يوميات الأخبار

السينما الصيفية.. وسندوتشات زمان!

د. ياسر ثابت
د. ياسر ثابت


دور العرض الصيفية والشتوية اختفت أو كادت لأسباب مختلفة، منها تغيُّر ثقافة الفُرجة وعادات المتفرجين .

صيفى.. وشتوى!

عشية ثورة 23 يوليو 1952، كان أنور السادات حريصًا على اصطحاب زوجته جيهان إلى السينما الصيفية القريبة من منزله لمشاهدة عروض لثلاثة أفلام متتالية. وعندما عاد إلى المنزل فى الواحدة ليلًا، علم من حارس العقار أن جمال عبد الناصر ذهب يسأل عنه مرتين، فأسرع نحو منزل عبد الحكيم عامر ثم قيادة الجيش بالعباسية، حيث كان كل شيء قد تم وسيطر الضباط الأحرار على مقاليد الأمور. مضت الأعوام، حتى أصبح السادات رئيسًا لمصر خلفًا للرئيس جمال عبد الناصر، وبات معروفًا بلقب بطل الحرب والسلام.

الشاهد أن السينما الصيفية وتوءمها السينما الشتوية جزء من الذاكرة السينمائية والاجتماعية لدى كثير من المصريين طوال القرن العشرين.
ولعل ما ذكره مدير التصوير السينمائى سعيد شيمى فى كتابه «حكايات مصور سينما» يكفى للتدليل على ذلك؛ إذ يقول: 

«منزلى الذى وُلِدتُ به كان فى 30 ميدان عابدين، وكانت تحيط به دور العرض الصيفية والشتوية بالكامل من كل جهة؛ فمن ناحية الشمال وعلى بُعد خطوات قليلة من المنزل «سينما رويال» - مسرح الجمهورية الحالى - وهى دار فخمة شتوية؛ وأتذكر أنى شاهدتُ فيها فيلم «شمشون ودليلة» فى الخمسينيات.

وبجانبها سينما درجة ثالثة «إيديال» شتوية لم ندخلها أبدًا، ثم أبعد قليلًا أمام المبنى الفخم لمتجر «عمر أفندى» منطقة تُسمى أرض شريف فيها دار عرض حديقة «بارادى» الصيفية، وسينما «كرنك» الصيفية، ثم فى شارع عبد العزيز سينما «أولوبيا» الشتوية سيئة السمعة، ثم فى حديقة الأزبكية «سينما صيفى الأزبكية»؛ فى الشتاء تتحول إلى ملعب للعب رياضة «الباتيناج» - الأحذية ذات العجل ـ وسينما صغيرة درجة ثالثة تُسمى «رمسيس» فى مدخل أحد شوارع ميدان العتبة.

وفى الشمال الغربى من المنزل كل سينمات منتصف القاهرة الصيفية والشتوية؛ منها ما ذهبت مع الزمن مثل الصيفى «ركس» و«سان جيمس» وهى سينما ومطعم فى البالكون فى نفس الوقت، وسينما «متروبول» وسينما «النصر» وسينما «كورسال» بجانب السينمات الشتوى الكثيرة؛ الباقى منها الآن «ديانا».
 أما إذا اتجهنا غربًا من منزلى وعلى بُعد خطوات سينما «ستراند» المتسعة؛ ومكانها الآن عمارة ستراند، وسينما «ريو» الصيفى بجوار سوق باب اللوق، وفى سينما «ستراند» شاهدتُ أفلامًا صامتة. وكذلك لم تكن هناك ترجمة بالعربية أسفل الصورة على الشاشة، بل الترجمة على شريط جانبى متحرك من الأسفل إلى أعلى بعيدًا عن الشاشة فى جهة اليمين باللغة العربية، وآخر جهة اليسار باللغة الفرنسية إذا كان الفيلم ناطقًا بالإنجليزية أو أى لغة أخرى.

«ومن ناحية الجنوب من المنزل سينما «الشرق» الشتوى فى مدخل ساحة السيدة زينب الكريمة، ولم نذهب إليها ـ ربما - إلا مرة لبُعدها عن المنزل؛ فقد كنا نذهب إلى دور العرض مترجلين مع والدينا أو دادة حجازية، حتى يحضر والدى أو عمتى، وفى السينمات الصيفى دادة «حجازية» تحمل معها سندوتشات البيض بالبسطرمة والجبن الرومى والمربى وترمس الماء».

ولنتخيل مدى تأثير دور العرض المذكورة على فتى مثل سعيد شيمى، قبل أن يقرر احتراف التصوير السينمائى ويصبح من علامات المهنة فى مصر.
غير أن دور العرض الصيفية والشتوية اختفت أو كادت لأسباب مختلفة، منها تغيُّر ثقافة الفُرجة وعادات المتفرجين، وتراجع عدد دور العرض فى مصر بشكل عام لعوامل اقتصادية. وربما كان لقرصنة الأفلام وظهور منصات الأفلام والدراما دورٌ فى هذا التراجع المخيف.

