من كوارث المراهنات الإلكترونية.. موظف يختلس 11 مليون جنيه من عهدته

المراهنات الإلكترونية
المراهنات الإلكترونية


الشرقية .. إسلام عبد الخالق

آفة كبيرة من آفات التكنولوجيا والتطور تلك التي باتت تُهدد الحرث وتدفع بعقول الشباب نحو الرهان على أي شيء وكل شيء؛ فينتهي بهم المطاف على قارعة الطريق لا يلتفت إليهم أحد إلا لكي يأخذ العبرة بألا يحذو حذوهم.

والمتهم في هذه القضية شاب أربعيني راهن بشبابه وأمواله وأموال عمله على نتائج بعض المباريات ليخسر كل شيء ويتحول إلى عبرة لكل من يفكر في الرهان عبر هذه المنصات المشبوهة التي تبيع الوهم للباحثين عن الثراء السريع بدون مجهود.

التفاصيل في السطور التالية..

شاب في مقتبل العمر لا يختلف كثيرًا عن غيره من أقرانه الذين ملأت كرة القدم حياتهم وجعلت من أوقات المباريات التي يسرقونها من يومهم بمثابة الـ 90 دقيقة التي يفرغون فيها الشحنات السلبية عن طيب خاطر قبل أن يعاودوا السير في روتين الحياة اليومية، بيد أنه يخالف أغلبهم في التشبث في المقامرة بأن المباريات ستنتهي بالنتائج التي يتوقعها، ومقامرة «محمد» لم تكن على شاكلة تلك العبارت التي يتشدق بها أصحابها بملء فاههم وهم يطلبون المشاريب من النادل على المقهى الصاخب الذي ترتفع همهمات رواده بكافة جنباته قبيل انطلاق صافرة بداية المبارة، بل كانت رهانًا أعتى وأصعب من ذلك بكثير.

الفرق بين رهانات الزمن الجميل في تشجيع كرة القدم أنها كانت على فوز أو هزيمة، وكان الفائز في رهانه يُعرف بقدرته العالية على التوقع بما يضمن له مكانة كبيرة في الصفوف الأولى بين المشجعين وأهل النقد الشعبي للساحرة المستديرة، وكان الخاسر وقتها لا يعدو أكثر من أن يكون مثار ضحكات البعض قبل أن يسحب أحدهم بعض الأنفاس من النرجيلة التي إلى جواره وينفث دخانه في الهواء ليُخاطب الخاسر بأنه لا يحق له أن يُشجع تلك اللعبة بعد اليوم، وذلك كله في إطار من الهزل البعيد كل البُعد عن الغرامات أو حتى «المشاريب»، فيما أصبح الفارق هوة كبيرة بين ما كان وباتت عليه الأمور لأولئك الذين جذبتهم جنية التكنولوجيا وتمكنت منهم عفريتة الهواتف المحمولة لتدفع بهم بين المجذوبين بالرهان عبر واحد من أسوأ التطبيقات سُمعة.

الرهان الذي يتم عبر ذاك التطبيق المعروف في كافة الأوساط الرياضية لم يكن غاية «محمد» وغيره من الشباب، بل كان بداية انزلاقهم نحو الخسران المبين الذي لم تكن عقولهم - وإن كانت واعية - لتدفعهم بعيدًا عنه وهم يدفعون بكل مدخراتهم وما يملكونه لأجل أن يتوقعوا نتيجة مباراة بعينها وتتسع عيونهم بذهول قبيل إطلاق صافرة نهاية المباراة دون الوصول إلى النتيجة التي كانوا يتوقعونها، حيث يكون الرهان عبر ذاك التطبيق مصحوبًا ببضع عملات محلية أو أجنبية.

عرف «محمد» الطريق السهل نحو المال حين جذبته بضعة دولارات فاز بها وخسر مثلها وقت بداية رهاناته عبر التطبيق الشهير قبل ثلاث سنوات، وحينها توقف عن الرهان رغم بداية إدمانه لذلك وقتذاك، بيد أن ما بحوزته من نقود لم تكن لتكفي أن يراهن أو يوفر الحد الأدنى للرهانات وقتها، قبل أن تُفتح أبواب المال أمامه وقتما التحق بعمله الجديد.

بداية الشهر الأخير من العام قبل الماضي كانت الأيام الأولى له في وظيفته التي كانت شاغرة وقتها والتحق بها مسؤولًا عن تغذية ماكينات الصراف الآلي (ATM) من خلال عمله في الشركة التي تُصنف بين الأكثر شهرة في مجال حراسة ونقل الأموال بمحافظة الشرقية، ليشرع حينها في إظهار حراك ليبدو للجميع هناك كما لو كان الموظف الأكثر حركة وجهدًا بين العاملين في الشركة، وحين اطمأن إلى أن الصورة الذهنية المنطبعة عنه بين زملائه جيدة راح يستعيد شغفه بالرهان ويبدأ فيما لم يكن ليفعله لولا نقود الماكينات عهدته.

