يوميات الأخبار

يا شامُ إن جراحى لا ضفاف لها..

علاء عبدالهادى
علاء عبدالهادى


نلملم الشمل سريعًا، ويتوافق السوريون على أن تكون سوريا ملكًا للسوريين فقط.

 آه يا سوريا.

أى مستقبل يمكن أن أنتظره لها، وأنا أتابع الفضائيات تنقل أخبار قيام الطيران الإسرائيلى بشن أكثر من 250 غارة جوية فى أقل من 24 ساعة (وقت كتابة اليوميات) من أجل تدمير كل البنى التحتية والعتاد والذخيرة للجيش السورى، طلعات لم تبق على طائرة أو قطعة فى الأسطول البحرى، ولا مخزن للسلاح، كما دمروا كل مراكز الأبحاث التابعة للجيش السورى وسووها بالأرض، بمباركة أمريكية، وتخاذل دولى معتاد.. جاء هذا بعد أن أصدر نتنياهو كبير الضباع أوامره لجيش الاحتلال بابتلاع المنطقة العازلة بين الجولان السورى الذى يحتله منذ نكسة يونيو 67 وبين بقية سوريا العليلة.. فرصة ذهبية لقضم قطعة من الجسد السورى المثخن بالجراح.

بالتأكيد نحن أمام عصر جديد، ولكن من يصنعه؟ ومن يملك فيه الكلمة؟ هل يتعلم السوريون من تجربة العراق ولبنان والسودان وتونس واليمن؟
هناك فراغ للقوة فى سوريا الحبيبة، أخشى أن تملأه التيارات الإسلامية المتشددة، ونكون كالمستجير من الرمضاء بالنار، وأخشى أن يتشظى الوطن إلى دويلات بناء على الهوية الدينية، الجميع خاسر إذا لم يدرك السوريون دقة اللحظة التاريخية التى يعيشونها، فالأسهل كان الإطاحة بالأسد وحاشيته، والأصعب أن يتوحدوا تحت علم واحد وتحت توجه واحد ويعلون شأن الوطن، ولا تتخذ قراراتهم من الخارج، فأزمة سوريا بدأت عندما تحولت إلى ساحة للحروب بالوكالة: روس،إيرانيين، أترك، أكراد، سنة، إخوان، تنظيم قاعدة، داعش، الكل يحارب الكل، فمن يلعب الآن دور العدو بعد أن سقط العدو المشترك؟

أين ذهب الجيش الوطنى؟ لماذا لم يحارب؟ ومن سيحتضن ضباطه وجنوده الذين كانوا يحمونه؟ هل نتركهم لكى يتحولوا إلى تنظيمات مسلحة كما حدث فى الجيش العراقى بعد حله على يد الأمريكان فى أعقاب احتلال العراق؟

نحن نسير فى نفق مظلم إذا لم نلملم الشمل سريعًا، ويتوافق السوريون على أن تكون سوريا ملكًا للسوريين فقط.

أحب سوريا أرضا وشعبًا وأخاف عليهم خوفى على وطنى فهم جزء من الوطن . حفظ الله سوريا.

أتذكر ما قاله الشاعر الكبير الراحل نزار قبانى:

«يا شامُ، إن جراحى لا ضفاف لها فمسّحى عن جبينى الحزنَ والتعبا»

فى أوسلو وكوبنهاجن كانت لنا أيام 

 كنت محظوظًا، حيث اتيحت لى فرصة زيارة الكثير من أقطار العالم من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب على مدى ما يقرب من ربع قرن، من عمرى الصحفى، ولكن حلمى بزيارة إحدى الدول الإسكندنافية، كان عصيًا، تأخرتحقيقه كثيرًا، حتى جاءنى هاتف من إدارة العلاقات الثقافية الخارجية فى وزارة الثقافة يدعونى لزيارة النرويج مع وفد ثقافى مصرى، وعندما خرجت من مقر السفارة أثناء استكمال إجراءات استخراج الفيزا تمهيدًا للسفر، فوجئت بتليفون من رقم ألح فى طلبى، تسألنى مسئولة الإعلام فى المعهد الدنماركى للحوار التابع للسفارة الدنماركية فى القاهرة إن كان لدى مانع من المشاركة ضمن وفد إعلامى مصرى لمتابعة تجربة الانتخابات الدنماركية عن كثب، وبالفعل سافرت إلى أوسلو وقضيت فيها قرابة الأسبوع ومنها طرت إلى كوبنهاجن، وقضيت أسبوعًا آخر فى مملكة الدنمارك أسعد شعوب، والذى أعاد لى ذاكرة زيارة هذين البلدين بعد مرور أكثر من 12 عامًا، الزيارة الموفقة للرئيس عبد الفتاح السيسى لهما ضمن جولته الأوروبية التى زار خلالها ثلاث دول، فرغم الصقيع والبرودة التى تتميز بها تلك الدول فى هذا الوقت من العام حيث تدور درجة الحرارة حول الصفر، إلا أن سخونة التطورات على مستوى المنطقة فرضت هذه الزيارة، سخونة تطورات اقتصادية يسعى من خلالها الرئيس إلى فتح منافذ جديدة تعالج مثلا تداعيات أحداث وتوترات المنطقة على عوائد قناة السويس، نفهم ذلك ونحاول أن نستوعبه عندما نعرف أن الدنمارك واحدة من أكبر دول الشحن البحرى فى العالم، حيث يشكل نسبة كبيرة من إجمالى ناتجها القومي. ناهيك عن أن ميرسك أحد أهم وأكبر شركات الشحن والنقل البحرى حول العالم، هى فى الأصل شركة دنماركية.

