تمر علينا هذه الأيام الذكرى الحادية عشر لرحيل واحد من أهم زجالين وشعراء العامية المصرية “الشاعر الثائر”، الراحل الكبير أحمد فؤاد نجم الملقب بـ”الفاجومى”، والذى يعد واحد من أشهر شعراء المجال فى العصر الحديث وأكثرها جرأة دون منازع.
قدم الفاجومى على مدار مشواره ورحلته الطويلة مع الشعر العديد من القصائد والأبيات الشعرية، كانت دوما ترمز لمدرسة شعرية مغايرة، تخطط بجرأتها كافة الحدود ولم تتقيد يوما بأي محاذير، كان أسلوبه الساخر سلاحه الذى لم يسلم من نقده قاص ولا داني.
برع الراحل أحمد فؤاد نجم فى كتابة ألوان وأنماط عديدة من الشعر، بداية من الشعر العاطفى الذى تضمن فيه الحديث عن مرارة الهجر وآلامه مرورا بقصائده الاجتماعية، إذ تعددت إسهاماته فى هذا المجال، وكان أغلبها ينتمي للشعر السياسي عبر عشرات القصائد التى عبر خلالها عن آرائه و وجهة نظره فى العديد من القضايا والأزمات السياسية والاجتماعية التى تواجه المجتمع المصرى.
ولد أحمد فؤاد نجم بقرية “كفر أبو نجم” فى مدينة “أبو حماد” محافظة الشرقية، وكان ينتمى لأسرة بسيطة تتكون من أم ريفية وأبا كان يعمل ضابطا بجهاز الشرطة آنذاك “محمد عزت نجم”، وكان ضمن سبعة عشر ابناً، لم يتبق منهم سوى خمسة، والسادس فقدته الأسرة ولم يراهم. التحق نجم فى طفولته- كما كان معتادا فى ذلك الوقت - بكتّاب القرية كعادة أهل القرى في هذا الزمن.
أدت وفاة والده لانتقاله إلى بيت خاله بالزقازيق، حيث التحق بملجأ أيتام 1936م -والذي شهد لقائه بالعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ- ليخرج منه عام 1945م، وعمره 17 سنة، ثم عاد بعد ذلك لقريته للعمل راعيا للماشية، ثم انتقل إلى القاهرة عند شقيقه ليعود بعد ذلك إلى قريته.

عمل نجم فى شبابه فى عدة مهن إلى أن قادته الظروف للسفر إلى مدينة فايد، وهي إحدى مدن القنال التي كانت تقع تحت سيطرة الاحتلال الإنجليزى فى ذلك الوقت، حيث التقى بعدد من عمال المطابع من أصحاب الفكر الشيوعي، وكانت هذه الفترة هى الأهم بحياته إذ بدأ خلالها الانخراط بشكل كامل مع فئات مجتمعية وفكرية مختلفة، ساهمت بشكل كبير فى تكوين شخصيته وأفكاره، ومن ثم القضايا التى بات يؤمن بها والتى اكتسب معها بشكل كبير الطابع الثورى فى شخصيته، وقادته للمشاركة فى الكثير من المظاهرات ما بعد عام 1946.
بدأ نجم مشواره مع الشعر بكتابة العديد من القصائد والأشعار العاطفية إلى أن جاءت الفترة ما بين عام 1951 -1956 والتى اشتغل خلالها عاملا في السكك الحديدية، وفى عام 1959 انتقل من البريد إلى النقل الميكانيكي في العباسية، ثم وجهت إليه تهمة الاختلاس، وسجن 33 شهرا، ثم عمل بأحد المعسكرات الإنجليزية وساعد الفدائيين في عملياتهم، وأثناء عمله بورش النقل الميكانيكي اتهموه بجريمة تزوير استمارات شراء وحكم عليه بـ3 سنوات بسجن قره ميدان، وبعد خروجه عُين موظفا بمنظمة تضامن الشعوب الآسيوية الأفريقية وأقام في غرفة على سطح أحد البيوت بحى بولاق الدكرور، إذ كان لهذه الفترة الزمنية وما شهده فيها من أحداث أثر كبير فى تغيير مسار حياته وكتاباته الشعرية إلى أن تعرف على الشيخ إمام وشكلا ثنائيا غنائيا وقدما الكثير من أغانى الرفض والأغانى الثورية المحرضة، وهى الفترة التى تحدث عنها نجم فى عدد من لقاءاته الإعلامية قائلا:” كانت أهم قراءاتي في ذلك التاريخ هي رواية الأم لمكسيم غوركي، وهي مرتبطة في ذهني ببداية وعيي الحقيقي والعلمي بحقائق هذا العالم، والأسباب الموضوعية لقسوته ومرارته، ولم أكن قد كتبت شعراً حقيقيا حتى ذلك الحين وإنما كانت أغاني عاطفية تدور في إطار الهجر، والبعد.. وكنت في ذلك الحين أحب ابنة عمتي وأتمناها، لكن الوضع الطبقي حال دون إتمام الزواج لأنهم أغنياء”.
