بقلم د. محمد محمد زيادة:
في إطار الجهود الحثيثة التي تبذلها الدولة لتطوير النظام الصحيّ، وتحسين خدماته المقدمة إلى المواطنين؛ جاء قانون (87) الخاص بالمنشآت الصحية -القانون الذي تحدثنا عنه في المقال السابق- خطوةً أساسيةً نحو تعزيز المنظومة الصحية.
اقرا أيضا للكاتب: من أجل صناعة مستدامة اقرا أيضا للكاتب: د. محمد محمد زيادة يكتب: اللي جاي خير
وها نحن أُولَاء بصدد مشروع قانون المسئولية الطبية، والذي يوافق ما أكدناه من رغبة الدولة المصرية -وهي رغبة صادقة-في تحسين الخدمات الصحية، وحماية حقوق المواطنين.وبعد أنْ أحال مجلسُ الشيوخِ القانونَ إلى مجلسِ النوابِها هي الآمال تنعقد على أنْ يكون لهذا الأخير دورجوهريّ في إصدار القانون -بما يضمن حقوق المواطنين-كما كان له دور جوهريّ ملموس في القانون السابق.
اقرا أيضا للكاتب: كلية التربية والاستثمار
يسعى قانون المسئولية الطبية إلى توفير الحماية اللازمة للمرضى من الأخطاء الطبية، مع الحفاظ على حقوقهم وحقوق مقدمِي الخدمة. ومع ذلك أثار مشروع القانون جدلًا حول مدى عدالته، حيث يتساءل بعضٌ عن مدى إمكان تحمُّل طرف واحدمسئولية الأخطاء الطبية، في حين أنَّ خطأَ الإهمالِ الطبيّ قد يتسبب فيه المريض نفسه، أو ربما تسوء حالته بمضاعفات طبيعية متعارف عليها طبيًّاوفقًا لحالته.
اقرا ايضا للكاتب: عامانِ من قتل صناعة الأسمنت الأبيض
بل إنَّ بعضًا قد بالغ في مخاوفه من أنْيتسبب هذه القانون فيهجرة الأطباء إذا ما نَصَّ على عقوبات تسلب حرية مَن يرتكب مخالفةً طبيةً جسيمةً. ويرى هؤلاء أنْ يُكتفى بالغرامات المالية، أو ما يطلقون عليه "التعويضات"؛ مبررينَرؤيتهم بأنه لا يجب أنْ يُعاقَبَ الأطباءُ المخطئون كالمجرمين!
اقرا ايضا للكاتب: قانون العمل.. عجلة الإصدار والاستثمار اقرا ايضا للكاتب: د. محمد محمد زيادة يكتب: داخل الصندوق
ومهما كانت تلك المخاوفُ حميدةً فإنَّ المطالبةَ بألَّا يعاقب القانون بعقوبات تسلب الحريات، أو غرامات تُفرض على مَن أخطأ طبيًّا أو تهاون مهنيًّا في أداء عمله ورسالته-تفتقر إلى كل معاني الإنسانية، وتؤدي إلى مناخ يأمن فيه المخطئُ العقابَ، فلا ننتظر فيه إساءة الأدب فحسبُ،وإنما سنشاهد فيه الأرواح تُزْهَقُ إمَّا فعليًّا وإمَّا معنويًّا، ولكَ أنْ تتخيلَ مصيرَ أُسرة برمتها بُتِرَتْ قدمُ معيلها لأنَّ ضميرًا غائبًا قد أمِنَ العقابَ، ولكَ أنْ تتخيل أيضًا كيف تتحول حياة إنسان فقَدَ بصره ففقد معه عمله وسعادته وصحته النفسية قبل أنْ يخسر صحته الجسدية!
اقرا ايضا للكاتب: كارثة CSS صديق البيئة
إنَّ مثلَ هذه المطالبات لا تفتقر إلى المنطق فقط؛ ولهذادعونا أنْ نتأمل معًا نَصَّ المادة رقم (240) من قانون العقوبات، التي جاء فيها: "كل مَن أحدث بغيره جرحًا أو ضربًا نشأ عنه قطع أو انفصال عضو فقد منفعته، أو نشأ عنه كف البصر، أو فقد إحدى العينين، أو نشأت عنه أي عاهة مستديمة يستحيل بُرْؤُهَا - يعاقبُ بالسجن من ثلاث سنين إلى خمس سنين".
اقرا أيضا للكاتب: د. محمد محمد زيادة يكتب: الخطوة الفارقة
هذا هو نَصُّ المادة التي يعاقب بها كل مَن اعتدى على بريء، والسؤال لهؤلاء: ما الفرق بين هذا الاعتداء وإهمال الطبيب، وكلاهما قد أديَا إلى المصير ذاته؟! ولربما يأتيك الجواب بأنَّ هذا الاعتداء متعمَّدٌ، في حين أنَّ خطأ الطبيب عفويّ، سوى أنَّ هذا الجواب ليس إلَّا مغالطةً كبرى؛ لم تفتقر إلى المنطق فحسبُ، وإنما تغاضت عن الفقرة التالية من المادة ذاتها، مثلما تغاضى تمامًا عن كل قيم العدل والإنصاف أولئك المطالبون بعدم توقيع العقوبات السالبة للحريات على مقدمِي الخدمة المهملين؛ إذْ إنَّ الفقرة التالية تنصَّ على: "أمَّا إذا كان الضرب أو الجرح صادرًا عن سبق إصرار أو ترصد أو تربص، فيُحكم بالسجن المشدد من ثلاث سنين إلى عشر سنين"؛ أي أنَّ الفقرةَ الأولى التي نصت على عقوبة السجن من ثلاث إلى خمس سنوات مقصورةٌ على مَن تسبب في هذه العاهات دون الخوض في نيته أو قصده.
اقرا أيضا للكاتب: د. محمد محمد زيادة يكتب: الإدارة الرقابية
وخلاصة القول هوأنه يجب التمييز بين المضاعفات الطبية الطبيعية وتلك الناجمة عن أخطاء طبية محضة، ثم التمييز بين هذه الأخطاء الطبية من حيث كونها أخطاءً طبيةً متعمَّدةً أو غير متعمَّدةٍ، ويندرج تحت الخطأ الطبيّ المتعمَّدِ كلُّ إهمال طبيّ مهما كان تبريره أو تصنيفه؛ فكل إهمال طبي -أيًّا كان مقداره أو مداه- فهو إهمال جسيم يستوجب عقوبةً رادعةً؛ فالصحة هي السعادة، وكلاهما لا يقبل التعويض.
اقرا ايضا للكاتب:د.محمد محمد زيادة يكتب: CBAM.. العنصر الغامض يعيد صياغة قواعد التجارة العالمية
وأخيرًا، يُعدُّ هذا القانون نتيجةً طبيعيةً لسلسلة من الإصلاحات التي تهدف إلى تنظيم المسئولية الطبية، وحماية المرضى، ولتبقى مصر شامخةً فخورةً بجيشها الأبيض وأطبائها العظماء، الذين يُعمِلون ضمائرهم قبل أنْ تَعملَ مَبَاضِعُهم، وإنْ كان هذا القانون منفرًا لمَن غابت ضمائرهم، ودفعهم إلىالهجرة، فيا لها من هجرة مستحبة!
للاطلاع على سلسلة مقالات "الحد الفاصل" للكاتب د. محمد محمد زيادة

د حسام عبدالغفار يكتب : حين يرتدي الجهل عباءةَ الطب
متعة شارع الفن
نبيل فهمي.. المهمة الأصعب







