الجريمة بمفهومها المعروف، أيًا كان نوعها، هي الخروج عن القانون والعادات والتقاليد والأعراف والقيم الدينية والاجتماعية، وعبر تطور الحياة البشرية تطورت الجريمة، وأصبحت لها أشكالًا وأنماطًا مختلفة، ومع دخول عصر الإنترنت والتكنولوجيا وتطبيقات الذكاء الاصطناعي، باتت الجريمة ترتكب من خلالها، حتى أن فكرة «النشال» - التي كانت موجودة من قبل - تضاءلت الآن بشكل كبير، وصار «النشل» إلكترونيا، شخص ما وراء شاشة يستطيع سرقة البيانات الشخصية والحسابات وسرقة ما بها من أموال، أو أن يستقطب الضحايا للمشاركة في تطبيقات وهمية هدفها الربح، وما أن يقع الضحية في الشباك، حتى يجد نفسه قد تعرض لعملية سرقة محكمة.. هذا الأسلوب الذي أصبح رائجًا وبكثرة في هذه الآونة كان لابد من دراسته دراسة دقيقة ومتأنية، لفهم مدخلاته وأبعاده، وقبل كل ذلك الإجابة على السؤال الأهم، كيف تطورت الجرائم الإلكترونية من النصب حتى وصلت إلى القتل؟.. تفاصيل أكثر في التحقيق التالي.
كثيرا ما سببت تطبيقات المراهنات الإلكترونية حالة من حالات الخطر، ليست فقط على من يدخل على هذه التطبيقات ويستخدمها، لكن أيضًا على أسرته، لأنها حتما ولابد أن تدفع ضريبة الدخول على التطبيقات، وهذه الضريبة ليست فقط سرقة، بل من الممكن أن تكون قتل.
منذ أيام قليلة، تمكنت هيئة الرقابة الإدارية، بالتعاون مع قطاع الأمن الوطني بوزارة الداخلية، من إلقاء القبض على تشكيل عصابي منظم بعدد من المحافظات، تخصص نشاطه في استقطاب الشباب للمشاركة في المراهنات غير المشروعة عبر مواقع إلكترونية تُدار من خارج البلاد.
هذا التشكيل كان هدفه الأول والأخير استقطاب أكبر عدد من الشباب للدخول على هذه التطبيقات، ومقابل كل شاب عمولة يحصل عليها التشكيل. والهدف من وراء ذلك أن الدخول على هذه النوعية من التطبيقات تتطلب دفع مبالغ مالية، مقابل أن تراهن على شيء ما، وفي حالة المكسب تنال ضعف ما دفعته.
الفكرة مغرية، لكنها كي تكون مغرية أكثر، عادة ما تكون التجربة الأولى مربحة، على طريقة «شد رجل الزبون»، لكن فطرة المكسب المستمر، الموجودة في النفس البشرية، تلغي فكرة الحرص، ويستولي على صاحبها الطمع، وما أن تقع أرجلهم في الخية، ويراهنون بمبالغ كبيرة، حينها سوف يخسرون، وسيجد من يشارك في هذه التطبيقات أنه تعرض للنصب، وخسر أمواله، وقد تسبب الخسارة للبعض منهم مصائب كثيرة، وقد يصل بهم الأمر إلى القتل أو الانتحار.
ليست فقط فكرة الانتحار هي النتيجة الوحيدة لهذه التطبيقات، بل أنه في أحيان كثيرة، يصل بالمراهن إلى أن يقتل، لتعويض ما خسره من أموال، وهو ما حدث فعلا في منطقة الظاهر بالقاهرة، فمنذ بضعة أيام، أقدم شاب على قتل جدته المسنة، صاحبة الـ 80 عامًا، طعنًا بسكين، بعد أن فقد أمواله فى المراهنات الإلكترونية، ووفقا لتحريات المباحث، فإن الشاب تسلل إلى شقة جدته لسرقة أموالها وعندما اكتشفته، طعنها عدة طعنات حتى فارقت الحياة.
