عائلات.. عن بُعد!! :التكنولوجيا تحرم الأسرة من الاحتفال بيومها العالمى

صورة موضوعية
صورة موضوعية


إذا كانت التكنولوجيا قد قربت البعيد، فإنها أيضاً أبعدت القريب، مما يجعلها سلاحاً ذا حدين فى حياة الأسرة التى لا يستطيع أفرادها التخلى عن هواتفهم المحمولة، وقضاء الوقت فى صحبتها، مما يتسبب فى حالة من العزلة بين أفراد العائلة الواحدة.. بالأمس كان من المُفترض أن نحتفل ب اليوم العالمى للأسرة التى تشكل النواة الأساسية فى بناء المجتمعات والحضارات وفقاً لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 1997، وتعتبره الدول يوماً عالمياً للسلام ، ويتشارك الأفراد والعائلات الطعام مع أصدقائهم، فهل حرمتكم الهواتف المحمولة من هذا الاحتفال واستبدلتم هواتفكم بآبائكم وأمهاتكم وأشقائكم، وقضيتم أوقاتكم معها، أم أنكم ألقيتم بها بعيداً لتستمتعوا بالدفء الأسري؟.. فى هذا التحقيق نلقى الضوء على إيجابيات وسلبيات التكنولوجيا من خلال آراء باقة من الخبراء.

بحسب صحيفة الأخبار

اقرأ أيضًا | حزب الجبهة الوطنية.. دماء جديدة في شرايين الحياة السياسية

د. أسامة مصطفى خبير تكنولوجيا المعلومات، يرى: أن التأثير الإيجابى للتكنولوجيا يتلخص فى أنها سهلت الاتصال بين الأسر بعضها البعض أو أفراد العائلة، خاصة لو أن أحداً أو جزءاً منها يتواجد فى بلد آخر، بات من السهل التحدث إليه بالصوت والصورة، عكس ما كان يحدث قديماً عندما كانت وسائل الاتصال تقتصر على الخطابات التى تصل بعد أسابيع وربما شهور.. وعن السلبيات يقول: «إن التكنولوجيا صنعت حاجزاً بين أفراد البيت الواحد، يجلسون بجوار بعضهم البعض، وكل منهم يمسك هاتفه ولا يتحدث مع الآخر، مما جعل سلبيات التكنولوجيا تطغى على إيجابياتها، حيث باعدت بين القريب وقربت البعيد».



ويضيف: «من الصعب فى الزمن الذى نعيشه حالياً أن ننصح الآباء بتوجيه الأبناء بتقنين وقت تعاملهم مع التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعى خاصة وأن الآباء أنفسهم أصبحوا يقضون معظم أوقاتهم على الهاتف أو الكمبيوتر إما للعمل أو التسلية مع الأصدقاء، وحتى إن بعض الأمهات يعطون الهاتف لأطفالهم لإلهائهم به، ومن هنا تبدأ الكارثة فهى لا تعلم كم السموم الفكرية والثقافية التى تُبث له من خلال هذا الهاتف والتى تستهدف الأطفال من عمر السنتين لثلاث سنوات بغسل المخ، وللأسف الآثار النفسية السلبية لا تظهر فى الصغر ولكنها تبدأ فى الظهور مع تقدمهم فى العمر وانفصالهم.. وبالتالى يصعب السيطرة عليهم، ويشعر الآباء بسوء تصرفهم بعد فوات الأوان، كما تؤثر على الأطفال طبياً وعقلياً، فهناك الكثير من الأطفال أصُيبوا بالتوحد والتأخر العقلى وغيرها من الأمراض بسبب قضائهم وقتاً طويلاً أمام شاشات الهاتف أو التليفزيون والتى تم تشبيهها بتعاطى المخدرات بالنسبة للأطفال».

ويستكمل قائلاً: «التوعية بالخطر تكمن فى بناء الأسرة الداخلي، وكيف لى أن أبنى أسرة وهناك شخص آخر يهدم أبنائى من الخارج وأنا بجواره فى المنزل ولا أعلم عنه شيئاً، وبالطبع هناك الكثير من الحوادث بسبب هذه المشكلة بعيداً عن الانحرافات، فالأمر وصل للانتحار مع بعض الحالات .. والسبب فى النهاية يرجع لابتعاد الآباء عن الأبناء فى هذه المرحلة.. ولا يوجد أمامنا سوى التوعية.. وعلى الآباء أن يبدأوا بأنفسهم ليكونوا قدوة لأبنائهم، واستخدام وقت محدود للهواتف والتكنولوجيا ومواقع التواصل الاجتماعى وحتى الألعاب، وتخصيص وقت للتجمع الأسري.. واستبدال الآباء الوقت الذى يقضونه مع هواتفهم بالجلوس مع أبنائهم، وكل هذا فى النهاية لتفادى هدم الأسرة فى المستقبل».



