشراف على الصفحة، وأرسل الموسيقار المقال فى ثلاث صفحات فلوسكاب تبتلع الصفحة بكاملها على حساب بقية موضوعات الزملاء، اتصلت به ليختصر المقال، لكنه رفض رفضاً قاطعاً وهدد بالويل والثبور وعظائم الأمور لو تم اختصار كلمة، لجأت للأستاذ موسى فقال بحنكة «الأستاذ»: «خذ عربية واذهب إلى بيته واقترح عليه تقسيم المقال على أسبوعين»، وكانت المرة الأولى التى التقى فيها بمكتشف ليلى مراد وفريد الأطرش وأسمهان، وبعد صد ورد ووقت يحتاج لشرح، وافق وهو يقول: «ها أشوف إزاى ها تعرف تقسم المقال»، وفى صباح ظهور الصفحة اسُتدعيت لمكتب الأستاذ موسى الذى سلمنى مظروفاً مرسلاً من الموسيقار وهو يقول: «الجواب ده احتفظ به لنفسك واوعى حسن عبد الرسول يطلع عليه، الأستاذ مدحت عاصم بيفوضك بالتعامل مع مقاله أسبوعياً» فقلت للأستاذ موسى: «البركة فى حضرتك والفكرة فكرتك»، فقال: «المهم أنك عرفت تجزأ المقال كويس».
■ وحدث الموقف الثانى أثناء سفر الأستاذ حسن .. وكان الناقد الكبير عبد الفتاح البارودى مفوضاً بالإشراف على الصفحات الفنية، سألنى عندما قدمت له بروفة الصفحة لاعتمادها عن صاحب إحدى الصور التى لم تكن بالبروفة فأخبرته أنها لعبد الرحمن الأبنودى فصرخ فى وجهى: «شيل.. الموضوع ده غير مجاز لأنه شيوعى»، فقلت له: «كيف ؟ والرئيس السادات لسه مكرمه على السيرة الهلالية !» فأخرج من درج مكتبه كشكولاً مدوناً به أسماء الشيوعيين وأشار على اسم الأبنودى وهو يقول: «آهه.. رقم 22»، فقلت: «يا أستاذ الساعة سبعة وأنا مش ها الحق اجمع موضوع غيره» فقال: «اتصرف»، لجأت للأستاذ موسى الذى استفسر من الأستاذ البارودى عن رفضه للموضوع واختتم كلامه قائلاً: «معلش يا أستاذ بارودى امسحها فى المرة دة عشان نمشى الجرنال»، ومن هذا الموقف تعلمت أهمية الاحترام الذى يكنه الأستاذ موسى لمن يعملون تحت رئاسته، وهو الذى يملك بحكم رئاسته للتحرير أن يأمر ولا يترجي، لكنه تعمد أن يقول أمامى «امسحها فىّ المرة دى» لأتعلم أهمية احترام الصغير للكبير.
اقرأ أيضًا| كنوز| كمبيوتر موسى صبرى يتفوق على اليابان !
وحدث الموقف الثالث عندما استدعانى الأستاذ موسى ليسألنى عن الناقد ذى الشعر الأبيض الذى لم أذكر اسمه فى رسالتى من مهرجان بغداد، فذكرت له اسمه وصفته كناقدٍ كبير ورويت له ما فعله فى بغداد تجاه مصر والسادات مستغلاً خلافه مع د. سمير سرحان رئيس الوفد المصرى فى المهرجان، وشجعت آراؤه المتطرفة ضد السادات عدداً من النقاد العرب ليصوبوا سهامهم ضد مصر بما لا تحتمله المسرحية أو تتناوله، وأوضحت فى نهاية كلامى: أننى تعمدت إخفاء اسمه للتقليل منه، فقال الأستاذ موسي: « كان يجب أن تذكر اسمه، من حق القارئ أن يعرفه ويعرف حقيقة موقفه من مصر التى بها أكثر من ناقد شعره أبيض، وطلب منى أن أكتب رسالة أخرى أصف فيها بالتفصيل ما جرى فى الندوة النقدية وأذكر اسمه صراحة»، وهذا درس آخر تعلمته من الأستاذ الذى علمنا الكثير، ولا أنسى يوم شاهدته يبكى بحرقة فى مكتبه يوم اغتيال الرئيس السادات الذى التقى به فى سجن الأجانب.. وظل على ارتباط به حتى أصبح رئيساً للجمهورية وكان الصحفى الأقرب إليه، والأوفى له من كل الصحفيين حتى بعد استشهاده .