فى أوسلو عشت تجربة استثنائية وربما فريدة ترتكز على فكرة عالمية لغة الموسيقى وأنها من مفردات الكون، لا نحتاج إلى دراسة الموسيقى لنستمتع بأصوات الطيور، ولا نحتاج إلى دراسة لكى نتذوق الفنون الشعبية، التجربة كانت عبارة عن فرقة للفنون الشعبية الارتجالية من صعيد مصر، تم انتقاؤها بعناية شديدة، لكى تقدم أغانيها مع أغانى الغجر فى النرويج، كلاهما لا يفهم لغة الآخر، سعت التجربة إلى البحث عن لغة مشتركة لكى يتفاهما بالموسيقى والغناء وعبر عدة بروفات امتزجا وانتجا محتوى شاهده رواد أوبرا أوسلو التى تتضمن أيضًا المسرح الوطنى، وهو بالمناسبة مبنى فريد، تصميمه عصرى وأسطحه مائله، مغطاة برخام كارار الإيطالى الشهير.. الشىء الطبيعى أن تنبهر بكل شىء حولك فى أوسلو، مدينة جمعت بين شيئين ليس من السهل الجمع بينهما، وهما البناء العصرى فى كل شىء حولك، وفى نفس الوقت المحافظة على البيئة واستدامتها، من الأشياء التى تلفت الانتباه للنرويج وتشترك فيه مع الدول الاسكندنافية، التوسع فى استخدام الدراجات فى التنقل، سعدت بوجود دراجات فى مدخل الفندق الذى نزلت فيه، وعرفت أنها متاحة لنزلاء الفندق، وبالفعل لم أكذب خبرًا أخذت دليل المدينة مطبوعًا، لم يكن «الجى بى إس» بالصورة التى نحن عليها الآن، فأنا أتوه من دونه فى القاهرة، وانطلقت أتفقد معالم المدينة، تكاد تكون أمتع زيارة قمت بها، لأنها أتاحت لى الوصول إلى أماكن ما كان لى أن أزورها، وزرت متحف «مراكب الفايكنج» ووصلت إلى مينائها البحرى البديع، وتابعت حركة  السفن السياحية العملاقة التى تصطف فى الميناء ويتجاوز ارتفاعها عمارة كبيرة، استمتعت بإطعام طيور النورس، التى لا تخشى الاقتراب من البشر، الذين يشترون الخبز الطازج ليطعموها. ورغم أننا كنا بالقرب من ميناء تجارى إلا أن كل شىء فى الحسبان، لا يطغى أحدهما على الآخر، أماكن السياح، والمطاعم والكافيهات لا تطغى على الميناء، ولا تطغى على نسبة الخضرة والزرع فى الجزء الخلفى للشاطئ.

فى مملكة الدنمارك 

الدنمارك هى الأخرى مملكة دستورية مثلها مثل النرويج التى غادرتها منفردًا فى طريقى إلى كوبنهاج لكى أنضم لزملائى الصحفيين الذين سبقونى بيوم لكى نتابع المعركة الانتخابية على الطريقة الدنماركية، لم نكن مراقبين، كنا فى الفترة التى تلت أحداث ثورة يناير، وما أعقبها من تطورات جميعنا يعلمها، وكانت فرصة لكى نتعرف على تجربتهم فى إجراء الانتخابات، وأعدوا لنا عدة ورش ولقاءات مع مسئولين من الأحزاب المختلفة التى تخوض المعركة الانتخابية، وأساليبهم فى إدارتها، وكانت المعركة حامية، استوقفنى أن أغلب من قدموا لنا الورش كانوا صغارًا فى السن وكان أغلبهم دون الثلاثين ومع ذلك يحتلون مراكز متقدمة فى الأحزاب التى يمثلونها، استوقفنى أن هناك الكثير من الذين يحملون الجنسية الدنماركية أتوا من بلاد إسلامية عربية وإفريقية، المشكلة أن بعضهم من ذوى المرجعيات الراديكالية المتشددة، كان يحرم الانتخابات ويهدد من يذهب على اعتبار أن «الحكم لله وحده» تابعت تفاصيل المعركة حتى لحظتها الأخيرة، وإعلان الفائز عقب منتصف الليل، وكيف اعترف الخاسر بالهزيمة وهنأ منافسه.