غزو ثقافى وأخلاقي
وتقول د. هدى زكريا أستاذ علم الاجتماع بجامعة المنوفية: «الأسرة فى العالم تأثرت بالتكنولوجيا، إيجابياً فى البداية من ناحية وسائل الاتصال بمعنى أننا كنا ننتظر قدوم الشخص من السفر لمعرفة أخباره، والوسائل القديمة انتهت، وأصبحنا بضغطة زر قادرين على الوصول لأبعد شخص فى العالم والتحدث معه ورؤيته كأنه يجلس معنا فى نفس الغرفة، أما سلبياً فنجد أنها دمرت الخصوصية، ولغت المسافة بين الخاص والعام فى حياتنا وخلطت بينهما مثل التسونامي الذي يدمر كل ما يأتي أمامه، ووصلت التكنولوجيا لغرف النوم، وهو عكس ما كان يحدث قديماً، حيث كان لكل مكان خصوصيته وطبيعته، وفى الحقيقة كل المجالات تأثرت، ولكن الأسرة كان تأثرها أقوى، فالمجالات الأخرى استفادت من التكنولوجيا.

وتساءلت: «كيف يمكن لآباء وأمهات أن يقوموا بتوعية أبنائهم بخطورة التكنولوجيا وهم غارقون فى بحرها؟.. طوال الوقت يتحدثون مع أصدقائهم وعائلاتهم من خلالها، وأصبحنا نشاهد أفراد الأسرة فى التجمعات العائلية كل منهم يجلس مع نفسه منفرداً بهاتفه، بالطبع سرعة الحياة لها دور، فالحياة الهادئة التى كنا نعيشها قديماً لم تعد موجودة، ولكن علينا أن نحذر ونعود لاستثمار الوقت بشكل أفضل».. وتضيف: «فى أمريكا وأوروبا والدول المتقدمة يأخذون من التكنولوجيا ما يفيدهم فقط، ولم يسمحوا لها بأن تُدخلهم فى التسونامى الذى أغرقنا أنفسنا فيه إلا فيما ندر، فنحن اخترنا السلبيات فقط واتبعناها وتركنا الإيجابيات، ولم نلتفت مطلقاً إلى أن هذا الغزو التكنولوجى يحمل معه غزواً ثقافياً وغزواً أخلاقياً وغيره مما يؤثر على عقل أبنائنا، فهم يصدرون لنا الانحرافات فقط، والأسرة فى خطر حقيقى بسبب التكنولوجيا، حتى إن علماء الاجتماع حول العالم توقعوا بأن الأجيال القادمة لن تهتم بوجود أسرة وسوف تتفكك العائلات.. ونحن فى حاجة إلى التعامل بجدية وحزم وإرادة وحرص بالغ مع أدوات التكنولوجيا بحيث نصبح نحن الفاعلون وليس المفعول بهم».



وسائل انفصال اجتماعي
ومن جانبها توضح د. عزة زيان استشارى العلاقات الاجتماعية والأسرية أن وسائل التواصل الاجتماعى يجب أن يتغير اسمها لوسائل الانفصال الاجتماعي، فقد ساعدت التكنولوجيا على حدوث تباعد أسرى بشكل كبير وساهمت فى صنع فجوة كبيرة وانفصال بين الآباء والأمهات والأبناء حتى عن بعضهم البعض، بالإضافة إلى أنها تسببت فى نشوب الكثير من الخلافات والمشكلات الزوجية التى وصلت للانفصال فى حالات كثيرة بسبب الخيانة والعلاقات الخفية على مواقع التواصل الاجتماعي، ومع التقدم التكنولوجى الذى لا يتوقف من المُتوقع أن يزداد اتساع الفجوة بشكل كبير مما يخلق جواً من التوتر بين أفراد الأسرة».. وتضيف: «من الأمراض التى تسببها التكنولوجيا الوحدة والعزلة والاغتراب وغيرها الكثير من الأمراض النفسية، وبعد أن كانت الأسرة قديماً حريصة على أن تجتمع أمام التليفزيون لمتابعة مسلسل أو فيلم واحد لم يعد هذا موجوداً.. وأصبح كل فرد فى الأسرة مستقلاً بذاته، مما ساعد على حدوث تباعد أسري.. وللأسف كلما كبر الأبناء على الاستخدام غير المحدود للتكنولوجيا سيصعب الانفصال عنها فيما بعد، ولكن فى السن الصغيرة فمن الممكن أن تتم السيطرة عليهم وضبط استعمالهم لها».

وترى د. عزة أن الألعاب الإلكترونية أخذت الكثير من وقت أبنائنا وشبابنا على حساب وقتهم الأسرى ودراستهم، وحتى على حساب ممارستهم لأى أنشطة أخرى مثل: الرسم وممارسة الرياضة والموسيقى والقراءة التى تكاد تكون اندثرت فى وقتنا الحالي.