وفي الفترة ما بين 1951 - 1965م التحق نجم بالعمل في هيئة السكك الحديدية، وبعد معركة السويس؛ قررت الحكومة المصرية استرداد القاعدة البريطانية الموجودة في منطقة القنال، وعلى كل ممتلكات الجيش هناك، وكانت ورش قطارات الزقازيق تقوم في ذلك الحين بالدور الأساسي، لأن قطارات الإسماعيلية والسويس وبورسعيد ضُربت جميعا في العدوان، ويضيف معلقا على هذه الفترة: ”وبدأنا عملية نقل المعدات. وشهدتُ في هذه الفترة أكبر عملية نهب وخطف شهدتُها، أو سمعتُ عنها في حياتي كلها، وفقدت أعصابي وسجلت احتجاجي أكثر من مرة.. وفي النهاية نقلت إلى وزارة الشؤون الاجتماعية بعد أن تعلمت درساً كبيراً. أن القضية الوطنية لا تنفصل عن القضية الاجتماعية، كنت مقهورا وأرى القهر من حولي أشكالا ونماذج، كان الكبار منهمكين في نهب الورش، بينما يموت الفقراء كل يوم، دفاعا عن مصر”.
وفي وزارة الشؤون الاجتماعية عملت طوافاً، أوزع البريد على العزب، والكفور، والقرى، وكنت أعيد في هذه المرحلة اكتشاف الواقع، بعد أن تعمقت رؤيتي وتجربتي- شعرت حينئذ رغم أنني فلاح وعملت بالفأس لمدة 8 سنوات- أن حجم القهر الواقع على الفلاحين هائل وغير محتمل، كنت أجد في الواقع المصري مرادفات حرفية لما تعلمته نظريا، كان التناقض الطبقي بشعا.
في سنة 1959م التي شهدت الصدام الضاري بين السلطة واليسار في مصر، على إثر أحداث العراق، انتقل الشاعر من البريد إلى النقل الميكانيكي في العباسية، أحد الأحياء القديمة في القاهرة، وهى المرحلة التى تحدث عنها نجم قائلا: “وفي يوم لا يغيب عن ذاكرتي أخذوني مع أربعة آخرين من العمال المتهمين بالتحريض والمشاغبة إلى قسم البوليس، وهناك ضربنا بقسوة حتى مات أحد العمال.. وبعد أن أعادونا إلى المصنع طلبوا إلينا أن نوقع إقرارا يقول إن العامل الذي مات كان مشاغباً وإنه قتل في مشاجرة مع أحد زملائه.. ورفضت أن أوقع، فضربت. وبعد ذلك عشت فترة شديدة التعقيد من حياتي، و وجهت إلي تهمة الاختلاس، و وضعت في السجن لمدة 33 شهرا”.
بعدها بسنوات عمل نجم بأحد المعسكرات الإنجليزية، وساعد الفدائيين في عملياتهم، بعد إلغاء المعاهدة المصرية الإنجليزية دعت الحركة الوطنية العاملين بالمعسكرات الإنجليزية إلى تركها فاستجاب نجم للدعوة، وعينته حكومة الوفد كعامل بورش النقل الميكانيكي، وفي تلك الفترة اتهم بجريمة تزوير استمارات شراء مما أدى إلى الحكم عليه 3 سنوات، قضاها بالسجن ، وفي السنة الأخيرة له في السجن اشترك في مسابقة الكتاب الأول والتي ينظمها المجلس الأعلى لرعاية الآداب والفنون وفاز بالجائزة، وبعدها صدر الديوان الأول له من شعر العامية المصرية باسم “صور من الحياة والسجن” ليخطو أولى خطواته نحو الشهرة وهو خلف قضبان السجون.