هذا الذي قتل جدته، لم يكن أكثر بؤسًا وإجرامًا من الأب، الذي قتل ابنته، لطلب فدية من أهله، وهو ما حدث فى أسيوط، حيث تداول روّاد مواقع التواصل الاجتماعي خبر اختفاء الطفلة «ميرا» في مركز منفلوط؛ وباشرت الأجهزة الأمنية التحقيق فورًا، لتكشف أن والد الطفلة، الذي لديه سوابق جنائية، لم يبادر بالإبلاغ عن اختفاء ابنته. وبعد البحث والتحريات، اتضح أن الأب قد اختلق قصة اختطاف ابنته لتضليل الأجهزة الأمنية وإلصاق التهمة بشخص آخر، وبفضل الجهود المكثفة، تمكنت قوات الشرطة من القبض على الأب المتهم، الذي اعترف بجريمته تحت وطأة التحقيق.
ولم تكن تطبيقات المراهنات وحدها التي ترصدها وزارة الداخلية ولكن أيضًا هناك جرائم غسل الأموال التي تضر بالاقتصاد القومي؛ فقد ألقت الإدارة العامة لمكافحة جرائم الأموال العامة والجريمة المنظمة، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية المعنية، القبض على أحد الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم غسـل الأموال من حصيلة الإتجار غير المشروع في النقد الأجنبي، بقيمة تعاملات 25 مليون جنيه، حيث اتضح محاولة إخفاء مصدرها وإصباغها بالصبغة الشرعية، وإظهارها وكأنها ناتجة عن كيانات مشروعة عن طريق شراء الوحدات السكنية، المحال التجارية، والأراضي.
فيما قررت النيابة في وقت سابق حبس شخصين أدارا صفحة لترويج المخدرات عبر الإنترنت في الجيزة 4 أيام على ذمة التحقيقات، حيث تمكنت الإدارة العامة لمكافحة المخدرات بقطاع مكافحة المخدرات والأسلحة والذخائر غير المرخصة من ضبط شخصين يقيمان بمحافظة الجيزة، لإدارتهما صفحة عبر موقع التواصل الاجتماعى «فيس بوك» يروجان من خلالها لبيع مواد مخدرة مقابل مبالغ مالية والتربح من خلالها، وبحوزتهما (كمية كبيرة من الأقراص والأمبولات المخدرة والمؤثرة ومبلغ مالى و2 هاتف محمول).
سرقة البيانات
في حديثه لـ»أخبار الحوادث» يشرح اللواء محمود الرشيدي، مساعد وزير الداخلية للمعلومات سابقًا آلية عمل هذه التطبيقات ومن يقف ورائها؛ عبر أجندة محكمة ومتقنة إلكترونيًا، من خلال خلق شبكة معلوماتية عن كافة البلاد التي يعمل فيها التطبيق، ودراسة نوعية المواطنين بالبلد وطريقة تفكيرهم وانتماءاتهم، وبعد ذلك تحدد هوية الأشخاص المرغوب استقطابهم.
وأضاف الرشيدي: «أغلب التطبيقات الإلكترونية وليست فقط تطبيقات المراهنات تعمل على فكرة المكسب السريع، وهم فعلا يمنحون من يدخل التطبيق مبالغ يتم من خلالها استقطابهم بها، وما أن يقعوا في الشباك حتى يصلوا إلى المرحلة الثانية، وهي النصب وسرقة ما لديهم من أموال؛ فوزارة الداخلية تفرض قبضة إلكترونية أمنية لرصد جرائم التواصل الاجتماعي».
من ناحية أخرى، يوضح المهندس وليد حجاج، خبير أمن المعلومات؛ أن صغار السن هم الفئة التي عادة ما تستقطب، لأنهم يندفعون دفعًا وراء هذه التطبيق دون حرص، ودون أن يشكوا في شيء، وحتى لو كانت مبالغ المراهنات التي يدفعونها قليلة نسبيًا، إلا أن فكرة إغرائهم بالمكسب تكون ناجحة، ومرة بعد مرة سيزيد المبلغ المراهن عليه، ومرة بعد مرة سوف تدخل أقدامهم أكثر في الخية، ومن ثم يسقطون في الشباك.