رحم الله «أسطى» صاحبة الجلالة، القلم الذى لا يقبل الهزيمة فى معركة صحفية يخوضها، وعلى الشباب أن يقرأوا 22 كتاباً تركها فى الصحافة والسياسة بداية من «الصحافة الملعونة» إلى مذكراته التى حملت عنوان «50 سنة فى قطار الصحافة».
ذهبية الشعر تخشى على وحيدها من السينما!
جاءت إلى الدنيا ذهبية الشعر الشهيرة بالفنانة المناضلة المشاكسة القديرة نادية لطفى فى الثالث من يناير عام 1937، وتاريخها الإنسانى والنضالى والفنى يحتاج رصده لكتبٍ وليس مقالاً أو موضوعاً عندما نضيء لها 88 شمعة فى ذكرى ميلادها التى لا تغيب عنا رغم رحيلها، وفى هذه المناسبة نقدم لقراء «كنوز» القصة الطريفة التى نشرتها مجلة «الموعد» عن خوفها على ابنها الوحيد من السينما وكيف أبعدته عنها برغم كل المغريات التى قُدمت له.

تقول المجلة: إن نادية لطفى كانت تراجع الحوار مع مساعد المخرج فى البلاتوه استعداداً لتصوير مشهد جديد فى فيلم «حبيبة غيرى» وفوجئت بأحد الفنيين يقول لها: إن هناك شخصاً يسأل عنها ويريد مقابلتها فصرخت فيه لأنه أخرجها عن التركيز قائلة: «خليه يستنى لما اخلص» فقال الفنى: «عموماً الشخص ده اسمه أحمد البشارى وبيقول إنه مستعجل».
صاحت ذهبية الشعر بفرحة وهى تقول: «خليه يدخل حالاً»، ودخل شاب فارع الطول، عريض الكتفين بابتسامة مشرقة، واندفعت نحوه تحتويه بين ذراعيها، وتُقبله بحنان، ودُهش الحاضرون جميعاً، نظرت لهم قائلة: «ابنى أحمد .. كلكم كنتم عارفين مشمش وهو صغير، دلوقت بقى الباشمهندس أحمد»، رحب الجميع بابن نادية لطفى الوحيد الوسيم.
وتقول المجلة: إن ذهبية الشعر لا تُخفى سعادتها بعودة أحمد من أمريكا بشكل نهائي، فقد ضحت من أجله كثيراً لتوفر له كافة الأسباب التى تخلق منه رجلاً ناجحاً، وكانت ضد رغبة سفره للدراسة بالولايات المتحدة عندما عرضت خالتها اصطحابه معها ورعايته هناك تراجعت عن الرفض، وتيقنت أن وجود الأقارب فى الخارج يوفر الكثير من نفقات الإقامة، وسافر أحمد وكانت تطير إليه كلما سنحت الظروف بذلك ..
وكان بدوره يعود إلى القاهرة كل عام فى الإجازة السنوية، وكانت نادية تعتذر عن كل الأفلام والارتباطات لتقضى الإجازة مع وحيدها فى الفيلا الهادئة التى تملكها بشاطئ العجمي، واتفقت مع والده المهندس إبراهيم صادق على عودة أحمد نهائياً لمصر، وشاءت الصدفة أن تتلقى منه رسالة فى ذات الوقت يقول فيها : «مصر تضاعفت معزتها فى نفسي، أنا أحن إلى مصر، بلدي، وطني، مصيرى وقدرى»، عاد أحمد وقدم أوراقه بكلية الهندسة بجامعة القاهرة، ونظراً لتفوقه فى الدراسة بالولايات المتحدة قبلت أوراقه فوراً وأصبح فى البيت الأنيق بجاردن سيتى مهندسان، واحد تخرج منذ سنوات وكون نفسه وبنى مركزاً مرموقاً هو الزوج إبراهيم صادق، والثانى يجاهد فى سبيل أن تسير قدماه فى نفس المسار، كل هذا استرجعته ذهبية الشعر ..