بعد خروجه من السجن عُين موظفاً بمنظمة تضامن الشعوب الآسيوية الأفريقية، وأصبح أحد شعراء الإذاعة المصرية، إلى أن تعرف على الشيخ إمام وأصبحا ثنائياً معروفاً، وأصبحت الحارة التى يقطنان بها ملتقى المثقفين بذلك الوقت، ونجحا سوياً في إثارة الشعب وتحفيز هممه قديما ضد الاستعمار، ثم ضد غيبة الوعي الشعبي، ويقول نجم عن رفيق حياته: «إنه أول موسيقي تم حبسه في المعتقلات من أجل موسيقاه، وإذا كان الشعر يمكن فهم معناه، فهل اكتشف هؤلاء أن موسيقى إمام تسبهم وتفضحهم».
كان نجم على مدار سنوات مشواره مع الشعر مثالًا يحتذى به فى مدرسته الشعرية وفلسفته الخاصة فى كتاباته، وتحديدا فى اختيار كلماته ومرادفاته التى امتزجت وتلاحمت مع وجدان الشارع المصري كونها منه وإليه، وكانت الأقرب والأصدق فى حسن تجسيد آلامه و أوجاعه، بلغته العامية البسيطة فى تكوينها والأقرب للسيط فى تأثيرها، إذ لم يكن اعتماد نجم فى كتاباته على العامية من فراغ، وإنما لإيمانه الشديد بقيمة وأهمية الكلمة العامية التى قال عنها: “ أن العامية أهم شعر عند المصريين؛ لأنهم شعب متكلم فصيح، وأن العامية المصرية أكبر من أن تكون لهجة، وأكبر من أن تكون لغة، فالعامية المصرية؛ روح وهي من وجهة نظره أهم إنجاز حضاري للشعب المصري”.
يعتبر أحمد فؤاد نجم شاعراً متدفق الموهبة؛ فقد ألف العديد من الأغاني، والتي تعبر جميعها عن رفضه للظلم، وحبه الفياض لوطنه، والتى من بينها “ يعيش أهل بلدي، مصر يا امة يا بهية، جائزة نوبل، الأخلاق، الخواجة الأمريكاني، استغماية، الأقوال المأسورة، هما مين واحنا مين، البتاع، الكلمات المتقاطعة، حسبة برما، كلب الست، نيكسون جاء، بابلو نيرودا، تذكرة مسجون، شقع بقع، الثوري النوري، يا فلسطينية، يا عرب، بقرة حاحا، بحبك يا مصر”.
وتوفي أحمد فؤاد نجم في يوم الثلاثاء 3 ديسمبر 2013م؛ عن عمر يناهز 84 عاماً، بعد عودته مباشرة من العاصمة الأردنية عمان، التي أحيا فيها آخر أمسياته الشعرية، برفقة فرقة الحنونة بمناسبة ذكرى اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، وقد حصد نجم قبل وفاته وعلى مدار مشواره الفنى العديد من الألقاب والتكريمات منها : اختيار المجموعة العربية في صندوق مكافحة الفقر التابع للأمم المتحدة له كسفيراً للفقراء فى عام 2007، وكذلك حصوله على المركز الأول في استفتاء وكالة أنباء الشعر العربي، وفوزه بجائزة “الأمير كلاوس” الهولندية فى عام 2013، وهي من أرقى الجوائز في العالم ولكن وافته المنية قبل استلامها ببضعة أيام. وفي 19 ديسمبر 2013 وبعد وفاته مُنِح وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى.
حمزة علاء الدين .. صاحب العود الذى حمل ذاكرة النوبة إلى الغرب
دياب ورمضان .. جدل وكوميكس
الذكاء الاصطناعى يدخل «مرحلة التطبيع»







