خواطر الشعراوى | أعمال الملك وأعمال النبوة

الشيخ الشعراوى
الشيخ الشعراوى


يبدأ الشيخ الشعراوى خواطره حول الآية 246 من سورة البقرة فى قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَأ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ» يقول: إن الحق سبحانه يبلغنا بوسيلة السماع عنه، وعلينا أن نتلقى ذلك الأمر كأننا نراه بالعين، فماذا نرى؟ «أَلَمْ تَرَ إِلَى الملأ»، ما معنى الملأ؟ هى من ملأ يعنى ازدحم الإناء، ولم يعد فيه مكان يتحمل زائداً، وأن الظرف قد شُغل بالمظروف شغلا لم يعد يتسع لسواه، وكلمة (ملأ) تُطلق على أشراف القوم كأنهم هم الذين يملأون حياة الوجود حولهم ولا يستطيع غيرهم أن يزاحمهم، و(الملأ) من أشراف الوجوه والقوم يجلسون للتشاور، «أَلَمْ تَرَ إِلَى الملأ مِن بنى إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ موسى» أى ألم يأتك خبر وجوه القوم وأشرافهم من بعد موسى عليه السلام مثلا فى عصر (يوشع) أو (حزقيل أو شمويل) أو أى واحد منهم، ولا يعنينا ذلك لأن القرآن لا يذكر فى أى عهد كانوا، المهم أنهم كانوا بعد موسى عليه السلام، «إِذْ قَالُواْ لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابعث لَنَا مَلِكاً نُّقَاتِلْ فِى سَبِيلِ الله»، لقد اجتمع أشراف بنى إسرائيل للتشاور ثم ذهبوا إلى النبى الذى كان معاصراً لهم وقالوا له: ابعث لنا ملكا. ونفهم من ذلك أنه لم يكن لهم ملك. وماذا نستفيد من ذكر وجود نبى لهم وعدم وجود ملك لهم؟ نفهم من ذلك أن النبوة كانت تشرف على نفاذ الأعمال ولا تباشر الأعمال، وأما الملك فهو الذى يباشر الأعمال.

ولو كانت النبوة تباشر أعمالاً لما طلبوا من نبيهم أن يبعث لهم ملكا. وسبب ذلك أن الذى يباشر عرضة للكراهية من كثير من الناس وعرضة أن يفشل فى تصريف بعض الأمور، فبدلا من أن يوجهوا الفشل للقمة العليا، ينقلون ذلك لمن هو أقل وهو الملك، ولذلك طلبوا من النبى أن يأتى بملك يعيد تصريف الأمور فتكون النبوة مرجعاً للحق، ولا تكون موطناً للوم فى أى شيء.

الحق سبحانه وتعالى يبلغنا أنه قال لنبى بنى إسرائيل: أنتم الذين طلبتم القتال وأنتم الملأ أى أشراف القوم وأتيتم بالعلة الموجبة للقتال وهى أنكم أخرجتم من دياركم وأبنائكم أى بلغ بكم الهوان أنه لم تعد لكم ديار، وبلغ بكم الهوان أنه لم يعد لكم أبناء بعد أن أسرهم عدوكم. إذن علة طلب القتال موجودة، ومع ذلك قال لهم النبي: «هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ القتال أَلاَّ تُقَاتِلُواْ» لقد أوضح لهم نبيهم الشرط وقال: إننى أخاف أن آتى لكم بملك كى تقاتلوا فى سبيل الله، وبعد ذلك يفرض الله عليكم القتال، وعندما نأتى للأمر الواقع لا نجد لكم عزما على القتال وتتخاذلون.

لكنهم قالوا: «وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ الله وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَآئِنَا».. انظر إلى الدقة فى قولهم: «فِى سَبِيلِ الله» وتعليق ذلك السبيل على أنهم أخرجوا من ديارهم وأبنائهم! لقد أرادوا أن يقلبوا المسألة وأن يقولوا: إن القتال فى سبيل الله بعد أن عضتهم التجربة فيما يحبون من الديار والأبناء، إذن فالله هو الملجأ فى كل أمر، وقبل سبحانه منهم قولهم، واعتبر قتالهم فى سبيله.

وكان إخراجهم من ديارهم أمراً معقولاً، لكن كيف يخرجون من أبنائهم؟ ربما كانوا قد تركوا أبناءهم للعدو، وربما أخذهم العدو أسرى. لكنهم هم الذين أخرجوا من ديارهم، وينطبق عليهم فى علاقتهم بالأبناء قول الشاعر:

إذا ترحلت عن قوم وقد قدروا ** ألا تفارقهم فالراحلون همو
وانظر إلى التمحيص، إنهم ملأ من بنى إسرائيل وذهبوا إلى نبى وقالوا له: ابعث لنا ملكا حتى يجعلوها حربا مشروعة ليقاتلوا فى سبيل الله، وقال لهم النبى ما قال وردوا عليه هم: «وَمَا لَنَآ أَلاَّ نُقَاتِلَ فِى سَبِيلِ الله» يعنى وكيف لا نقاتل فى سبيل الله؟ وجاء لهم الأمر بالقتال فى قوله تعالى: «فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال تَوَلَّوْاْ» إن قوله: (كُتِبَ) لأنهم هم الذى طلبوا تشريع القتال فجعلهم الله داخلين فى العقد فجاء التعبير ب (كُتِبَ)ولم يأت ب (كَتبَ)، ومع ذلك تولوا أى اعرضوا عن القتال.