يوميات الأخبار

حسن علام يكتب: مجالس النميمة في الأندية الفخيمة!

حسن علام
حسن علام


■ بقلم: حسن علام

أبدت شخصية نسائية إعجابها بـ «شنطة وحذاء» صديقتها في المقعد المجاور، وسألتها عن السعر، فأجابتها: حوالي ربع مليون جنيه، لأنهما ماركة معروفة اشترتها من شارع «الشانزليزيه» .

إذا كانت التسلية بالنميمة هى وليدة الفراغ، فإن التهامس وتداول أخبار الآخرين بالعيوب ظاهرة واضحة فى مجالس الأندية الفخيمة، وتزداد الثرثرة على موضوعات التباهى والفشخرة!
دعانى صديق قديم إلى تناول الغداء معه فى مطعم بأحد الأندية الاجتماعية الشهيرة فى مصر، الذى يحتضن طبقة الأغنياء والمرفهين من المجتمع المخملى.

وبعد انتهاء «الوليمة» ذهبت مع آخرين من أصدقائه الذين لبوا دعوته أيضًا إلى تناول القهوة فى أحد الصالونات الفخمة الفسيحة، وفى الطريق القصير الموصل بين المبنى الاجتماعى والصالونات، همس أحدهم فى أذنى: تعال إلى مجالس النميمة، حيث يتبارى أعضاؤه بقدراتهم العالية على التوقع والتخمين وتحليل الأحداث بصور سلبية مبالغة، والتباهى والفشخرة بالمال.

دخلنا صالونًا كبيرًا تتسع دوائر اتصاله بحوالى عشرين من الأعضاء أغلبهم من النساء، وقد تزينت الأذرع والرقاب بأغلى الأساور والكوليهات والساعات من المعادن الثمينة، وارتفعت الأصوات تنادى «الجرسونات» بالأوامر والطلبات، التى قد تصل إلى التوبيخ أحياناً بأن الليمون ينقصه «ثلج» أو أن القهوة جاءت متأخرة وباردة، وبشكل استفزازى!

ازدادت الإضاءة فى الصالون بناء على طلب إحداهن، وعلت الضحكات الرنانة عندما سألت واحدة من الحاضرات صديقى صاحب الدعوة عن اسم شخص من «الشلة» تغيب عن النادى منذ شهر، فتطوعت أخرى: يمكن «بيتجوز»، قاطعتها أخرى: دى الجوازة رقم كام؟ لأنه كل سنة بيطلق ويتجوز جوازة جديدة، ثم بدأ عدد كبير من الحاضرين فى تداول سيرة العريس الغائب والتندر عليه، وحجم ثروته، وتفكيك مثالبه وفضح عيوبه وأخطائه، وقول ما فيه، وما ليس فيه، إلى آخر ملامح الغيبة والنميمة، وربما يكون كلامهم كذباً فى كذب، لأنى لا أعرف هذا الشخص الذى لم يسلم من أذاهم والحقد عليه!

ثم ضاقت جدران الصالون بحديث آخر عن فلان و»علان»، واستغفرت من «أباليس» الإنس الذين يلوثون ألسنتهم بالأحاديث عن الغائبين ويستغلون عدم حضورهم للاستمتاع بدوائر الوهم، والاستئناس بالقدح فيهم، والكذب عليهم، والتقليل من شأنهم، ووصمهم بما ليس فيهم، والغريب فعلاً أننى لم أجد مدافعاً واحداً من الحاضرين يرد الغيبة أو يؤنب مرددها، علماً بأن هذه «المكلمة» طالت شخصيات كثيرة!!

ثم أبدت شخصية نسائية إعجابها بـ «شنطة وحذاء» صديقتها فى المقعد المجاور، وسألتها عن السعر، فأجابتها: حوالى ربع مليون جنيه، لأنهما ماركة معروفة اشترتها من شارع «الشانزليزيه» بباريس بحوالى خمسة آلاف من الدولارات، فردت عليهما ثالثة: غالية جداً.. أنا اشتريت ماركة أعلى من طاقمك من «دبى» بثلاثة آلاف دولار «حوالى ١٥٠ ألف جنيه فقط»، فردت الأولى: لا الطاقم بتاعى أعلى من ماركتك بكثير، وارتفعت نبرة الحوار حتى كادتا تشتبكان لولا تهدئة العاقلين!!!

أما متلازمة «الفشخرة» و«المنظرة» فقد أصابت اثنين من الرجال الحاضرين «رجال أعمال»، فقد ذكر أحدهما أنه اشترى رقم سيارة مميزاً جداً بـ نصف مليون جنيه، ليضعه فى لوحة سيارته، بينما تباهى آخر بأن حذاءه الذى يرتديه ثمنه ٣٠ ألف جنيه وسعره الحقيقى ٦٠ ألف جنيه لأنه اشتراه من السعودية بعد تأدية العُمرة بخصم ٥٠٪ بعد أن كان السعر قبل الخصم أربعة آلاف ريال.

شكرت صديقى على عزومة «الغداء»، ودعوتى لمجلس النميمة والغيبة والفشخرة المسلى، وعندما سألنى عن رأيى فيه، ضحكت من كل قلبى وأجبته: رحم الله «سقراط» عندما قال قولته الشهيرة: «تكلم حتى أراك»!!!