سلسلة مفاتيح ماكينات الصراف الآلي التي تخص عددًا من البنوك كانت بمثابة الفانوس السحري لـ «محمد»، الذي راح يتردد عليها طوال وقت عمله بداعي صيانتها، وحين يتأكد من أنه وحده بجوار الماكينة ولا يوجد من يراقبه، يضع مفتاح الماكينة ويُديره ويفتح أبوابها الخلفية وينهل من المال الموجود داخلها قبل أن يُعيد غلق الباب من جديد بعد استيلائه على عشرات الآلاف من الجنيهات.

تكررت فعلات «محمد» مئات المرات، والغريب أنه لم يلاحظ أيًا من المسؤولين المعهود لهم بالمراجعة اكتشاف ما يدور وينقص من مبالغ في أكثر من ماكينة في نطاق مركز شرطة منيا القمح، قبل أن تضع الصدفة وحدها حدًا لتلك السرقات التي استمرت نحو عامين دون أن يكتشفها أحد.

صبيحة يوم العمل الأخير في شهر نوفمبر المنقضي، وداخل مركز شرطة منيا القمح في محافظة الشرقية، دلف أحد المحامين يصطحب موظفًا في شركة «إ ج لحراسة ونقل الأموال»، التي يمثلها الأول - وكيلًا قانونيًا عن الشركة -، قبل أن يتجها إلى أحد الضباط هناك لتحرير بلاغ رسمي تتهم فيه الشركة الموظف باختلاس الملايين من الجنيهات المعهود له بحملها لتزويد وتغذية ماكينات الصراف الآلي (ATM) لعدد من البنوك الموجودة في نطاق ودائرة مركز الشرطة هناك.

البلاغ الذي حمل رقم 38433 جنح مركز شرطة منيا القمح لسنة 2024، اتهمت خلاله الشركة موظفها المدعو «محمد ع» البالغ من العمر ثمانية وثلاثين ربيعًا، باختلاس مبالغ مالية قاربت 11 مليون جنيه مصري.

التحريات بينت أن المتهم، والذي يعمل أمينًا للعهدة ومسؤولًا عن تزويد وتغذية ماكينات الصراف الآلي (ATM) بالأموال من جهة عمله في الشركة، قد أقدم على اختلاس 10 ملايين و688 ألف و500 جنيه مصري، اختلسهم من ماكينات بنوك مختلفة في نطاق مركز شرطة منيا القمح؛ وذلك حسبما أسفرت أعمال الجرد التي أجرتها الشركة وممثلوها الماليين والقانونيين على عهدة المتهم منذ عمله في الشركة في شهر ديسمبر من العام 2022 وحتى وقت تحرير البلاغ.

التحقيقات كشفت أن المتهم قد تمكن من سحب كافة الأموال التي اختلسها لنفسه من 14 ماكينة ATM لعدد من البنوك في منيا القمح، وذلك بواسطة حضوره إلى تلك الماكينات في أوقات مختلفة بداعي صيانتها، حيث كان يفتح الماكينات بواسطة المفاتيح التي كانت بحوزته لكل ماكينة - بداعي عمله - ليستولى على آلاف الجنيهات في كل مرة حتى أتم إجمالي المبالغ المُبلغ باختلاسها من خلال التردد على الماكينات الأربعة عشر.

المتهم تبين إنفاقه المبالغ التي أقدم على اختلاسها - جميعها - عبر تطبيق شهير للمراهنات الرياضية؛ إذ أنه بفحص هاتفه المحمول تبين وجود حساب باسمه عبر تطبيق المراهنات المُشار إليه، حيث كان يفتح الماكينات بطريقة يدوية من خلال المفتاح الخاص بالماكينة المُسلم إليه من الشركة بناءً على طبيعة عمله، فيما بلغ إجمالي المبالغ التي راهن بها المتهم على تطبيق المراهنات الشهير نحو 12 مليونًا من الجنيهات، وبالعرض على النيابة العامة قررت حبسه على ذمة التحقيقات بتهمة اختلاس ملايين الجنيهات المعهود له بعهدتها خلال عمله، وخيانة الأمانة في عمله وسرقة أموال جهة عمله على النحو الوارد تفصيلًا في التحقيقات. 

اقرأ أيضا: «إكسترا نيوز» تبرز قيادة الإمارات حملة لمواجهة الذباب الإلكتروني

;