وهى تنظر لوحيدها الوسيم الذى انتحى فى ركن من البلاتوه ليشاهدها وهى تصور أمام الكاميرا، وفجأة اقترب المخرج الشاب نشأت أباظة من الزائر الوسيم قائلاً : «تحب تشتغل فى السينما»، ابتسم أحمد قائلاً: «مش كفاية ماما» فقال نشأت: «أنا شايف عندك استعداد»، قاطعه أحمد: «استعدادى للهندسة» ! وهنا قاطعته ذهبية الشعر قائلة: «ابعد عنه يا نشأت»، فقال لها: إنه داخل فيلم جديد يصلح لوحيدها الوسيم، فقال بجدية: «أحمد لازم يكمل الجامعة الأول» وعقب وحيدها قائلاً: «التمثيل موهبة ودراسة، وأنا لا أشعر به فى أعماقي، وبالتالى لم أدرسه وما بفكرش فيه»، وأكد الفتى الفارع الطول أنه يريد أولاً أن يكون الباشمهندس أحمد.
«الموعد» - 3 يناير 1974
عيدك دا عيدنا يا منور «الأخبار»
أرسل ساخرنا الأعظم أحمد رجب رسالة تهنئة للفنان العبقرى حسين بيكار بمناسبة حصوله على جائزة مبارك عام 2000 جسدها تلميذه النجيب مصطفى حسين بريشته، وتقول الرسالة : «عيدك دا عيدنا يا منور «الأخبار».. يا شجرة فاردة وفروعها ضليلة.. على كل صاحب ريشة من ولاد الكار».

الراسل : أحمد رجب
الشمعة 112 لشاعر الألوان
112 سنة مرت فى الثانى من يناير الجارى على ميلاد حسين بيكارعبقرى الريشة والكلمات الفلسفية الرومانسية التى كانت تصاحب رسوماته صباح كل يوم جمعة بالصفحة الأخيرة بجريدة «الأخبار»، رسوماته وكلماته حققت شعبية كبيرة عند قراء جميلة جميلات شارع الصحافة، وعُرف عن العبقرى رقة تواضعه ونبل أخلاقه وتعدد مواهبه كناقدٍ ورائد لرسوم الأطفال وعازف على العود والبزق والكمان، الناس عرفته كفنانٍ تشكيلى وأستاذ تخرج على يديه المئات من كلية الفنون الجميلة، وفى ذكرى ميلاده الـ 112 نستعيد أهم مقولاته وآرائه، تعالوا بنا لنرى بساطة كلماته الفلسفية ودلالاتها الأخلاقية التى تعبر عن شخصيته الرومانسية الحالمة المسالمة عندما يقول :

مصر كانت أول بلد أوقد منارة الفن فى العالم، وأول أرض استقرت عليها أرقى حضارة عرفها الإنسان، شاء القدر لمصر أن يبقى تراثها الخالد عبر التاريخ متحدياً عوامل الفناء ليحكى عن عبقرية الفنان المعلم.
لا أحب الدخول فى معارك، دائماً أواجه الحرب بالسلم، ربما يكون هذا نقطة ضعفي، لكن هذا الضعف أفادني، فأنا مسالم وأوفر طاقتى لفنى واختزنتها لنفسى دائماً.
الحياة بمفهومها الشامل لا تعنى حياة الأبدان فقط، لأن للعقول حياة وللأرواح حياة، وما تحيا به الأرواح والعقول يختلف عما تحيا به الأبدان، فالموسيقى وسائر الفنون والرياضات الروحية رزق تُطرب له النفس وتحلق به فى آفاقٍ علوية من المشاعر والأحاسيس النبيلة.
