بالطبع لا يمكن اختزال فوز ترامب وخسارة هاريس فى الانتخابات الأمريكية فى سبب واحد فقط، لأن هناك أسبابًا عديدة لذلك مثل خوض هاريس حملتها الانتخابية متأخرة عن ترامب بديلًا لبايدن، ونجاح ترامب فى تقديم نفسه كضحية لنظام فاسد كما قال، ونجاحه أيضًا فى إخافة الأمريكيين من تدفق المهاجرين ومزاحمتهم لهم فى أعمالهم، وتحمل هاريس إخفاقات بايدن الداخلية والخارجية بوصفها نائبة له، ورفض عدد كبير من الناخبين الرجال لتولى سيدة لأول مرة منصب رئيس أمريكا.. ولكن هناك غالبًا سببًا رئيسيًا لذلك الفوز وتلك الخسارة.. وهذا السبب لمن يعرف ما يؤرق الأمريكيين الآن هو التضخم وارتفاع الأسعار والغلاء لأنه يأكل دخولهم الحقيقية وبالتالى يخفض من مستوى معيشتهم حاليًا.
وقد كان الاقتصاد هو العنصر الأساسى والأهم فى حملة ترامب الانتخابية طوال الوقت منذ أن أعلن مبكرًا عزمه خوض المنافسة الانتخابية للعودة للبيت الأبيض رغم ملاحقته قضائيًا فى أكثر من ولاية أمريكية. وإثارة الديمقراطيين المخاوف من انتخابه.. حيث ظل يقدم الوعود للناخبين الأمريكيين بإنقاذهم من التضخم وتحسين مستوى معيشتهم.. حتى فى الولايات المتأرجحة كانت وعوده الانتخابية الفئوية اقتصادية أيضًا أكثر منها سياسية وأبرزها وعوده للعمال وهو رجل الأعمال، ولذلك نجح فى اجتذاب أصوات عدد منهم!..
وساعده فى ذلك أن فترة بايدن ونائبته هاريس رغم أنها شهدت تحسنًا فى مؤشرات الاقتصاد الكلى إلا أنها شهدت أيضًا ضغوطًا معيشية كبيرة على الأمريكيين عانوا كثيرًا منها، ورغم انخفاض معدل التضخم قليلًا فى هذا العام ليبلغ أربعة فى المائة إلا أنه ظل بالنسبة للأمريكيين أبناء الطبقة الوسطى كبيرًا ومرهقًا.. ولذلك عاقبوا مرشحة الحزب الديمقراطى بحجب أصواتهم عنها ومنحوها لترامب أملًا فى أن يفى بوعوده لهم بإصلاح الاقتصاد وزيادة الدخول وتحسين أحوالهم المعيشية.
أما هاريس فهى رغم أنها قدمت وعودًا للأمريكيين بتخفيض الضرائب عليهم وليس على كبار رجال الأعمال ومساعدة أصحاب الأعمال الصغيرة. ومساعدة أبناء الطبقة المتوسطة فى الحصول على مساكن بتكلفة مناسبة وتوسيع نظام الرعاية الصحية، إلا أنها لم تركز فى حملتها الانتخابية على مواجهة التضخم والحد من ارتفاع الأسعار كما فعل ترامب، بل اهتمت أساسًا بقضية الإجهاض ومنح المرأة الأمريكية الحق فيه ومنحتها أولوية أولى فى حملتها الانتخابية، لأنها راهنت على أصوات النساء وتصورت أنها ستمكنها من حصد الأصوات التى تمنحها الفوز فى الانتخابات خاصة فى الولايات المتأرجحة..
كما أن الناخبين الأمريكيين حملوها مسئولية التضخم الذى عانوا منه خلال السنوات الماضية بحكم منصبها كنائب للرئيس، رغم أن شاغل هذا المنصب فى أمريكا لا يمارس صلاحيات يعتد بها سوى ما يكلفه بها الرئيس، وبايدن لم يكلفها سوى بملف الهجرة والذى استغله ترامب بنجاح فى صرف الناخبين عنها.
وهكذا لأن ترامب اهتم بشكل كبير بمشكلة التضخم الذى يعانى منه الأمريكيون وقدم لهم وعودًا بمواجهته والسيطرة عليه منح عددًا كبيرًا منهم أصواتهم له ليعود مجددًا إلى البيت الأبيض بعد خسارته قبل أربع سنوات أمام بايدن فى سابقة لم تشهدها أمريكا منذ أكثر من قرن مضى.
بينما لأن هاريس لم تهتم بشكل كافٍ بمشكلة التضخم الذى يؤرق الأمريكيين ولم تعد الناخبين بشكل كافٍ بالسيطرة عليه وتحسين الأحوال المعيشية لهم، ومنحت جل اهتمامها بحق المرأة فى الإجهاض، خسرت الانتخابات ولم تتمكن من أن تحل مكان بايدن فى البيت الأبيض.. فهى حتى لم تستفد من نصيحة الرئيس الديمقراطى الأسبق كلينتون الذى رفع خلال حملته الانتخابية الأولى شعار: (أنه الاقتصاد يا غبى). وبذلك يمكننا القول إن التضخم هزم هاريس ومنح الفوز لترامب.. فإن المواطن العادى فى أى بلد أهم ما يعنيه ويطلبه ممن يدير أمور بلده هو أن يحظى بمستوى معيشى مناسب يوفر له احتياجاته الأساسية، وعندما لا يتحقق له ذلك يمنح صوته لآخرين ينتظر منهم تحسين مستوى معيشته.. وهذه قاعدة سياسية أضحت واضحة تمامًا.

عيد الإعلاميين
ايمان ممتاز تكتب : لماذا يحتاج الشباب إلى الوعي السياسي الآن أكثر من أي وقت مضى؟
ياسر عبد العزيز يكتب: عفوًا .. كابتن لبيب ورفاقه الاستقالة لا تمر فوق جبل الديون







