يحدث فى مصر الآن

الثانوية العامة.. قراءة اجتماعية

يوسف القعيد
يوسف القعيد


هذا كتاب عن قصة الثانوية العامة بمصر تكتُبها زميلتنا إيمان رسلان، التى أكملت رحلة والدها المرحوم أحمد رسلان الذى كان محررًا للتعليم بمجلة المصور. والمؤلفة تُهدى كتابها لوالدها ولأسرتها الذين تعلَّمت منهم الكثير فى بداياتها الأولى.

وفى المقدمة تشكر الفنان المبدع حلمى التونى الذى فُجِعنا برحيله وكان قد صمم غُلاف الكتاب. وتُهدى الكتاب أيضًا للمثقف والوزير السابق حلمى النمنم الذى كان وقت كتابة الكتاب وزيرًا للثقافة.

وهى تكتُب عن الثانوية العامة عندما كانت كابوسًا ولدى كل طالبٍ منا حكايته معها حتى لمادة التربية الدينية التى لا تُضاف للمجموع لأنها مادة نجاح ورسوب فقط.

وتعترف أنها شجَّعت نفسها وأعدَّت إمكانياتها لتكون كاتبة شئون تعليم. ربما لتُكمل ما بدأه والدها الذى أسس صحافة التعليم. وتعترف أنها اتجهت للبحث فى كل ما يخصها ودراستها والغوص فى بحور الكتب وقراءة التاريخ لعلها تجد شيئًا يُمكِّنها لأن تُقدِّم تفسيرًا للحالة التى وصل فيها التعليم قبل سنواتٍ بعيدة، ومع بدايات اهتمامها بالأمر.

وتكتُب: شكلتنى عُقدة أو دراما الثانوية العامة وتحوَّلتُ إلى الاهتمام بها، وسافرت المؤلفة لدولٍ كثيرة، وكان هدفها من السفر أن تُشاهد وتتعلم وتطَّلع على تجارب الدول التى زارتها وفى التعليم تحديدًا.

وفى منتصف العقد الأول من الألفية الحالية كانت فى زيارة لفرنسا وصادف أنها كانت تحتفل بمرور 200 سنة على خروج شهادة البكالوريا «الثانوية العامة عندنا» إلى الوجود.

فشعرت أن ما يجرى بمثابة إشارة. وهكذا اكتشفت أن الأبحاث التى قامت بها والكُتب التى قرأتها والتاريخ الذى عادت إليه جعلها تتوقف أمام الثانوية العامة. وتُقدم تفسيرًا لها وحلولا حول «جنة ونار الثانوية العامة».

وحين شرعت فى البحث لم يكن هدفها الحصول على الدكتوراة أو لقب يسبق اسمها بقدر ما كان هو رصد وفهم كيفية الوصول للحد الأدنى من السعادة والحياة ملك الأرض، وليست حالة الجنة والنار أثناء امتحانات الثانوية العامة، وكيف نُعبِّر عن عذاباتها التى تحكُم الخناق على نظام التعليم، والتى أصبحت عُقدة كل وزير تعليم يلتزم بها بالتعديل ما استطاع إلى ذلك سبيلا.

لكن الأمر تأخر معها لشدة اهتمامها بالتفاصيل. ومع اقتراب عام 2000 أصبح لكتابها مناسبة تاريخية لرسم صورة كلية لتاريخ الشهادة والخروج بمعلومات والتغييرات التى جرت لهم. وتعترف أن كتابها قراءة اجتماعية للثانوية العامة شهادة الوطنية التى استنتجت منها أن التعليم العام وتمثله الثانوية العامة هو تعليم الطبقة المتوسطة. لذلك ظلت تعمل حول الثانوية العامة.

ورغم أن أبناءنا لابد أن يعبروا الثانوية العامة حتى يدخلوا الجامعات ويستكملوا حياتهم. إلا أن اهتمامهم يتأرجح أحيانًا خلال سنوات الثانوية الثلاث. وتعترف أن الثانوية العامة استمرت مستوطنة للقلة فقط. وأنها ميزة اجتماعية للالتحاق بالجامعة، ومن ثم فرص صعود اجتماعى أفضل لمن يستطيع ماديًا الحصول عليها.

وتتوقف أمام المتسربين من التعليم الذين اقتربت أرقامهم من 36% من الشعب. وأعتقد أن هذا الموضوع يستحق كتابًا من إيمان رسلان لأنه بالغ الخطورة.

فمن يتسرب من التعليم يكون مصيره المجهول. وتتوصل إلى نتيجة أن التعليم وإتاحته للجميع والحفاظ على قيمة ومعنى الشهادة الوطنية كما فى أغلب دول العالم ارتبط بالتعليم الرأسمالى بهذه الدول. ولكننا بدأنا التعليم منذ عصر محمد على فى وضع أقرب إلى الإقطاع وإتاحة التعليم للقلة القادرة فقط.

وتصل المؤلفة إيمان رسلان إلى وضع التعليم فى مصر الراهنة. كانت قضية التعليم قضية عمرها الأساسية، ورثتها عن والدها ثم قامت بالممكن والمستحيل لتضع هذا السفر الجليل عن التعليم. وتورد قول طه حسين قبل ثمانين عامًا: إن الديمقراطية لا تتفق مع الجهل، وإن تضييق التعليم الجيد وقصره على فريق من المصريين دون الآخر هو ضد الوطن.

بل ويضيف أن تكلفة الجهل أكبر وأعظم وأخطر على المستقبل سواء السياسى أو الاقتصادى. وتطلب السماح من قُرائها لتكتب أن كل البلاد التى نستورد منها أنواع التعليم وشهاداته التعليم فيها متاح للجميع وبجودة عالية. وأن كل هذه الفرص تتيح التعليم بمساواة وعدل فى مدارسها وجامعتها.

فأين نحن من كل هذا؟! إنه كتاب مهم عن قضية غاية فى الأهمية إذا أردنا الرهان على مستقبل مصر العظيمة.