فواصل

‫ سفير فى مهمة خاصة

اسامة عجاج
اسامة عجاج


توافقت الإرادة السياسية للقيادة فى كلٍ من مصر والسعودية، على أن يكون الاقتصاد وتعزيز الاستثمارات المشتركة، وزيادة التبادل التجارى بين البلدين، هو (العنوان الأبرز) للعلاقات بين البلدين، خلال الأشهر الأخيرة، وتحديدًا منذ منتصف العام الماضى، وليس ذلك تقليلًا من  الشأن السياسى أو الدبلوماسى، ولكن التنسيق فى هذا المجال، يتم عبر قنوات مستقرة، على مستوى قيادة البلدين الرئيس عبد الفتاح السيسى وخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولى العهد الأمير محمد بن سلمان، وكذلك لجنة المتابعة والتشاور السياسى برئاسة وزيرى الخارجية فى البلدين، وهى تعقد دورتها بشكل منتظم. 

ولعل شعار (الاقتصاد أولًا) فى ملف العلاقات الثنائية، كان العامل الأبرز فى اختيار المملكة العربية السعودية صالح بن عيد الحصيني، ليكون سفيرًا لبلاده فى القاهرة، فالرجل هو الأنسب والأقدر على المتابعة اليومية لكافة الملفات الاقتصادية والاستثمارية المشتركة، فى ضوء خبراته ومسيرته المهنية وتخصصه الأصلى، فقد شغل إلى فترة قليلة ماضية منصب وكيل وزارة الصناعة،  وعمل أيضًا فى قطاع الشركات الكبرى فى المملكة، كما ترأس لجنة الشئون الاقتصادية والطاقة فى مجلس الشورى السعودى، وقضى فترة من عمله مستشارًا فى الديوان الملكى، وله أيضًا خبرات على الصعيد الدولى كممثل لبلاده فى منظمة التجارة العالمية، مع ملاحظة أنه أحيانًا ما يكون السفير من  خارج كوادر وزارة الخارجية والسلك الدبلوماسى.

فقد سبق للسعودية، على سبيل المثال أن عينت هشام ناظر سفيرًا فى مصر فى الفترة من ٢٠٠٥ إلى ٢٠١١، وقد شغل من قبل منصب وزير التخطيط ووزيرًا للبترول والثروة المعدنية، ومع ذلك فإن السفير صالح بن عيد الحصيني، تولى مهام سفارة بلاده فى الهند، وهى إحدى الدول المحورية فى آسيا، قبل قدومه مباشرة للقاهرة لمدة شهور، ولا يخفى السفير صالح سعادته بوجوده فى القاهرة، معتبرًا أن العمل فى مصر شرف كبير، ومسئولية عظيمة، لمواصلة تنفيذ توجيهات القيادة فى تعزيز العلاقات الاستراتيجية الراسخة بين المملكة ومصر، كما جاء فى كلمته على صفحة الوزارة، بعد أن قدم أوراق اعتماده للرئيس عبد الفتاح السيسى فى سبتمبر، بعد أن استلمها منه وزير الخارجية السابق سامح شكرى فى يونيو الماضى.

ولعل تطورات العلاقات بين البلدين على الصعيد الاقتصادى، خلال  الأشهر الماضية، تمثل دليلًا واضحًا على صحة اختيار سفير للمملكة بهذه المواصفات، فهذه الفترة بلا شك يمكن اعتبارها مرحلة ذهبية، حيث شهدت زيارة ولى العهد السعودى الأمير محمد بن سلمان للقاهرة فى أكتوبر الماضى، وجرى خلالها التوقيع على محضر تشكيل مجلس التنسيق الأعلى المصرى السعودى، برئاسة الرئيس عبد الفتاح السيسى والأمير محمد بن سلمان.

كما فتحت الزيارة الباب أمام ضخ استثمارات سعودية، بقية ١٥ مليار دولار خلال ثلاث سنوات، ليصل حجمها إلى ٥٠ مليار دولار، كما تم التوقيع على اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات فى البلدين، وشهدت نفس الفترة زيارة رئيس الوزراء مصطفى مدبولى الرياض فى ١٦ سبتمبر، والتى تم الإعداد لها بشكل متميز، سبقتها لقاءات ثنائية بين وزراء البلدين المعنيين بالملف الاقتصادى، سواء فى القاهرة أو الرياض، وحفلت بلقاءات واجتماعات مع  كافة المسئولين عن القطاعات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية،  ومنهم الدكتور ماجد القصبى وزير التجارة ورئيس الهيئة العامة للتجارة الخارجية، وخالد بن عبد العزيز الفالح وزير الاستثمار واللقاء الموسع مع أعضاء الغرفة التجارية، يومها تم الإعلان عن ضخ ٥ مليارات دولار استثمارات من صندوق الاستثمارات العامة خلال الفترة القادمة، أثناء استقباله من ولى العهد، كما تم خلال نفس الفترة، حل معظم المشاكل التى تواجه الاستثمارات السعودية فى مصر، والتى لم يتبق منها سوى أقل القليل لإغلاق هذا الملف للأبد.

 وهكذا أصبحت مصر أكبر شريك تجارى عربى للمملكة، وعلى المستوى الدولى هى الشريك السابع، من جانب الصادرات والتاسع من خلال الواردات، ويصل حجم الاستثمارات السعودية فى مصر إلى ٥٣ مليار دولار، وكذلك هناك زيادة لدور الصندوق السعودى للتنمية فى مصر والذى يقدم دعمًا يصل إلى حوالى تسع مليارات ريال لـ ٣٢ مشروعًا فى قطاعات حيوية، كما أن هناك أكثر من ٦٨٠٠ شركة سعودية تعمل فى مصر.

وبعد مازالت الزيارات تتوالى، وآخرها وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودى بندر إبراهيم الخريف منتصف الشهر الماضى، والتى أثمرت عن الاتفاق على تعاون نوعى فى هذا المجال، وهكذا فإن تعيين السفير صالح بن عيد الحصينى فى القاهرة (اختيار صادف أهله) يتوافق مع طبيعة مرحلة استثنائية فى العلاقات، ووجوده سيترك بصمة على مسيرتها.