رؤية

محمد ياسين يكت: الشيخان.. فرج وعربي

محمد ياسين
محمد ياسين


أطلقت وزارة الأوقاف مبادرة «عودة الكتاتيب» فى مختلف محافظات مصر، بهدف نشر تعاليم القرآن الكريم بأسلوب أصيل، ومعرفة معانيه والتعرُّف على أصول الدين الإسلامى من خلال المنهج الوسطى الأزهرى على أيدى نخبة مختارة من المحفظين، واستقطاب النشء وتحصينهم، ضمن المبادرة الرئاسية «بداية جديدة لبناء الإنسان».

وهى بحق خطوة مهمة لإحياء روح أصيلة فى تاريخ مصر، من خلال الحرص على استعادة الدور الريادى للكتاتيب فى تنشئة الأجيال على قيم القرآن الكريم ومبادئ الإسلام السمحة، بل وبداية لخطوة أحسبها كبيرة جدا للرجوع إلى «القيم المصرية» التى أصبحت مفتقدة، خاصة فى الأجيال الحالية، وكان للكتاتيب دور أساسي فى غرسها داخل كافة الأجيال منذ أن دخل الإسلام مصر.

بل كان من القواعد الأساسية فى أسلوب تربية وتعليم الأبناء عبر مختلف الأزمان بين مختلف فئات المجتمع المصرى، أن تكون الخطوة الأولى فى مشوار التعليم هى الذهاب إلى الكُتّاب الذى كان محورا تعليميا أساسيا، حيث شملت مناهجه تعليم القرآن والعبادات، ومهارات القراءة والكتابة والحساب، إلى جانب القيم الدينية.

■■■

أذكر أن والدى أصر، وأنا طفل صغير فى بداية مرحلة نطق وتعلم حروف الهجاء، على أن أذهب إلى الكُتّاب فى قريتى «باسوس» التى تربيت ونشأت بها من أجل حفظ كتاب الله، مثلما فعل معه والده حين ألحقه بكُتّاب الشيخ فرج الذى ذهب إليه فى سن الرابعة، وكأنه إرث عظيم تتوارثه الأجيال.

كُتّاب الشيخ فرج يبدأ من الساعة السابعة والنصف صباحا بقراءة كل الأطفال خلفه بشكل جماعى وفى نفَس واحد وبعدها يبدأ - الشيخ - فى استقطاب كل طفل على حدة ليتلو له السورة التى يحفظها، ويا سواد نهاره الذى لم يحفظ ما عليه ولم يُسمعه جيدا، ينال من الضرب بـ«الفلكة» ما يجعله يحرص على الحفظ فى المرات القادمة.

أيام الدراسة كان والدى يذهب للكُتاب بعد صلاة الفجر حتى الساعة السابعة والنصف من الصباح وينادى انصراف المدارس، يجرى الأطفال إلى المنازل للإفطار والذهاب للمدرسة، وبعدها يعودون للكُتاب فى الرابعة عصرا حتى وقت الغروب.

كان الشيخ فرج يعلِّم اللغة العربية ويؤكد ويعاقب على «الغن والمد»، فتجد أجيال الكُتاب متمكنة من اللغة العربية، وتخرَّج من تحت يدى الشيخ فرج د.عبد الحميد مدكور أمين عام مجمع اللغة العربية، ود.صابر مهدى أستاذ اللغة العربية بجامعة الأزهر، ود.أبوسريع عبد الهادى أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر، والشيخ سيد عبد الشافى هلال القارئ بإذاعة القرآن الكريم.

■■■

بعد وفاة الشيخ فرج تسلم راية إدارة كُتاب القرية «الشيخ عربى» - وكان أمرا عظيما فى القرى يستلزم اجتماع العمدة بأئمة المساجد وكبار أبناء القرية من خريجى الجامع الأزهر وأكابر البلد لاختيار من يتولى هذه المهمة، عندما التحقتُ بالمدرسة كنت أذهب إلى كُتاب الشيخ عربى فى الإجازة الصيفية من الثامنة صباحا وحتى الثالثة عصرا.

نبدأ صباحنا بقراءة القرآن الكريم، تسميع اللوح، الذى كان عبارة عن «لوح ألومنيوم» نشتريه من عند بائع الأدوات المنزلية بـ٢٠ قرشا، وكنا نكتب عليه بالقلم الحبر، ونصنع الحبر فى المنزل بشراء صبغة من عم طه «الإسكافى»، ونكتب الحفظ على اللوح ويراجعه الشيخ عربى، ووقت صلاة الظهر كان وقت الغداء، فكنا نجلس مع بعض ونعمل «غديوة» كل واحد معه أكل من البيت ونفرش ونأكل مع بعضنا البعض.

وكان الخميس من كل أسبوع هو يوم العقاب أو تسميع الماضى، الشيخ عربى يستدعى كل طفل معه اللوح ويسأله بتحفظ فى سورة إيه؟ ويطلب منه القراءة وفى يده «خيزرانة» بلاستيك ويا ويلك لو غلطت، ثم يقاطعك ويقرأ هو من سورة أخرى وعليك أن تكمل وراءه مع التشديد على «المد والغن».

■■■

هذه هى صورة الكُتاب الذى نريده فى هذه الأيام، وهو ما افتقدته كثيرا مع أبنائى الذين جاهدت كثيرا معهم فى حفظ وقراءة القرآن بأسلوب «الكُتاب»، لكنى لم أجد من يحفظهم، ففى المساجد المحيطة بالمنزل يحفِّظ الشيخ ساعة بعد صلاة العصر مرتين أسبوعيًا.

إن الكُتاب جعلنا متمكنين من اللغة العربية، وإذا نظرنا الآن إلى مستوى طلاب الثانوى سنجد العجب فى الكتابة والقراءة.

■■■

وهذا لا يمنع أن الكُتاب الذى تهدف إليه وزارة الأوقاف يجب أن يتماشى مع عصرنا الحالى باستخدام التكنولوجيا فى التسميع والحفظ بدلا من اللوح الألومنيوم، الذى كنت أكتب عليه صغيرًا، ويُستخدم اللوح الذكى فى الحفظ، والكتابة فى كراسة حتى تكون أداة لتحسين الخط والارتقاء باللغة العربية التى أصبحت مشتتة بين ألسن الأجيال الجديدة، واتباع أسلوب المكافآت للطفل الذى يحفظ حتى نشجع الطفل ويحب الذهاب إلى الكُتاب.

الكتاتيب موجودة فى مصر منذ أكثر من خمسة قرون وتنامت وتطورت مع الأزهر الشريف، ومعظم العلماء الذين برزوا فى الآونة الأخيرة فى كافة المجالات الشرعية، والطب والفلك والهندسة، بل وكبار الأدباء والمفكرين بدأوا حياتهم التعليمية من الكتاتيب.