عضو هيئة التدريس بجامعة الأزهر ومشرف وحدة رصد اللغة التركية بمرصد الأزهر لمكافحة التطرف
اعتاد قادة إسرائيل على محاباة كثير من حكومات الغرب لهم، وتجاوزها عن جرائمهم، وازدواجية معاييرها لصالحهم، ولم يعد بوسعهم تحمل أي نقدٍ يوجه إليهم، ويريدون من العالم العربي ومؤسساته أن تتعامل معهم بالطريقة ذاتها، وأن تصمت على جرائمهم البشعة في حق الأطفال والنساء والأبرياء والتي ما كان الغرب ليتحملها أو ليصمت صمت القبور عنها إن كان ضحاياها ينتسبون إلى أي فئة أخرى من غير العرب والمسلمين.
وبالأمس أدانت سفيرة إسرائيل السابقة في مصر في لقاء تلفزيوني الأزهر الشريف وإمامه الأكبر مؤكدة أن المؤسسة الأزهرية تعادي إسرائيل وتصدر بيانات قاسية بشأنها، في مشهد يُعد من المضحكات المبكيات، إذ تريد من الأزهر أن يصفق لها ولقياداتها وجيشها الذي قتل وجرح أكثر من 150 ألف قتيل وجريح حتى الآن، وهدم قرى ومدن بأكملها.
وهذا جزء من مسلسل اعتراضات دشنه الإعلام الإسرائيلي، وينشره حلقة تلو الأخرى. فقد سبق واعترض هذا الإعلام الذي لا يستأسد جنوده إلا على الأطفال الرضع والنساء والشيوخ على قول فضيلة الإمام "إن كل احتلال إلى زوال طال الأمد أو قصر"، تلك المقولة الخالدة التي أثبت الواقع صحتها، ورآها العالم رأي العين مع القوى المحتلة التي احتلت العالم العربي قبل ذلك، فرأينا في مصر الاحتلال الفرنسي يجر أذياله أمام مقاومة المصريين وثوراتهم المتتالية وفي القلب منها الأزهر ورجاله، الأمر ذاته مع الاحتلال الإنجليزي، بل وقبل ذلك بقرونٍ كانت مصر على مدار تاريخها الطويل العظيم مقبرة الغزاة والمحتلين.
وبالرغم من هذا التاريخ النضالي المصري العظيم ضد كافة المحتلين لم ير المصريون احتلالًا أسوء من الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، لأنه الاحتلال الوحيد الذي لا يريد الاستيلاء على الموارد فقط، إنما يريد الاستيلاء على الأرض وعلى المدن والأحياء ومنازل المواطنين التي توارثها الفلسطينيون عن آبائهم، وطرد أصحابها منها، والأتيان بصهاينة يقيمون فيها ويمتلكونها تحت حماية الاحتلال وشرطته، في مشهدٍ لا يخفى تأثيره السلبي على أي من الشعوب العربية والإسلامية التي ساوى قرآنها الكريم بين قتل النفس والإخراج من البيت، فقال تعالى "وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ ۖ ...".
كما سبق وانتقد الإعلام الإسرائيلي المناهج الدراسية للأزهر واتهمها بأنها تقود خطًا متشددًا عليه، وهذا أمر كاذب، فالمناهج الأزهرية تشجع على السلام والانخراط فيه، وتدعو طلابها إلى احترام الآخر، ومساندة الحق وأصحابه، والإيمان بالله وكافة أنبيائه ورسله والكتب السماوية المقدسة ومن بينها التوراه والأنجيل. كما يدرّس الأزهر لطلابه مادة القيم، التي يتضمن محتواها تعزيز قيم الأخوة ونبذ التعصب والعنف، والتأكيد على السلوك القويم وتقبل الآخر في إطار من التسامح. ولا شك أن أي إنسانٍ يتحلى بالحد الأدنى من القيم الأخلاقية ــ أيا كان معتقده ــ لا يمكن أن يرضى عن جرائم إسرائيل، فما بالنا بطلابٍ أزهريين تربوا على أن مصر هي بلد العروبة والشقيقة الكبرى للدول العربية، وتأسسوا على احترام إنسانية الإنسان ــ أيا كان عرقه ولغته ودينه ـــ متقنين تمام الإتقان أن الإنسان هو أفضل مخلوقات الله وأكرمها، ومن ثم يحرم الاعتداء عليه.
ويتهم الإعلام الإسرائيلي الأزهر بالتشدد وهو الذي وقف إمامه الأكبر أمام العالم في "مؤتمر الأزهر العالمي لمواجهة التطرف والإرهاب"، ونفى عن الإسلام مقولة بعض كتّاب الغرب "الإسلام هو دين السيف"، وأكد على أنه ليس للدعوة من طريق سوى الحجة والبرهان، ونوه على أن كلمة السيف لم ترد في القرآن، وذكر أن الإسلام لم يأمر المسلمين بالدفاع عن المساجد فقط بل أمرهم بالدفاع عن دور العبادة الأخرى للمسيحيين واليهود...
يتهمون الأزهر الشريف بالحض على الكراهية وهو الذي وقف إمامه الأكبر في سويسرا وتحديدًا في "جينيف" وأعلن للدنيا كلها أن الإرهاب بكل مسماياته لا يعرف الإسلام ولا يعرفه الإسلام.
يتهمون الأزهر بالحض على الكراهية وهو الذي أسس "مركز الأزهر للحوار"، بهدف نشر ثقافة الحوار بين أتباع الأديان وتعزيز ثقافة قبول الآخر، والتأكيد على القيم الدينية المشتركة، وتعزيز التعاون بين الأزهر والمؤسسات الدينية المختلفة. وكانت مـن أبرز جهـود هذا المركز المشاركة في إطلاق المجلس العالمي للتسامح، في مالطا في عام 2018، بدعوة مشتركة من الأمم المتحدة، وصندوق الإسكان، وحكومة مالطا.
إن جهود الأزهر الشريف وإمامه الأكبر معروفة وأكبر من أن يحويها مقال محدود المساحة، لكنها في المجمل تمثل رواية مضادة لأعمال المتطرفيين وخطاباتهم، ومن ثم نالت شرف انتقاد الإرهابيين والمعتدين والظلمة في كل زمانٍ ومكان. بل صار انتقاد الأزهر الشريف أحد أهم أوجه الشبه بين داعش وإسرائيل.
ختامًا أدعو إعلام إسرائيل وقادتها إلى التعرف على الأزهر وقراءة مناهجه وخطابات شيخه إن أرادوا معرفة المعنى الحقيقي للسلام، كما أدعوهم إلى النظر إلى هذا المقتطف من كلمة فضيلة الإمام الأكبر في عام 2014، التي قال فيها: "ظن القائمون على هذا الكيان أن إضعاف من حوله من الجيران سيكون مصدر قوته وأمنه وسلامه، ونسوا أو تناسوا أن حقائق التاريخ والجغرافيا وطبائع الأمور تأبى تصور سفينة آمنة من الغرق والموج من حولها عاتٍ ومصطفق، وتقضي بأن السلام الذي يُحرم منه الجيران يُحرم منه هذا الكيان، طال الأمد أو قصر". كما أحذرهم من محاولة التدخل في شئون أي مؤسسة مصرية، وأدعوهم إلى أن يضعوا دائمًا نصب أعينهم مقولة فخامة الرئيس "عبد الفتاح السيسي": "محدش يجرب مصر!".
حفظ الله مصر وأزهرها وفلسطين وعالمنا العربي والإسلامي من كل سوء

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