منذ مطلع الألفية الثالثة، تم إغلاق سينما Rio الواقعة بمنطقة باب اللوق أمام الجمهور، افتتحت تلك السينما فى أوائل سبعينيات القرن العشرين، وهى «سينما صيفية» تعرض أفلامها فى الهواء الطلق على مقاعد متراصة يمينًا ويسارًا وأمامك شاشة كبيرة فى الواجهة كان يقوم بتشغيلها «عم مرسى» الذى يجلس فى الطابق الأول للسينما يحرك الماكينات اليدوية التى كانت مستخدمة آنذاك، فلم تكن Rio تعتمد على ماكينات الـ 35 مم بعد.

حرصت هذه السينما على عرض أفلام تجذب جمهور الشباب والمراهقين مثل «حمام الملاطيلي» بطولة شمس البارودى ومحمد العربى ويوسف شعبان وإخراج صلاح أبو سيف. كانت ريو تعرض أربعة أفلام يوميًا، وكان المطعم المجاور لها ملاذًا للكثير من رواد السينما الذين كانوا يتناولون الطعام فيه بعد مشاهدة الأفلام، والتذاكر كانت تباع بـ 60 و75 قرشًا، وصلت إلى جنيه وخمسة وسبعين قرشًا قبل إغلاق السينما تمامًا.

اختفتْ السينما الصيفية، وأخذتْ معها قطعة من ذاكرة مصر والمصريين.

سيلين وقتلة الأحلام

كانت سيلين حيدر إحدى أبرز اللاعبات فى صفوف فريقها «بى إف إيه» الفائز بلقب الدورى اللبنانى للسيدات الموسم الماضى. اللاعبة المقاتلة التى تتمتع بمهاراتٍ كروية لافتة للانتباه، قادت منتخب لبنان إلى إحراز بطولة غرب آسيا تحت 18 عامًا فى 2022. أشاد نقاد رياضيون بسيلين، واعتبروها حلقة الوصل المثالية بين الدفاع والهجوم.

بطموحها وحيويتها، كانت ابنة التاسعة عشرة على بُعد خطوة من تمثيل المنتخب الأول فى لبنان قبل أن تصبح قصتها دمعة تنحدر من عيون اللبنانيين وغيرهم.

قبل أسابيع، نزحت سيلين مع عائلتها من منطقة الشياح فى ضاحية بيروت الجنوبية إلى بلدة بعقلين فى جبل لبنان، على وقع اشتداد الغارات الإسرائيلية على المنطقة، لكنها اضطرت إلى العودة إلى بيروت لمتابعة تمارينها ودراستها.

يقول والدها عباس حيدر «اتصلت بها صباحًا وقلت لها إن أفيخاى أدرعى، المتحدث بلسان الجيش الإسرائيلى باللغة العربية أصدر إنذارًا بالإخلاء فهربت من المنزل. اتصلت بى زوجتى لاحقًا وقالت لى إن سيلين فى المستشفى»، بعدما أصيبت إصابة بالغة فى رأسها إثر غارة للاحتلال الإسرائيلى قرب بيروت.
ترقد سيلين الآن فى غرفة العناية المركزة ما بين الحياة والموت، فى حين يتجمع أصدقاؤها فى المستشفى يوميًا آملين بأن تعود لصفوفهم. 

تقول والدتها سناء شحرور بتأثر شديد «كانت تحب الحياة كثيرًا، وحلمها أن تصبح بطلة وتتحدث الدنيا كلها عنها، لكن اليوم الدنيا كلها تتحدث عنها لأنها أصيبت فى حرب لا علاقة لها بها».

نحن أيضًا نحب الحياة، وندعو لكل سيلين فى لبنان، فى مواجهة آلة القتل التى تفترس الأحلام بلا رحمة.

آخر الكلام

حماقاتنا، أسرارٌ نخفيها وسط الأوراق، لعلنا نتطهرُ حين نكتبها.

وحين نكتبُ عن أنفسنا، وعالمنا الذى نودُ أن نغسل عنه الشعور بالهزيمة والإخفاق، فإننا نفعلُ ذلك حاملين الوزنَ الهائل لأجنحة إيكاروس، فى سعيه الدءوب نحو شمس الحقيقة. 

فى هذا المجتمع الذى تتلاشى فيه الحدود المصطنعة وتتعاضد فيه الجهود المبعثرة كى تبنى أو تجادل، نكتشفُ أن أكثر ما يتمايز به الناس هو عمق تجاربهم الإنسانية.

وفى الكتابة، تتمَرَّنُ على قيادة ذاتك، بأن تُطلقَ سراحها.

أما أنا، فأخافُ أن يكتبَ غيرى ما أحلمُ بكتابته يومًا ما! .