◄ الثلاثاء:

سعدت بحرص د. محمد مختار جمعة «وزير الأوقاف السابق» على تواصله معى بعد أن تفضل بضمى إلى مجموعة أصدقائه بـ «الواتس آب» لأكثر من سبب: فطوال سنوات توليه الوزارة من ١٦يوليو ٢٠١٣ ولمدة ١١ عاماً، كانت العلاقة بيننا تسودها المحبة والاحترام المتبادل، ولم تشبها أية مصلحة، وكان لا يغضب من أى نقد بناء أوجهه لفضيلته فى مقالاتى، كما أننى أقدر علمه كعالم موسوعى ومفكر إسلامى تولى مناصب علمية عديدة قبل المنصب الوزارى كعميد لكلية الدراسات العربية والإسلامية، ورئيس للمكتب الفنى لشيخ الأزهر، وله مؤلفات وكتب قيمة فى الدين والأدب والسياسة، ومسئول نظيف بنى ثروته بعصاميته وجهده بحكم عمله فى الخليج.

والجميل فيه أنه لم تصبه متلازمة التقاعد التى قد تصيب غيره بعد تركهم مظاهر التقدير والهالة التى كانت تحيط بهم من مكاتب فخمة وكراسى وثيرة وحراسات وسيارات فارهة ونفوذ ورحلات دولية على درجة «رجال الأعمال»، لم يتأثر الدكتور محمد مختار جمعة بكل هذه المظاهر الزائلة، وتفرغ للعلم والتدريس الجامعى ليعلم أجيالا قادمة طبيعة الإسلام السمحة، وعلومه، ومعرفة أسرار كتاب الله فهماً، وحفظاً واستحضاراً، والسنة النبوية الشريفة، والمقاصد الشرعية، والفقه والتدين الصحيح .

◄ الخميس:

ركبت المترو متوجهاً إلى وسط البلد، وصلتها بعد حوالى عشر دقائق فقط من «المهندسين» بلا أزمات مرورية ولا زحام، بصراحة مترو الخط الثالث يتشابه كثيراً مع هذه الوسيلة السريعة المريحة فى معظم مدن وعواصم أوروبا، فبمجرد وصولى أى عاصمة أوروبية أستخرج اشتراك المترو لمدة الأسبوع الذى أقضيه هناك بسبب غلاء اجرة التاكسى الباهظة، فأنا رجل اقتصادى بطبعى أبحث عن الخدمة العالية بالسعر المناسب!

جميع قطارات المترو على هذا الخط مكيفة، ونظيفة، ومزودة بالنداء الآلى لإذاعات داخلية تعلن تنويهات بأسماء كل محطة قبل الوصول بمدة كافية كخدمة إرشادية، ومتوافر أماكن بكل قطار لكبار السن وذوى الاحتياجات الخاصة، والأهم من ذلك كله التجاوب الإيجابى الحضارى من الركاب، لم أشاهد راكباً يلقى بمخلفات على الأرض، أو محاولة تدخين، أو حتى تناول مشروب أو «ساندويتش» وكلها ممنوعات تخل بالنظام العام، حتى طبقة البسطاء التزموا بالتعليمات، ولم أر حالة واحدة تتعرض للمساءلة القانونية!

وأعتقد أن أهم أسباب حركة انسيابية المرور فى شوارع القاهرة بشكل عام، تشغيل المترو وامتداده لمناطق جديدة للقاهرة الكبرى، كما أن المترو ساهم فى انضباط بعض سائقى التاكسيات الجشعين الذين كانوا يفرضون سطوتهم على الركاب بأسعار مبالغ فيها، والآن أصبح العرض من التاكسيات أكثر من الطلب بسبب توفير المترو، ووسائل التوصيل الأخرى مثل الأوبر!

◄ السبت:

رأيت الفرحة تعلو قسمات وملامح عدد من الفائزين فى «قرعة» الحج  هذا العام، وهم بالمناسبة عددهم أكثر من أى عام مضى بسبب قرار وزير الداخلية الحكيم اللواء محمود توفيق باستبعاد كل من سبق له الحج، وبذلك أعطى فرصة أكبر لمن لم يسبق له أداء الفريضة..

أنا لست فقيها، لكن المنطق والظروف الاقتصادية الصعبة التى تعيشها مصر تقول إن الأولى والأفضل تقديم مصالح وحاجات الفقراء الذين هم فى حاجة ملحة إلى الطعام والكساء والدواء وإجراء الجراحات العاجلة، هم أفضل ألف مرة من تكرار الحج الذى وصل الحد الأدنى لتكاليفه حوالى ربع مليون جنيه، ويجب أن يتبرع من أدى الحج لهذه الفئات المحتاجة، فذلك عند الله أعظم.

وأعرف شخصياً شخصيات من كبار رجال الأعمال تحرص سنوياً على حج «الترفيه» والنزول والإقامة فى فنادق الخمس نجوم، والخيام الألمانية المكيفة بحمامات خاصة، والعامرة بالوجبات الساخنة والحلوى الفاخرة والفواكه الطازجة على مدى ٢٤ ساعة، وقد وصلت تكاليف حج الترفيه للفرد الواحد مليون جنيه بالتمام والكمال، وتخيلوا أيهما أفيد وأفضل: رجل وزوجته يدفعان مليونى جنيه للحج «رغم أنهما سبق أن أديا الفريضة».. أم يتبرعان بهذا المبلغ لإنشاء دار للأيتام، أو مستوصف خيرى لعلاج المرضى الفقراء ؟!!!