يمر العالم كله بمرحلة تحلل خلقى وسياسى واجتماعي، والفن أيضاً يتفكك وليس له رابط، وكل البِدَع الموجودة هى نتاج لظاهرة التحلل، وبالنسبة لمصر مطلوب فلسفة نجتمع حولها لإعادة الضوابط، ومطلوب إبداعات ترقى بالوجدان وتسمو به لتحقيق الخير والحق والجمال.
اللوحة بالنسبة لى تشكل لقاء قمة، أدخل إليها برهبة وكأننى داخل إلى معبد، وعندما أتأهب للرسم أمتلئ إحساساً بالمسئولية كأننى أتوضأ للصلاة، ولا يخامرنى أى شعور بالعبث.
طوال عمرى لم أقرأ عموداً سياسياً ولا فكرة سياسية، وأقول هذا وأنا غير مكسوف، الجورنال عندى هو العناوين الكبيرة، أقرأها لمعرفة صورة العالم من بعيد، وأعتبر ما أقدمه من فن يجعلنى شريكاً إيجابياً ولست سلبياً لأننى أنظر للجانب المشرق من الحياة.
لم أحتقر فى حياتى شيئاً قدر احتقارى للمال، أعُطى لفنى عصارة فكرى وعقلى وسهري، فهل أستبدل إبداعاتى بورقة مالية ؟! الإجابة جعلتنى احتقر المال الذى يُشعرنى بالحزن لحظة بيع لوحة من لوحاتى !
هناك خريطة لكل إنسان موضوعة بدقة، لا يستطيع أن يغير أحد مساراتها مهما حاول، وعلى الإنسان أن يطاوع قدره بإرادته، وأن يسير مع هذا القدر لأنه محدد من الله، والله يختار لنا الأفضل دائماً.
«كنوز»
■ أبراج كتيرة مالية السما كأنها «أمن وحرس»

■ برج بيرتل أذان الفجر وبرج بيضرب جرس
■ تسابيح فى الفضا من غير فارس.. ولا فرس
■ ولو جه مشاغب عشان يشوشر على الصلاة
■ تنزل عليه لعنة م السما وفى الحال ينخرس!!
بيكار
المقامة البوفيهية
بقلم: بيرم التونسى
حدّثنا عمر بن جعران .. قال : من عادتى أن أتناول العشاء، بين المغرب والعشاء، فلما وضعنا الطبلية وغرفنا الملوخية، دقّ الباب ففتحت، فألفيت شابا بملابس سوداء، ورأيت على الباب سيارة فى غاية البهاء، قال : أهنا منزل ابن جعران المأذون ؟، قلت : هكذا يزعمون، قال : احمل دفترك وشرّفنا بمحضرك، فالليلة ستعقد قران بنت صاحب السعادة فلان باشا، على فلان اليوزباشى .

قال ابن جعران : فصحت : يا أهل الدار : عندكم الملوخية فكلوها، وقطعة الأرنب فانهشوها، واحدفوا لى الجبة فحدفوها، ثم انطلقت السيارة كأنها طيارة، فقلت للفتى : ارفق بها فى السير والتقدّمِ، حتى نرى إشارة المسلّم، لا تبدلن أفراحنا بمآتم، ودخلنا الدار، فإذا هى شامخة، والحفلة باذخة، فيها من الوزراء من سبق ولحق، ومن العظماء من التحى وحلق.
فقلت : أين العريس ؟ قالوا : ها هو موجود، وها هم الشهود، فاستفتحت الخطبة بالحمد والثناء، وقيّدت الخطبة بالبنين والرفاء، ثم رأيت القوم ينهضون جميعا، ويخرجون سريعا، سألت : إلى أين ؟ فقال لى العريس : إلى البوفيه وقم معى لأدلك عليه، فتركت الدفتر وذهبت، فألفيت مائدة كأنها سماط الحجاج، عليها الخراف والأسماك والدجاج، وأنواع لم يبلغنى خبرها بالنظر ولا بالسماع ! لكنى أشهد الله، الذى لا إله سواه، أن الموائد مشرحة للنبيل والسفيه، وامتحان لا غشّ فيه، الموائد تبيّن الأشراف من الأجلاف، وعليها تصدر حكمك على الناس بلا استئناف.