وتوضح: «من آثار التكنولوجيا الإيجابية أننا انفتحنا على العالم كله.. وأصبح العالم كله يعيش فيما يُطلق عليه «القرية الصغيرة»، وانفتحنا على الكثير من الثقافات وعادات الشعوب المختلفة وأصبح من السهل أن نسافر عبر القارات بواسطة الهاتف أو الكمبيوتر، ولها أثرها المهم على النواحى الدراسية والمهنية، وإذا نظرنا حولنا سنجد هذه الآثار فى كل مكان، بالإضافة إلى أن التكنولوجيا الحديثة أفسحت المجال للكثير من المواهب الحقيقية لكى تظهر ويتعرف عليها الناس».

وفى النهاية تؤكد د. عزة: أننا بإرادتنا الحرة نصبح قادرين على الاختيار بين ما هو إيجابى فنستفيد منه وما هو سلبى فى التكنولوجيا فنبتعد عنه تماماً، والدور الأكبر يقع على الأب والأم فى أن يكونا قادرين على خلق عالم بديل عن عوالم التكنولوجيا، بشرط أن يكون جذاباً وحنوناً بشكل أكبر، وأن يضعا لأنفسهما خطة لتقليل استخدامهم الشخصى للتكنولوجيا، فالبداية يجب أن تكون من الأب والأم، وعليهما دائماً توفير خطط بديلة وعمل جلساتٍ عائلية وخلق حواراتٍ جماعية واستعادة الذكريات وعمل جو أسرى يجذب أبناءهم ويُبعدهم عن دوامة التكنولوجيا.

غرس القيم واستثمار الوقت
ويرى د. عبد العزيز أحمد أستاذ التربية الإسلامية والفكر التربوى بكلية التربية جامعة الأزهر أن الأسرة المصرية تحتاج للكثير من الأشياء لمواجهة التكنولوجيا، وبالطبع هناك الكثير من الإيجابيات للتكنولوجيا منها تطوير الذات وتعلم اللغات والبرمجة، ولكن فى نفس الوقت لابد من تواجد بعض القيم التى يجب أن تُزرع فى نفوس الأبناء من خلال الأب والأم، ومنها: أنه عليهما أن يعلموهما معنى المسئولية وأنهم مسئولان عما يتعاملان معه من خلال التكنولوجيا، وأن الله شاهد عليهما فى كل وقت.. وتحديد مدى الاستفادة التى يحصلون عليها خلال الوقت الذى قضوه على وسائل التواصل الاجتماعى أو من خلال الألعاب التى يلعبونها حالياً، ومن الممكن أن ننمى بداخله قيمة الصدق على سبيل المثال وضرورة مصارحة الأهل بكل ما يشاهده أو يظهر أمامه بشكل مفاجئ وعدم الدخول لأى شيء هو لا يعرفه إلا بعد سؤال الأهل، فغرس القيم داخل أبنائنا يساعدنا بشكل كبير فى مواجهة مساوئ التكنولوجيا».

ويقول: «على الآباء أن يعلموا أبناءهم كيفية استثمار وقتهم، وعلى الأب والأم فى البداية أن يكون لديهما وعى ودراية بالأساليب التكنولوجية الحديثة، ومعنى الذكاء الاصطناعى وكيفية التعامل معه، فالأطفال للأسف لديهم علم كبير جداً أكثر من أولياء أمورهم بالتكنولوجيا وأدوات الذكاء الاصطناعى وغيرها، وللأسف هناك قاعدة تفيد بأن ما نشأنا عليه يجب ألا نربى أبناءنا عليه، لأن الأجيال والوقت والزمن ووسائل التكنولوجيا تغيرت وتطورت بشكلٍ هائل، ويمكننا أن نستغل التكنولوجيا لصالحنا بشكل عقلانى واستغلال كم المعلومات الهائل الموجود عليها، وتطويعها بحيث تلبى احتياجاتنا دون أن يحدث أى ضرر».

ويختتم حديثه: «من ضمن الغزو الفكرى للتكنولوجيا أنها أبعدت بين أفراد الأسرة الواحدة وبعضهم، ومن صنعوا التكنولوجيا فى البداية كان هدفهم خدمة المجتمعات والنهوض بها.. وأن يكون لهم السيادة والريادة على العالم، وبالفعل هذا ما حدث، ولكن عندما وصلت لنا التكنولوجيا استخدمناها فى كل ما هو سيئ، ولكن إذا استخدمناها بشكلها الصحيح سنصبح قادرين على إحداث تطوير هائل فى كل نواحى الحياة، وهو بالفعل ما يقوم به الباحثون والأطباء حالياً».