وأوضح حجاج قائلا: «أغلب التطبيقات الإلكترونية ليس هدفها الوحيد سرقة أموال العملاء، بل الهدف الأكبر هو سرقة بياناتهم الشخصية، لتحليلها بشكل أعمق، واستخدام هذه البيانات في أغراض أخرى، وقد يصل الأمر إلى ابتزاز الضحايا بهذه البيانات؛ لإجبارهم على ممارسات يرفضونها، وهو ما يحدث في أغلب التطبيقات، والفئة الأكبر التي يعملون عليها لسرقة بياناتهم وابتزازهم هن الفتيات، وذلك لاستخدامهن في أغراض أخرى منافية للآداب».
دراسة التطبيقات
وفي سياق متصل، قال أحمد بدوي رئيس لجنة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس النواب: «هذه التطبيقات مجرمة في قانون تقنية المعلومات، وهو قانون مكافحة الجريمة الإلكترونية، لكن يظل الوعي هو حجر الأساس للتصدي لهذه التطبيقات ومن يقف خلفها، وفكرة إزالة هذه التطبيقات لا يعني تضييقًا في هذا المجال، لأن الدولة بأجهزتها التنفيذية والتشريعية والرقابية تدعم الاستثمارات في صناعة التكنولوجيا، لكن ضد محاولات نوعية معينة من التطبيقات هدفها سرقة أموال الناس وابتزازهم، ومثلما أوضحت، يصل الأمر بالضحايا إما إلا للانتحار أو القتل بهدف السرقة لتعويض خسارتهم».
وأكمل بدوي قائلا: «لا يمكن اعتبار وجود تطبيق للمراهنات والقمار الإلكتروني استثمارًا، وأن كل دولة يحق لها حماية أمنها القومي، بكل الطرق التي تراها مناسبة، وما حدث من خلال غلق أحد تطبيقات المراهنات في الأيام الماضية كانت خطوة، ستتبعها خطوات، للقضاء على هذه التطبيقات، ونحن في لجنة الاتصالات ندرس بشكل مكثف تفشي ظاهرة تطبيقات المراهنات والقمار عبر الإنترنت، وقريبا ستحل هذه المشكلات بشكل كامل».
اقرأ أيضا: جنون السوشيل ميديا.. سرقوا 45 سيارة للتباهي بها على «Tik Tok»
على الجانب الآخر، قال الشيخ إبراهيم رضا، أحد علماء الأزهر الشريف: «إن تطبيقات المراهنات، التي يدفع من خلالها المشاركون أموالا للمراهنة على أمر ما بغية المكسب واسترداد ضعف ما دفع، ويخسر الباقون، لهي عين القمار المحرم، فالقمار أو المراهنة من الميسر المتفق على حرمته شرعًا، وقد أمرنا لله تعالى باجتنابه
واختتم قائلا: «ليس القمار وحده بل أغلب التطبيقات الإلكترونيةتؤثر سلبًا على الأسرة وبالتالي تؤثر سلبًا على الأطفال، وتؤدي إلى كثرة المشكلات الزوجية وارتفاع نسب الطلاق، بالإضافة إلى أن إدمانها كإدمان الكحوليات والمخدرات، وهو سبب من أسباب تعاسة الإنسان، وفساد أخلاقه، ودافع من دوافع الجريمة كالسرقة، والعديد من الانحرافات السلوكية في المجتمعات».
تحركات لاحتواء أزمة الكلاب الضالة بإنشاء ملاجئ آمنة لهم
تزامنًا مع عيد الأضحى .. الداخلية تحكم قبضتها على الأسواق وتضبط المخالفين
تحــرك من مجــلس الشيـــوخ .. لتغليــظ العقوبات على المراهنات الرياضية