هؤلاء الذين كانوا جالسين، كأنّ الواحد منهم هامان أو قيصر الرومان،الكلام من الأنف، والإشارة من الطرف، وقفوا الآن على البوفيه : وكأنهم الجيش الأحمر، أو عربجية المحجر !
إبراهيم بك سعد، مأمور قسم سابقا : حشا شدقه لحما وشدقا كنافةً، وفى يده القاروص والترت فى الأخرى، وعثمان بك السيد الموظف بالأوقاف : رأى الأكل بالسكين ليس بمسعفٍ فأعمل ملهوفا أصابعه العشرا، ومتولى باشا غانم بالمعاش : توقّف قدام الدجاجة حائرا، أيملخ فى الوركين أم ينهش الصدرا ؟ ونجيب باشا المهندس : تناول موزا ثم فجلا وبسطةً وخبزا وسردينا كذا جبنةً حمرا ! وذهنى أفندى رئيس قلم الطرود : رأى نصف ديكٍ فانثنى بجريدة ولفّ وقال الطرد لابنتى الصغرى ! وشافعى بك القاضى : على شدقه سال الإدامُ وصدرِهِ على أنه والله أرفعهم قدرا ! وسليم بك مفتش الرى : يمدّ إلى الأوز كفًا كأنها براثن ضرغامٍ ولكنها أضرى ! وجبر أفندى خورى بالجمارك : بدا الوجه منه جاحظا متمطعا كصوت يد العجّان !
والعبد الفقير : وقفت وصنت النفس والله مخلفٌ، على من يصون النفس أو يحسن الصبرا، ولو كان هؤلاء الرجال جالسين، كل خمسة على مائدة، يؤتى لهم بالطبق بعد الطبق، واللقمة بعد اللقمة، لأحسنوا القسمة، ولاستحى بعضهم، هكذا كانت ولائمنا فى الأفراح والأتراح، ولعنة الله على هذا البوفيه القبيح، الذى يعلّم التشبيح، والسطو الصريح !
قال ابن جعران : وأقبل العريس، فرأى يدى نظيفة، ومشيتى خفيفة، فقال : هل أكلت ؟ فقلت : ليتنى يا فتى أكلت ولم ألق أرنبى ! قال : كيف ؟ فقلت: جئت بى للعشا فى وسط حفلٍ وموكبِ، قال : ولم لا تأكل ؟ فقلت : لم أزوّد بساعدٍ من حديدٍ ومنكبِ، فألقى نظرة على أولئك الغنم وابتسم، وقال : اتبعني، فسرت خلفه حتى دخلنا على الطباخ، وقال : ماذا عندك؟، قال : دجاجتان فيومى وديك رومي، قال : ضعهما فى صينية، مع ما عندك من كنافة ومهلبية، وابعثهم إلى دار الأستاذ مع الخادم ليأكل هو والهانم، وهكذا ينصر الله الصابرين، وبعد حين.
من كتاب «المقامات»
كنوز : نعيد نشر هذه المقامة الطريفة فى الذكرى 64 لرحيل زجال الشعب بيرم التونسي، التى مرت علينا يوم الأحد الماضى، رحمه الله
الزمن.. خارج الإنسان لا وجود له، لأنه مرهون بحركته، بكلامه وفكره، وعلاقتى بالزمن علاقة صراع مستمر.

حسين بيكار

كنوز| حكايات سيدة الشاشة مع عملاق الصحافة فى ذكرى ميلادها الـ 95
كنوز| مستقبل مصر فى عقلها
كنوز| قصة «ثومة» مع الشريف فى «مسامرات الجيب» !







